شربتجي: قبلت تحدي "ذاكرة الجسد" مدفوعا بهوى رومانسي قديم

شربتجي: قبلت تحدي "ذاكرة الجسد" مدفوعا بهوى رومانسي قديم
شربتجي: قبلت تحدي "ذاكرة الجسد" مدفوعا بهوى رومانسي قديم

مخرج تلفزيوني سوري يرى أن المسلسل الكوميدي مغامرة "على كف عفريت"

محمد جميل خضر

عمان - ليست مصادفة أنفه الأشم وملامح وجهه الدقيقة، فالمخرج السوري هشام شربتجي المطل بلحيته الوقورة من جيل الرواد, يتميز بآرائه الصريحة وعباراته المقتضبة وغير المجاملة في معظم الاحيان.

اضافة اعلان

ومتنقلا من حقل ابداعي الى آخر, وصل شربتجي الحاصل في العام 1974 على ماجستير أدب مقارن من قسم الآداب المسرحية التابع لأكاديمية الفنون في القاهرة, الى الحقل الذي استقر فيه اخيرا وحقق اهم انجازاته من خلاله: الاخراج التلفزيوني.

وعبر عشرات اعمال الدراما التلفزيونية، نقش الحاصل في العام 1971 على بكالوريوس آداب مسرحية من اكاديمية الفنون في القاهرة (المعهد العالي للفنون) اسمه بأحرف من ذهب على صفحات معظم الشاشات العربية.

ورغم ارتباط اسمه بأهم الاعمال الكوميدية السورية, الا ان لشربتجي كثيرا من المسلسلات الدرامية غير الكوميدية: "ايامنا الحلوة", "الوجه الآخر" و"رجال تحت الطربوش" نماذج.

وعندما كان طفلا جرّب مخرج مسلسل "يوميات جميل وهناء" الرسم وحاز في العام 1955 على الجائزة الاولى في مسابقة عالمية نظمتها لرسومات الاطفال منظمة اليونسكو التابعة لهيئة الامم المتحدة, وحملت اللوحة التي لاتزال محفوظة حتى الآن في مقر الامم المتحدة عنوان "الأم".

ومارس في ذلك الزمن البعيد عددا من الرياضات (كرة السلة والطاولة) وتفوق فيهما قبل ان يتحول الدمشقي المعتق (شربتجي في بدايات عقده السادس) الى رياضة الصيد, كعادة اهالي دمشق ايامها, وهو ما كانت تمتاز به الى ذلك اسرته الصغيرة, وتألق شربتجي تحديدا في رماية المسدس الحر.

وعلاوة على كل ما سبق, كان مخرج مسلسل "بنات اكريكوز" احد مؤسسي جمعية التصوير الضوئي السورية, واقام في هذا الحقل الابداعي عددا من المعارض في سورية وخارجها, وفي صوره تركيز, كما يشير على الوجوه الشامية, وعلى تفاصيل الحياة الاجتماعية في الحارة الدمشقية.

ومن دون مواربة او مقدمات مطولة, يدخل شربتجي بشكل مباشر في الحوار الذي اجرته "الغد" معه على هامش وجوده في عمان منهمكا في مسلسل "ذاكرة الجسد" الذي يخرجه عن رواية الجزائرية احلام مستغانمي للمركز العربي للخدمات السمعية والبصرية بعد ان كان اعد السيناريو له.

وبلغة ساخرة يرى ان الكوميديا التي تحاولها المسلسلات التلفزيونية قد لا تكون لها قيمة وليست بشيء يذكر امام الكوميديا اليومية التي "يتفنن فيها القادة السياسيون عبر شاشات الفضائيات". ويعلل انتشار الاعمال الكوميدية اكثر من غيرها بما تحظى به من تكرار عرض يصل احيانا الى حد المبالغة.

ويصف اخراج المسلسلات الكوميدية "بهمّ" نتائجه "على كف عفريت" ويسهب في هذه النقطة تحديدا قائلا "نتائجه غير مضمونة على كف قلم ناقد لا يرحم وعلى كف ممثل كبرت في رأسه" ويختم بالقول حول حقل الغام المسلسل الكوميدي "تعودتْ شعوبنا ان تقول في الكوميديا ما لا ينصفها".

ويرفض صاحب مسلسل العائلة بنجومها العديدة "عائلة خمس نجوم" وحتى ثماني, مصطلح كوميديا سوداء, ويقول "اما كوميديا او لا" ولا يستثني من ذلك الكوميديا الحركية, والمفارقات, والقفشات والافيهات او ما يسمى كوميديا الكباريه السياسي, او حتى الكوميديا التي تستقي مادتها من الايحاءات الجنسية "المرفوضة في بلادنا علما بأنها موجودة من ايام اليوناني ارستو فانيس".

وعن طريقته في اخراج الاعمال الكوميدية يوضح صاحب عديد من حلقات الدراما التلفزيونية "بقعة ضوء" بأنه سعى بداية لتخليص الكوميديا السورية خصوصا والعربية على وجه العموم من كوميديا الشخص الواحد, ويذكر انه ذهب باتجاه الكوميديا الاجتماعية لتحقيق مساعيه تلك.

كوميديا اجتماعية

ويشرح في سياق متصل انواع الكوميديا التي قدمها في اجزاء مسلسله العائلي "في عائلة خمس نجوم قدمت كوميديا اجتماعية وفي عائلة ست نجوم ركز العمل على كوميديا الاغتناء المباغت, وتحولتُ في عائلة سبع نجوم الى كوميديا الموبت (العرائس) اي تحويل الممثل الى دمية وتحريك هذه الدمية بما لا يتناسب مع شكلها الخارجي, وجمعت في عائلة ثماني نجوم مختلف هذه الكوميديات فجاءت خليطا من كل ما سبق", ويشير الى انها تحولات مدروسة ومخطط لها, ويؤكد في السياق نفسه فخره بتجربة عائلة النجوم التي كما يقول "خلقت نجوما لا يستحق كثير منهم حتى ان اذكر اسمه الآن لاسباب تتعلق بجحودهم العمل الذي صنعهم وتنكرهم له".

ولا يكتفي بما تقدم حول اعتزازه بالمسلسل فيزيد "حتى اني فخور بكل الشتائم التي كيلت لمسلسل العائلة, ويكفي ان قبقاب امل عرفة الذي ظهرت فيه معظم دورات العمل صار مشهورا ربما بما لا يقل عن شهرة قبقاب غوار الطوشة", في اشارة للشخصية التي عرف بها الفنان دريد لحام.

وعن ضرورة امتلاك المخرج معرفة اكاديمية ودرجة علمية يقول مخرج مسلسل "المدير العام" عندما يمتلك انسان ما فائضا من الموهبة يصبح مخرجا بغض النظر عن طبيعة دراسته, ويمكن ان يصبح اسلوبه الاخراجي ان كان متميزا مدرسة بحد ذاته, ويستطيع والحالة كهذه ان يدرّس الاخراج في اعرق الجامعات.

وفي عودة لأسلوبه التهكمي الصريح يختم حول هذه المسألة "الطامة الكبرى الا يكون واحدهم موهوبا ولا اكاديميا ويصير بالرغم من كل ما سبق مخرجا, يمكن ان تكون لديه مواهب اخرى خلف الكواليس" ويشير في هذا السياق الى ضعف الحالة الانتاجية في العالم العربي والى ثغرات مرّ عبرها العديد من المتسلقين والمتزلفين.

ويحيل صاحب تجربة يتيمة في المسرح "ليلة انس" استمر عرضها من بطولة ناجي جير ثمانية اعوام متتالية, تفوق الدراما السورية الى مخرجين رواد, حملوا شعلة النهوض بالدراما السورية منذ عقود بعيدة قادمين بشهاداتهم واخلاصهم وتفانيهم من مختلف جهات الارض: الاتحاد السوفييتي سابقا وكثير من دول المنظومة الاشتراكية آنذاك, مصر, فرنسا والمانيا وغيرها.

زمن الأنصاف

ويشير الى ان زيادة الطلب على الدراما السورية دفع شركات الانتاج الى تكليف "أنصاف المخرجين وأنصاف الموهوبين وأنصاف الاخلاقيين ما ادى الى انتاج اعمال تحمل عنوان الأنصاف".

وفي عودة الى موضوع تفوق الدراما السورية واسباب هذا التفوق, يعدد شربتجي اضافة لفضل المخرجين الاوائل القادمين من ثقافات فنية مختلفة والحاملين احلاما وافكارا سعوا لاظهارها عبر اعمالهم, الدفعات الاولى من طلبة المعهد العالي للدراما في سورية, الذي خرج عددا من الممثلين الموهوبين الهواة بعيدا عن الكسب المادي, تراجع الدراما المصرية, بسبب تضخم ذات عديد من نجومها حتى صار كثير من المخرجين لا يقوون على توجيه تعليماتهم لهم, ويؤكد في السياق على الدور الرئيسي للهواية, ويستشهد هنا بتجربة ابناء جيله الذين كما يبين عملوا بحب واخلاص وبأجور لا توازي ولو قليلا من الجهد الذي بذلوه, ولا تقارن لا ماديا ولا اجتماعيا مما حققه ويحققه أبناء الجيل الحالي, الذين، يواصل شربتجي، وبعد عام من نجاح واحد, "يركب الواحد منهم سيارة موديل السنة ويشتري بيتا موديل السنة ويتزوج امرأة موديل السنة, ويقابل مسؤولا موديل السنة", ويشير في السياق الى تجربته الشخصية عندما اشترى اول سيارة في حياته بعد 13 عاما من العذاب وعمله في الاخراج وكانت قديمة موديل 1958 "كان عمرها اكبر من عمري وكانت (مبندقة) بما يشبه شخصيتي" وفي سبيل تأكيد الفارق في ظروف العمل ايام زمان وظروفه في الوقت الراهن يقول "كنا ننام في غرفة المونتاج" ويزيد "من يستسهل الامور لا يعرف قيمتها" ويختم حول هذه الجزئية "اي صناعة أساسها سليم يمكن ان تنجح, لكن مشكلة صناعتنا انها صناعة افكار, علما بأنها لا تقل اهمية عن صناعة السلاح".

وعن طريقته في الاخراج, يوضح صاحب "مرايا 86" الذي صوره في الاردن, انه يتعامل مع ممثليه كأطفال مشاغبين, بعضهم يروضه بالترغيب, آخرين بالترهيب, ربما بالكلمة الطيبة او دغدغة المشاعر.

ذاكرة الجسد

وعن تجربته مع "ذاكرة الجسد" يشير صاحب مسلسل "اللعب ممنوع" الذي صوره في لبنان الى انه جاء على مشروع المسلسل المأخوذ عن الرواية متأخرا, ورأى النص الذي كتبه "بعد عذاب" الشاعر غازي الذيبة "والآن اقول الصديق الرائع الذي يسمى غازي الذيبة" ويبين ان رأيه السابق عن الرواية انها لا تصلح لعمل تلفزيوني بل لفيلم سينمائي "وبعد قراءتي للنص المكتوب من قبل الذيبة والملاحظات التي كانت تطلب منه" وهنا يشبه الذيبة بشخص يقود مركبة تحمل خمسة اشخاص وواحد يطلب منه الانحراف يمينا, وآخر يلح عليه بالتوجه يسارا, وآخر يقترح عليه التوقف, فيما الرابع يفضل السير قدما الى ان "فات بالحيط" حسب النقل الحرفي لعبارة شربتجي, ويذكر انه بعد قراءته للنص والملاحظات وضع يده على بذور كيف يمكن الخروج من المأزق وصناعة سيناريو تلفزيوني من هذه الرواية.

ويؤكد بأنه قبل التحدي وسجن نفسه شهرا مع الذيبة الى ان خرج السيناريو الجديد للمسلسل.

وعن اسباب قبوله اعداد سيناريو المسلسل ومن ثم اخراجه, يورد شربتجي عوامل عديدة, اهمها فرصة التعامل مع المركز العربي بعد اعوام من مشاريع لم تكتمل, والتعامل ثانيا مع رواية اخذت كل هذه السمعة وكل هذا الانتشار (باعت 22 طبعة متتالية), تطابق بعض شخصيات الرواية "ولن اذكرها" مع ما يشعر به في هذه اللحظة التاريخية.

ويصف النص الذي تمخض عن ورشته مع الذيبة بأنه يحمل سمات المسرح والرواية من جهة والتكنيك السينمائي من جهة اخرى, ويستدرك "هي مغامرة انتظر الحكم عليها".

ويقول "ما يخيفني بأن كل من قرأ السيناريو وصفه بأنه اكثر من رائع, اما كيف تأتي النتائج بعد التصوير فالله اعلم لأنني الآن في فترة خطوبة مع المركز العربي حيث يحرص كل واحد منا على اظهار افضل ما لديه, وبعد شهر العسل تحدث تحولات وارجو ان يكون هذا الزواج ابديا لأنني حتى هذه اللحظة احببت التعامل مع كل العاملين في المركز العربي ولست اقول هذا الكلام مجاملة لانني لا ابحث عن عمل بل ابحث عن ظرف العمل المواتي والمناسب".

وعن التحول من الكوميديا الى عمل يحمل سمات تاريخية (يرصد العمل مرحلة ما بين 1945 الى 1988 في الجزائر) وجادة ويشبه المونولوج الداخلي, يؤكد شربتجي ان الكوميديا فُرضت عليه ولجأ اليها في ظروف محددة, ويبين بأنه لا يحتاج ان يكون جزائريا ليتسنى له نقل اجواء العمل بدقة وحساسية عالية, خصوصا انه من جيل كان يؤمن بالوحدة العربية ويتابع بشغف واخلاص اخبار الثورة الجزائرية ويقول "يشكل العمل فرصة للتعامل مع بيئة غير بيئتي وتصوير معارك لم اخرج مثلها في حياتي ورصد قصة حب رومانسية مذهلة في فرنسا ومجموع ما سبق يشكل بالنسبة لي (عرس مطنطن) وانا لا اهرب من عرس قط".

حلم السينما

ويكشف الذي درس في الماضي الطيران المدني ولم يواصل دراسته فيه، ان حلم اخراج فيلم سينمائي يراوده منذ اعوام طويلة, ولم تأت الفرصة المواتية بعد لـ "يُسبّع الكارات" كما العبارة التي استخدمها, ويرى شربتجي في هذا السياق ان الاخراج التلفزيوني اقترب من اجواء السينما بعدما صاروا يصورون بكاميرا واحدة "الفرق بيننا وبين مخرجين السينما اننا نعمل كثيرا و(نصفن) قليلا وهم يعملون قليلا (ويصفنون) كثيرا".

ويختم هنا بالقول "لدي حلم حقيقي بأن اخرج للسينما ولكن من يغامر بأن ينتج مسلسلا مثل "جميل وهناء" كفيلم سينمائي غير كوميدي".

ويرى شربتجي في موضوع آخر ان مسلسلات الثلاثين حلقة فورة لا بد ان تنتهي ذات يوم, داعيا الى ضرورة العودة الى الفيلم التلفزيوني والثلاثيات ومسلسلات السبع حلقات "رمضان ظلم الدراما العربية, ونحن ظلمناه بدورنا بفرض التحلق فيه حول شاشات التلفزيون".