عادل إمام: زعيم يجد نفسه في السبعين لاعبا مع الصغار

عادل إمام: زعيم يجد نفسه في السبعين لاعبا مع الصغار
عادل إمام: زعيم يجد نفسه في السبعين لاعبا مع الصغار

 

نادر رنتيسي

عمان- الشاب الذي كان في الثانية والعشرين من عمره في العام 1962، بدأ ممثلا مغمورا، وكان اسمه خفيف المقاطع والوقْع، عادل إمام، منسجما مع الأدوار الثانوية التي أسندت إليه، التي لم تكن تشي بـ "زعامة مطلقة" بعد أقل من عقد ونصف. 

اضافة اعلان

وخريج كلية الزراعة، وجد كغيره من طلابها على مسرح الجامعة فرصة الانطلاق إلى عالم التمثيل، وبدا محظوظا بالظهور الأول "سكرتيرا فنيا" في مسرحية لأستاذه فؤاد المهندس، ليستمرئ "ظلاله الخفيفة" في فترة الأبيض والأسود مع نجوم ذلك الزمان، مثل أحمد مظهر وحسن يوسف في أفلام "الخروج من الجنة" و"عفريت مراتي" و"لصوص لكن ظرفاء" و"مراتي مدير عام".

لم تعطه السينما أكثر من أدوار "السنيد"، فيرتد إلى المسرح في النصف الأول من عقد السبعينيات، وتحديدا في العام 1973، ليُنصب نفسه زعيما على مجموعة مشاغبين في المدرسة، فيكون دور الاسكندراني بهجت الأباصيري الطريق السريع إلى الشهرة، وإنْ بمزاحمة زميله، ذراعه اليمنى "مرسي الزيناتي" أو سعيد صالح!

لكن حلم السينما يبقى يراوده، ولأن المنتجين لم يطمئنوا للرهان عليه تجاريا، يسترسل فكرة البطولة الجماعية، مع زملاء سيفترقون بعد أقل من عقد ويشكل كل منهم ظاهرة، مثل نور الشريف وسمير غانم، في أفلام خفيفة تعتمد الإضحاك والجنس.

تكرِّسه "شاهد ما شافش حاجة" نجما مطلقا، حين يعود الزملاء "عيال" يكبرون أو يصغرون بتفاوت شديد، فالأسمر أحمد زكي يصبح ندا ٌلإمام فيما يتبقى من عمره الستيني، بينما يُخفق سعيد صالح ويصبح ذراع إمام اليسرى، شقيق "المشبوه" وصاحبه الذي يُقرأ عليه السلام عندما يموت، دائما..!

ويحيا إمام، دائما، ويبدأ كتابة مجده منفردا "رجب فوق صفيح ساخن"، لكنه قبل ذلك يُشارك أحد الآباء الكوميديين التقليديين، عبد المنعم مدبولي، فيلما ناقدا لنظام حكم جمال عبد الناصر، هو "احنا بتوع الأتوبيس"، الذي يزيد من التباس هوية النجم السياسية، حيث كان ناصريا في شبابه، وإنْ لم يتح له التعبير عن ذلك في أعماله التي أخذت تدور في عقد الثمانينيات في نمط الشاب المضطهد الذي يواجه مخالب رأس المال، وينتصر في النهاية بطرق طريفة تأتي ضمن منطق الخفة التي حملتها أفلامه على غرار "حنفي الأبهة" و"أنا اللي قتلت الحنش"، وغيرها مما لا يشذ عنها إلا النهاية الانتقامية التي فرّغ بها يأسه في "الغول".

نمط آخر جسده، وهو الشاب الريفي الساذج، الذي يذهب إلى "مصر" أو القاهرة، يبتكر حيله التي تمكنه من استيعاب "الصدمة الحضارية"، ويفلح دائما في تطويعها برفقة إسعاد يونس في "المتسول" و"شعبان تحت الصفر".

لكنه في ذات العقد الذي شهد تكريسه نجم الشباك الأول، راح ينوِّع من مواضيعه التي بقيت في مضمون اجتماعي وعاطفي، فيذهب في واحد من روائع أفلام السينما العربية "حب في الزنزانة" إلى الرومانسية الحارة التي تم تبريدها في سياق عقد الثمانينيات أو "المقاولات"!

يُثير الجدل في "الأفوكاتو" فتطارده نقابة المحامين لـ "تشويه وتسفيه صورة المحامي المصري"، وبعد فيلم "كركون في الشارع" تستلهم الحكومة المصرية فكرا لحل مشكلة الإسكان، لكنه يبقى مشدودا للشاب الحذق أو الساذج، فيجمعهما في توأمين من خلال "مين فينا الحرامي"، ويصر على دور المنتصر/ المنتقم في "الهلفوت" ليختم العقد بواحد من اكثر أدواره جدية، وإن بدا مبالغا فيه عندما بدا ضابطا شرسا في "النمر والأنثى" ضد مافيا المخدرات.

يبدأ عقد التسعينيات بفيلم قال مرة إنه استوحاه من حرب الخليج الثانية، وهو "شمس الزناتي" المقتبس عن الفيلم الأميركي "العظماء السبعة"، ويكون مؤشرا إلى اتجاه سياسي في أعماله، يغذيه بتعاونه مع السيناريست وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، فيكون الموظف البسيط الذي يحتجز مراجعي مجمع الدوائر في غفلة منه، فيجد نفسه في مواجهة الحكومة، فلا يستطيع الحصول منها إلا على "الكباب" مقابل تخليه عن "الإرهاب"!

ويجد خصومه في ذروة تكريسه فنانا "فوق العادة"، مناسبة لانتقاده وبداية كونه "بوقا للنظام"، فيخوض مع الإسلاميين معركتين سينمائيتين كلفتاه حربا إعلامية شرسة في "الإرهابي" و"طيور الظلام".

لكنه لا يتخلى عن نمطه التقليدي: شاب مطارد في مسرحيته "الواد سيد الشغال"، وشاب حالم ترفعه المصادفات الساذجة وتنزله في "فذلكات درامية ساذجة" في ثلاثيته غير الموفقة "بخيت وعديلة، الجردل والكنكة، وهالو أميركا"، ويستمرئه في "الواد محروس بتاع الوزير"، وهو في الستين من عمره! 

يمعن في المزاوجة بين الجاد والهزلي بعد أن منحته مسرحية "الزعيم" اللقب الذي التصق به، بعد أكثر من ثلاثين عاما تربع خلالها على عرش النجومية بلا لقب!

يدرك الفنان الذي يدخل اليوم، السابع عشر من أيّار (مايو) عامه التاسع والستين، أنه ما عاد الشاب الذي يطيح بعصابة بحركات بهلوانية، فيأخذ دور الأب الطائش في "التجربة الدنماركية" والأب الغيور في "عريس من جهة أمنية" الذي شكل كوميديا راقية بلا افتعال، لكنه أبدا لا يستغني عن دور زير النساء ويستعيده في "السفارة في العمارة" وإن بقالب سياسي سطحي.

لكنه لم يبدُ كذلك في تصريحاته السياسية، التي يتقن فيها إشعال الحرائق، حيث أثار انتقاده لصواريخ حركة حماس التي وصفها بـ "العبثية" ضجة كبيرة، وجد نفسه خلالها بالاتهام التقليدي له أنه "بوق النظام" والمروج لتوريث الحكم إلى نجل الرئيس المصري، جمال مبارك، الذي تربطه به صداقة.

"أنا الزعيم" قالها بمشهد مسرحي مفتعل، لكنه راح يستعين بأصدقاء الأمس ليواجه الشباب، أو الصغار قلبوا عنوان فيلمه المعروف، فصار "اللعب مع الصغار" في كل صيف، وهم الذين كانوا يتلقون صفعاته في الأفلام، (محمد هنيدي على سبيل المثال!)..، يحشد نجوم الثمانينيات في "عمارة يعقوبيان" ولا يتصدر الإيرادات، ويدخر النجم العالمي عمر الشريف، فيكون طلقته الأخيرة في "حسن ومرقص"، قبل أن يقرر المواجهة وحيدا في موسم 2009 وحيدا، مراهنا على اسمه الذي بات "ثقيلا" ولا يحتمل القمسة رغم تباعد حروفه!