"فصيل على طريق الموت": الصعود على سلّم التفاصيل نحو الهاوية

"فصيل على طريق الموت": الصعود على سلّم التفاصيل نحو الهاوية
"فصيل على طريق الموت": الصعود على سلّم التفاصيل نحو الهاوية

غسان مفاضلة 

عمان- مع مسرحيته الجديدة "فصيل على طريق الموت"، أعاد المخرج غنام غنام الاعتبار إلى قيمة الحياة، حين شرّح تحت أضواء مفارقاتها الكاشفة عجينة الموت، التي خمّرتها تفاصيل الخلافات الصغيرة على غفلة من ضياع الطريق والمعنى إلى الأهداف الكبرى.

عاينت المسرحية، التي أعدها المخرج عن نص الإسباني ألفونسو ساستري ضمن ثلاثية الدراما الثورية الإسبانية، ضراوة الخلافات الصغيرة بين ستة جنود وجدوا أنفسهم يصعدون تحت وطأتها سلّم الهاوية على حدود الوطن والحياة.

أتاحت المسرحية بشخصياتها الستة تحت مسمياتها الاسبانية: بيدرو، ادولفو، خابيير، لويس، أندرياس والعريف، المجال واسعاً لترصد العلاقات الناظمة لموضوع المسرحية، الذي جسدته شخصياتها باقتدار تعبيري كشف عن ثراء معاينة مناخات الحياة والموت، التي شكّلتها تفاصيل الخلافات الصغيرة، ووضعتها في مدارات التيه أمام القضايا المصيرية.

تتقاطع أحداث المسرحية، التي تصوّر معاناة ستة جنود تم تخليصهم من حكم الإعدام بتهم مختلفة، مقابل التحاقهم في فصيل عسكري مهمته حماية حدود الوطن من الأعداء، مع العديد من قضايا الواقع الراهن في مشهده العربي، خصوصا في ظل الخلافات الصغيرة والصراعات الداخلية، التي تعصف ببنية المجتمعات المأزومة وتفكك جبهتها الداخلية أمام أعدائها.

يشكّل الجنود في كمينهم المتقدم على الحدود تحت إمرة عريف صارم في جنديته، رأس حربة في مواجهة هجوم محتمل للعدو خلال 48 يوما، بحيث يمنحون فرصة الحرية إذا نجوا من الموت، لكن في اليوم الرابع تتفجر بينهم الخلافات الصغيرة، فيقتتلون وينتهون قبل وصول العدو.

اشتبك العمل المسرحي "فصيل على طريق الموت"، الذي احتضنه الفضاء المفتوح لمديرية الثقافة والفنون في جبل اللويبدة على مدار 75 دقيقة، مباشرة مع تفاصيل الواقع الاجتماعي والسياسي في بيئته العربية ضمن إسقاطات حاذقة توحي أكثر مما تقول، وتشير من دون تحديد.

تكشف مشاهد المسرحية في حيزها المكاني المحدود ممثلا بالفصيل العسكري المرابط على الحدود، عن العديد من المواقف والأيديولوجيات والأفكار المتصارعة، التي تحملها شخصيات الجنود المتحدّرين من خلفيات وتجارب وتُهَمٍ متباينة كانت السبب في الحكم عليهم بالإعدام قبيل صفقة الإفراج عنهم مقابل حماية حدود الوطن من الأعداء.

تناول العمل مفهوم الرجولة وارتباطه بمعنى الجندية وضوابطها الصارمة، وهو المعنى الذي أعادت المسرحية مساءلته في ظل مشاهد القمع والتسلّط والاستبداد التي يمارسها عريف الفصيل على جنوده، الذين تدفعهم مغالاته في اضطهادهم إلى قتله والتخلص منه بدم بارد.

طوعت المسرحية المفردات الطبيعية في الفضاء الخارجي لباحة مديرية الثقافة والفنون، بخاصة أشجار السرو الشاهقة والسلاسل الحجرية، وأضفت عبر المؤثثات التقليدية للثكنة العسكرية من أسرة وأسلحة وأبراج مراقبة ونوبات الحراسة، مشهداً حياً على مجريات المسرحية بأحداثها ومنعطفاتها الدراماتيكية.

وحول إفادته من الفضاء الخارجي لمكان العرض وتطويعه ضمن روحية العمل عبر إعادة تشكيل نسيجه وتراكيبه الداخلية، بيّن مخرج المسرحية ومعدّها، أنه اعتاد سابقا على تقديم "الفرجة" في فضاء المسرح الحر، "والآن أقدم عرضا بمقاييس واقعية تمتزج فيه الملامح التعبيرية مع الدلالات الرمزية ضمن ضرورات المعالجة الفنية والرؤية الإخراجية".

ولفت غنام غنام في حديثه إلى "الغد" أن المعالجة الفنية في سياقها الإخراجي "حكمت إعادة إنتاج النص الأصلي الذي كتب ضمن ثلاثية الدراما الثورية الاسبانية"، رائيا أن الإحالات الواقعية التي أسقطها على المسرحية من خلال إعادة صياغة شخصياتها، جاءت متساوقة مع راهنية واقعها وبيئتها.

ولفت إلى أن العمل يعتمد بشكل أساسي على الطاقات التعبيرية الاستثنائية، التي برع في الكشف عنها ستة من الممثلين الشباب الجدد الذين يظهرون أول مرة على المسرح، وهم: محمد المعايطة شاعر ويعمل بوظيفة حارس ليلي في بلدية الزرقاء ويسعى للانتساب إلى الجامعة، عبد الله العلان ويدرس الهندسة الميكانيكية، سليمان الزواهرة مدرس رياضة، فارس البطوش يدرس التصميم في جامعة اليرموك، فهد باكير مدرس تصميم في جامعة العلوم الإسلامية، فيما ما يزال خليل أبو حلتم يدرس الفنون التشكيلية".

وأوضح غنام أن المجموعة، التي ستقدم عرضها الأخير عند الثامنة من مساء اليوم في ساحة مديرية الثقافة والفنون بجبل اللويبدة، دخلت في مغامرة غير محسوبة ماليا، "حيث قدمنا عملا من دون ميزانية"، مبيّنا أنه يسعى من خلال هذا العمل إلى توريث المسرح الأردني مجموعة جديدة من الطاقات الشابة والطموحة، والتي من شأنها أن تشكّل مفصلاً حيويا في الحراك المسرحي الأردني".

[email protected]اضافة اعلان