"قلب الحدث": مسرحية عراقية تنحاز للحياة وسط أهوال الدمار ونذر الموت

"قلب الحدث": مسرحية عراقية تنحاز للحياة وسط أهوال الدمار ونذر الموت
"قلب الحدث": مسرحية عراقية تنحاز للحياة وسط أهوال الدمار ونذر الموت

غسان مفاضلة
 
عمان- المصادفة وحدها، وسط أهوال الدمار ونذر الموت الوشيك بين الشهيق والزفير، هي ما يجعل الإنسان العراقي على قيد الحياة، أو على ذمة موت مفخخ انتزعت من ثقوبه السوداء مسرحية "قلب الحدث" بصيص أمل يجعل من الاستمرار في الحياة مشروعاً قابلا للتحقق رغم مجانية المشهد وعبثيته.

اضافة اعلان

ومن دون خطابات مثقلة بالشعارات، وعبر لغة كاشفة ومتخففة من ضراوة العاطفة، التي عادة ما تتخم الأعمال المسرحية حين تعاين الأحداث الكبرى وتنغمس في تفاصيلها ومجرياتها، راح المخرج العراقي مهند هادي يشيد معمارية مشاهده المسرحية وفق منظومة سينمائية متداخلة أطلت بشخصياتها الثلاث، إضافة إلى شخصية المخرج "صانع الموت"، على الواقع العراقي لتتحرك معه وفق لعبة الحياة والموت، وضمن شروطها التي ما تزال فصولها التراجيدية تتابع وتتداخل باحتدام على خشبة الواقع أكثر من خشبة المسرح.

ثلاث شخصيات تستفيق بعد تعرضها لحادث انفجار داخل سيارة مفخخة، جسدها الفنانون؛ فلاح ابراهيم، سمر قحطان وآلاء نجم، ليواصلوا من جديد لعبة الحياة في إطار الكوميديا السوداء، التي برع المشهد العراقي على أرض الواقع في تجسيدها على نحو فجائعي قل نظيره على وجه البسيطة.

افتتحت المسرحية على ضجيج أصوات متداخلة في الشارع تشير إلى وقوع كارثة، ويستطيع من يسمعها أن يميزها وينسبها إلى الشارع العراقي. تفجيرات وسيارات إسعاف وصفارات إنذار ونداءات وتحذيرات، وثمة أشخاص يتحركون بارتباك جيئة وذهابا على خشبة المسرح، وفي الأثناء يدخل شخص بلباسه وقناعه الأبيضين ساحبا خلفه حقيبة كبيرة يعقبه انفجار مدو تتعالى إثره ووسط الظلام صيحات استغاثة وصراخ وبكاء، يلي الحادث مباشرة مشهد لثلاثة أشخاص متلاصقين في لقطة ساكنة بفعل الانفجار الذي أودى بحياتهم، ليبدأوا من مكان آخر لعبة الحياة من جديد.

وفي إطار الكوميديا السوداء، يبدأ بين الشخصيات الثلاث حوار يعرفون من خلاله أنهم فارقوا الحياة، فيقول أحدهم "يمكن صار انفجار"، وحين يتساءل أحدهم عن شكل الانفجار "شنو اللي يفرق، سيارة مفخخة، عبوة أو قذائف"، ووسط جدالهم حول الذي حدث معهم يقول أحدهم ضاحكا "حتى بالموت تتعاركون"، وهؤلاء الثلاثة هم بائع جرائد وسكير وربة بيت أشارت إلى أنها أول مرة تغادر بيتها على زعل "اني أدري أنه الانفجار الضخم يجي بوجهي"، فيما يقول السكير "محد يسأل عني من وره الحبوب اللي ابلعها"، بينما بائع الجرائد يقول في المشهد نفسه "أمي رح توقف على الباب وتقول فرج اتأخر وخايف صار عليه شي"، وخلال تداعيات الشخصيات الثلاث يقرأون خبرا في الجرائد يفيد بأن الانفجار قتل شخصية أميركية مهمة، ليبدأوا بتوجيه الاتهامات إلى بعضهم بعضا حول من هو الأميركي بينهم، ويحاول كل منهم إبعاد التهمة عن نفسه ضمن جملة من المفارقات التي أشار إليها السكير بأنها لا تحدث إلا في رأسه من جراء الحبوب وفي رأس المخرج.

تمضي الشخصيات الثلاث في جدالها وسرد حكايتها متسائلين إن كانوا هم آخر من مات في العراق بانفجار، ضاحكين من أنفسهم ومتمنين لو أن الأعوام التي تلت موتهم لم تشهد أية انفجارات. وما إن يمر الشخص المفخخ ساحبا حقيبته حتى يصرخوا في وجهه "ليش؟"، لتنتهي المسرحية بحدوث انفجار آخر يتكرر معه المشهد ذاته من جديد.

برع المخرج بسلاسة واقتدار مع الممثلين وكادر المسرحية، في أن يقدموا عملا مسرحيا استثنائيا لجهة رشاقة الأداء ومتانة البناء ضمن نسيج معماري يتسم بالسهولة الممتنعة، والعرض بمجمله ينتمي إلى المسرح المشاكس في معاينته تفاصيل المشهد العراقي.

[email protected]