"لا تعبث مع زوهان": هوليوود حين تقترح رؤية للصراع العربي الاسرائيلي

"لا تعبث مع زوهان": هوليوود حين تقترح رؤية للصراع العربي الاسرائيلي
"لا تعبث مع زوهان": هوليوود حين تقترح رؤية للصراع العربي الاسرائيلي

رشا عبدالله سلامة

عمّان- لم يشأ الفيلم الهوليوودي الجديد "لا تعبث مع زوهان" أن يكتفي بالتلميح لازدرائه العرب واحتقاره الفلسطينيين، ولا حتى اختار تغليف تلك الإساءات المستفزة، بل راح يستعرض عضلاته في صب أكبر جام من السخرية والتزوير والشتم من خلال كوميديا فجة تجانب أي معايير ذوقية أو موضوعية.

اضافة اعلان

وبرغم أنها ليست المرة الأولى التي ينتهج فيها الممثل الأميركي اليهودي آدم ساندلر هذا النوع من المهازل الكوميدية، والتي تعد الألفاظ البذيئة والمشاهد الوقحة والمبالغات الحركية من أهم قوامها، إلا أنه اختار في فيلمه هذا أن يجعل الحق الفلسطيني مسرحا ليس لذلك النوع من الكوميديا فحسب، بل للانتحال والكذب والعنصرية، مقابل تصوير قدراته الخارقة والتي تصب في أسطورة المجند الإسرائيلي الذي لا يقهر.

ولعله من الجدير استعراض بعض مقاطع الحوار التي وردت في "لا تعبث مع زوهان"، قبل التعريض للمشاهد التي أساءت للعرب والفلسطينيين طوال الفيلم، ومنها قول أحد اليهود للعرب: "نحن يساء إلينا من شعوب العالم لأنهم يعتقدوننا أنتم (أي العرب)".

كذلك عندما اتهم الفلسطيني صاحب المتجر اليهودي بالكتابة على واجهة محله التجاري "انصرفوا إلى بلدانكم"، قائلا "من غيركم (أي اليهود) سيكتب ذلك؟"، فكان رد اليهودي: "كل شعوب العالم".

مقطع حواري آخر خاطب فيه يهودي أحد الفلسطينيين في أميركا، قائلا "نحن تغيرنا بعد أن أخطأنا كثيرا، فلماذا لا تتغيرون أيضا؟" (قاصدا المنهج السياسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من غير أي تعريض للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين).

كذلك عندما يهزأ أحد اليهود باشتباك أصحاب المحال اليهود والفلسطينيين، فيعلق على الفلسطينيين قائلا "هكذا يكون حالهم عندما يتحدثون في السياسة".

كانت تلك من أبرز الحوارات التي وقفت جنبا إلى جنب مع الإساءات اللفظية والشكلية التي وجهها ساندلر ضد الفلسطينيين، ومنها الإلماح المقيت لشخصية الفدائي الشهيد علي حسن سلامة، الذي كان ملقبا بـ"الأمير الأحمر" بسبب حياته الصاخبة التي كان يعيشها رغم نضاله، فما كان من الفيلم إلا أن تلاعب بصفات وملامح ذلك الرمز بطريقة كاريكاتيرية من حيث الشكل وعدد الزوجات والخليلات، الذي يفوق العشرين، واللواتي صوّرهن بالمنقبات في الخارج والمرتديات الملابس الفاضحة في المنزل! كذلك الحال عندما صوّر الفيلم مساومات العرب وصفقاتهم، حتى النضالية منها، بالتي تتم على النساء، إذ يفاوض سائق التاكسي الفلسطيني ذلك الرمز الذي ألمحوا فيه إلى سلامة على إحدى نسائه العشرين! إلى جانب تصوير الفلسطيني بالذي لا يمتلك مقومات نضالية سوى "الجعجعة" والادعاء والكذب والجري وراء الأرباح المادية، إضافة إلى جهله العلمي والحضاري الذي وصمه به وخصوصا عندما ذهب بعضهم لصيدلية كي يشتري مادة متفجرة، فما كان من الصيدلاني بسبب سوء نطق الفلسطيني بالإنجليزية إلا أن أعطاه مضادا حيويا! كذلك عندما سخر الفيلم بل وكذب فيما يخص ملابس الفلسطينيين، التي صورها بالمهترئة البالية والتي يعتمرون فوقها الكوفية بطريقة تبعث على الضحك، إلى جانب تصويرهم المقيت كالهمج عند الفرح وتناول الطعام ورؤية النساء والتحدث بالهاتف وحتى قيادة السيارة واستعمالهم المستمر للألفاظ النابية، إضافة إلى تصوير العرب وخصوصا الخليجيين بمن يرتمون على أقدام المغنيات كماريا كاري، التي يتسابق لغرفتها الرجال العرب لإهدائها والرقص معها! بيد أن الكارثة تمثلت في الزج بحركتي المقاومة حماس وحزب الله أيضا، إذ يتصل سائق التاكسي الفلسطيني بمقسم هاتف حزب الله الذي يعرض له خدمات عدة بتحويلات مختلفة من بينها تلقي المساعدات المادية أو الأعمال الإرهابية، ليتم التنويه على لسان حزب الله في آخر جملة على جهاز الرد الآلي بأن "الحزب مشغول الآن بمفاوضات مع الإسرائيليين وعندما يفرغ من ذلك سيعود لنشاطه".

 أيضا كانت من بين النقاط الفادحة الإساءة في الفيلم تلك المتعلقة بسائق التاكسي الفلسطيني، الذي يتبين أن سبب رغبته في الثأر من زوهان هو سرقته لعنزته، مصورا أن هذا هو الحق اليتيم للفلسطيني مع تشبيه تلك العنزة بأحد المسلمين الملتحين.

إلى جانب كل ذلك الكم المهول من الإساءات، كان أيضا انتحال الهوية الفلسطينية وأبرز مكوناتها كالموسيقى التي يطغى عليها الشجن الشرقي، فيما كانت تُلصق موسيقى همجية مزعجة بالفلسطينيين وكذلك مواويلهم التي تفنن الفيلم في التندر عليها، إضافة إلى ادعائهم أن أكلتيّ الحمص و"بابا غنوج" إسرائيليتان! رسائل أخرى لم تكن واضحة وحاسمة وفضحت التناقض الإسرائيلي، عن غير قصد، لعل منها كذب زوهان وهو المجند الإسرائيلي السابق وعميل الموساد فيما يتعلق بهويته الإسرائيلية، إذ برغم تبجحه طوال الفيلم بفخره بوطنه إلا أنه ادعى طوال الوقت في أميركا بأنه أسترالي كي لا يربط أحد بينه وبين دموية إسرائيل، إلى جانب خزيه من تاريخه القمعي في تتبع الفلسطينيين الذين وصفهم طوال الفيلم بـ"الإرهابيين".

كذلك الحال عند توجيه الفيلم أصابع الاتهام للأميركي الرأسمالي والمتعصبين اليهود والفلسطينيين في تأجيجهم الفتنة بين الطرفين في أميركا، فيما زوهان في ذات الوقت مستغرق كالعرب بالحلم الأميركي الذي يصور أميركا بأرض تحقيق المعجزات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية ما يجعلها خير محجّ للفارين من الصراعات! أيضا عندما يعدد والد زوهان له بطولاته الحربية وخصوصا في حرب 1967 لحثه على عدم التخلي عن وظيفته في الجيش الإسرائيلي، فإن زوهان يرفض ويفر لأميركا بعيدا عن العنف، ليجد هناك الفلسطينية داليا التي ينكشف أنها أخت أحد المناضلين الفلسطينيين، والتي يقع في حبها ويتزوجها لإيمانها هي الأخرى بعدم جدوى كل هذا الصراع، وفي كل ذلك إشارة تتبناها معظم الأطراف السياسية حاليا وهي ضرورة نبذ الصراع الدموي والتسليم بالأمر الواقع والعيش جنبا إلى جانب بعكس الجيل السابق الذي عايش بداية الصراع والذي كان يؤمن بالقوة حلا لاسترداد الحقوق.

أمام كل ذلك تتجلى الخيبة العربية بأبرز صورها وأوضحها، إذ إما أن تواجَه هذه النوعية من الأفلام المسيئة كما حدث مرارا بالتجاهل التام فلا يتم عرضها في دور السينما العربية ولا حتى الحديث عنها والتنويه إليها وتوعية الجمهور بحجم الصراع الفني والثقافي الدائر، أو أن يقرر السينمائيون العرب عمل فيلم عن القضية مرة كل عشر سنوات ليصدم الجمهور بمستواه الفني الرديء والذي ينم عن جهل رهيب بظروف الصراع على أرض الواقع فتكون النتيجة فيلما مبتذلا مفتعلا يضر القضية بدلا من أن يضيف إليها، أو أن يخرج أدعياء التسامح وتقبل الآخر عن صمتهم ليصرخوا بملء أفواههم بأن الفيلم غير مسيء للعرب والفلسطينيين بل هو رسالة سلام، برغم كل ما فيه من الحوارات والإساءات الآنفة الذكر، معتبرين أن العرب هم من يخلقون العداوة في أذهانهم بمنطق المؤامرة التي يعتقدون أنها تُحاك ضدهم.

فيلم مسيء كـ"لا تعبث مع زوهان" لا يستحق من الفلسطينيين والعرب مجرد الفضول لمشاهدته لشتمه والتذمر منه، بل هو يحتاج لإعمال العقل في التقاط الرسائل التي يبعث بها مع مناقشة آثارها على الوعي الجمعي العالمي والذي كان العرب ضحية صورته النمطية بسبب غيابهم المقصود أو غير المقصود.

فيلم كهذا وغيره من الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية الستينية، لربما يحتاج إلى عشرات الندوات التي من الحريّ بها ترسيخ مفهوم جدي للثقافة السينمائية والإعلامية التي تجاهلها العرب فخسروا واحدة كانت ستكون من أهم أسلحتهم في إرجاع حقهم الذي يُشبح كل لحظة ليس على أرض الواقع فحسب، بل وحتى سينمائيا وفنيا!