محمود عبد العزيز ‘‘صانع البهجة‘‘ و‘‘قبطان‘‘ السينما باق في الذاكرة

إسراء الردايدة

عمان- خسارة كبيرة للمشهد السينمائي المصري والعربي تمثلت برحيل "القبطان" و"الساحر" و"صانع البهجة" محمود عبد العزيز، أول من أمس، إثر صراع مع المرض عن 70 عاما في القاهرة، مخلفا إرثا سينمائيا ودراميا لا يقل عن 90 عملا ستخلد في الذاكرة.اضافة اعلان
عبد العزيز الذي كان فنانا يتمتع بمساحة إبداعية لا حدود لها، لا يمكن حصره في قالب واحد، فهو تنقل بين التراجيديا والكوميديا وحتى الدراما، ويمتلك قدرة على تقديم أدوار سحرت الجمهور وخاض تجارب جريئة مع مخرجين في السينما المصرية.
كان لعبد العزيز ميزة في تقمص الشخصية لآخر رمق فيها، يمنحها كل ما تحتاجه ويجود فيها غائصا في عمقها، ولم يجعل من وسامته مفتاحا ليكسب قلوب الجماهير.
أفلامه التي تخلد في الذاكرة "ثلاثية" عمل فيها مع المخرج علي عبد الخالق انطلقت بـ"العار" الذي كان أول الأدوار في إعادة قولبته، وأتبعها بـ"الكيف" واختتمها بـ"جري الوحوش" وبمشاركة الكاتب محود أبو زيد.
الناقد السينمائي بشار ابراهيم، يلفت إلى موهبته رغم ظهوره في الذروة الفنية لكل من الفنانين محمود ياسين وحسين فهمي، لكنه أثبت حضوره القوي الواثق من نفسه، والقادر على تمثيل الخلاصة الإبداعية التي ستحتاجها السينما المصرية خلال العقود الأربعة اللاحقة.
وعبد العزيز الذي يحمل من الملامح الغربية، والروح الشرقية، كان يمكن له الاعتماد على الشكل الفيسيولوجي للتربع على عرش البطولة، لكنه لم يكتف بذلك، بل أضاف من نكهة الإبداع في الأداء ما برز بداية في "الصعاليك" (1985)، وبلغ ذروته في "الكيت كات" (1991)، مع داود عبد السيد.
قبل ذلك بعشر سنوات، كان محمود عبدالعزيز يؤسس للتميز والاختلاف سبيلاً، للحضور برفقة عمالقة فن الأداء المصري من جيلي الستينيات والسبعينيات.
ويشير إبراهيم إلى أن النصف الثاني من عقد السبعينيات وفي السنوات الأولى كان لمحمود عبد العزيز والبحث عن الذات والحضور والاختلاف، الذي تبرز بعض ملامحه مع "وما يزال التحقيق مستمراً" (1979)، قبل أن يصل إلى "العار" (1982) الذي كان مباراة في التمثيل بين كل من نور الشريف وحسين فهمي وثالثهما محمود عبدالعزيز، الذي ينتمي إلى جيل لاحق لهما، لكنه كان قادراً على الوقوف كتفاً إلى كتف جانبهما.
فيما اعتمد محمود عبد العزيز جانباً من أداء الدراما النفسية، وأحسن في هذا المجال. كان ثمة ملامح من التنويع على هذا الوتر في أكثر من شخصية أداها في أفلام تعتمد على الصراع الداخلي للشخصية، وارتباكها إلى درجة الانهيار، فالوقوع في الهذيان أو الجنون.
الدراما النفسية كانت أولى الإشارات إلى اهتمام محمود عبدالعزيز بدراسة الشخصية المقبل على أدائها بعناية، وتكاملت داخلياً وخارجياً في أداء شخصيات لن تنسى؛ الشيخ حسني، رأفت الهجان.
ومحمود عبد العزيز من مواليد مدينة الاسكندرية العام 1946، بدأ في التمثيل مع فريق مسرحي تابع لكلية الزراعة؛ حيث كان يتابع دروسه إلى حين تخرجه منها منتصف الستينيات.
ثم انتقل إلى الاحتراف، وكانت انطلاقته في مسلسل "الدوامة" لنور الدمرداش الذي يعد أحد المؤسسين للدراما التلفزيونية في مصر في بداية السبعينيات.
وفي العام 1974، انتقل إلى الشاشة الكبيرة، مشاركا في فيلم "الحفيد" لعاطف سالم، وسرعان ما انتقل إلى أدوار البطولة ابتداء من فيلمه الثاني "حتى آخر العمر" لأشرف فهمي.
وشارك في أكثر من تسعين فيلما، منها ما طبع الوجدان الشعبي المصري والعربي مثل دور الشيخ الضرير حسني في فيلم "الكيت كات" لداود عبد السيد المقتبس عن رواية "مالك الحزين" للروائي الراحل إبراهيم أصلان، ودور الساحر في فيلم "الساحر" لرضوان الكاشف، وأطلق عليه منذ ذلك الحين لقب ساحر السينما المصرية.
ومن الأفلام التي اشتهر فيها أيضا "الصعاليك" و"البريء" و"العار" و"الكيف" و"سوق المتعة" و"العذراء و"الشعر الأبيض" و"القبطان"، وكان آخر الأفلام التي شارك في بطولتها "إبراهيم الأبيض".
وقدم للتلفزيون أكثر من 15 مسلسلا أشهرها على الإطلاق "رأفت الهجان" عن الجاسوس المصري الشهير الذي زرعته الاستخبارات المصرية في إسرائيل، ولقي هذا المسلسل إقبالا كبيرا جدلا في مصر والعالم العربي، وجعل اسم بطله مقرونا باسم "رأفت الهجان"، والأسماء التي تخفى فيها في المجتمع اليهودي في مصر ومن ثم في إسرائيل "ليفي كوهين" و"ديفيد شارل سامحون".
ومن المسلسلات التي قدمها "شجرة اللبلاب" و"البشاير" و"أبو هيبة في جبل الحلال" و"محمود المصري"، وكان آخر أعماله التلفزيونية التي قدمتها الشاشة في شهر رمضان الماضي "راس الغول".
ونال الكثير من الجوائز خلال حياته الفنية من المهرجانات السينمائية المحلية مثل المهرجان القومي للسينما المصرية ومهرجان الإسكندرية لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط الى جانب المهرجانات العربية، خصوصا مهرجان دمشق الدولي.
ولا يمكن أن ينسى عبد العزيز نظرا لموهبته، فالساحر كان لقبه الذي منح له بعد فيلمه مع المخرج رضوان الكاشف، فيما فيلم المخرج داوود عبد السيد "الكيت كات" الرجل الأعمى، وبالرغم من أنه بدا كممثل وسيم لكنه غامر بتمقص أدوار لا علاقة للوسامة فيها، بحسب النقاد المصري محمد عاطف، مثبتا قدرته على قوة أدائه بعيدا عن الشكل لجذب جماهيرية عالية؛ حيث تعلق به الناس بعد سلسلة من الأفلام مع رأفت الميهي منها "السادة الرجال" في 1987، إلى جانب معالي زايد، وفيلم "سمك.. لبن.. تمر هندي" 1988، وهو فيلم ساخر آنذاك ضمن السينما الفناتازية، وفي فيلم "سيداتي آنساتي" 1989، وفيه بحث الميهي من خلال عبد العزيز عن تبادل الرجل لدور المرأة في المجتمع وفيه سخرية من الواقع بجرأة، وكانت أدواره تنتقل بين السنما الواقعية والنقد السياسي الساخر، كما في أدواره مع المخرج داوود عبد السيد في "الكيت كات" و"الصعاليك".
ولا ننسى عبد العزيز في دوره في "رأفت الهجان" الذي تعلق به المشاهد المصري والعربي؛ إذ كان عملا تلفزيونيا ضخما في إنتاجه، وجاء في وقت كان التلفزيون لا يعرض سوى مسلسل واحد تلتئم العائلة حوله، فحقق نسبة مشاهدة عالية على مدى أجزائه التي أنتجت، ما قدم براعته في تأدية أدوار السيرة الذاتية.