نور الشريف: أخشى من استيراد رؤساء بدعوى العولمة

نور الشريف: أخشى من استيراد رؤساء بدعوى العولمة
نور الشريف: أخشى من استيراد رؤساء بدعوى العولمة

يرى أن مساحة الحرية تتقلص تلفزيونياً وسينمائياً
 

 

        حاوره يوسف الشايب

اضافة اعلان

الدوحة-  يعد النجم المصري نور الشريف نفسه لتقديم فيلم روائي عن مؤسس حركة "حماس"، الشيخ أحمد ياسين، على أن يقدم فيلماً آخر عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في عملين يتمنى الشريف أن يكتب لهما النجاح، رغم شكوكه بإمكانية ذلك، فهو يخشى من الاتهامات بمعاداة السامية، والإرهاب، وبالتالي سحب التمويل المتوفر وصعوبة الحصول على تمويل إضافي، كما يخشى من تكرار ما حصل معه بعد فيلم "ناجي العلي" في العام 1990، والذي جسد فيه شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني .. في الدوحة، وعلى هامش مهرجان الجزيرة للانتاج التلفزيوني، والذي عقد نهاية الشهر الماضي، كان لنا مع الشريف الحوار التالي:

* قلت أنك ومنذ ناجي العلي، تخشى تقديم شخصيات ربما تكون "إشكالية" .. حدثنا عن تجربة ناجي العلي بشيء من التفصيل؟

- لم يكن "ناجي العلي" مجرد فيلم جاد في مسيرتي، كان دليلي الذي قادني الى مرحلة النضوج في زمن التردي السائد في معظم النتاج الفني سواء على المستوى السينمائي أو المسرحي او الموسيقى او حتى التلفزيوني، كان هو البديل المطلوب للأفلام المبتذلة او افلام المقاولات التي تتعمد الابتعاد عن صلب الهموم الكبرى والموضوعات الجوهرية، وتعمل على طمس المشكلات الانسانية والقومية والوطنية من خلال طرحها لموضوعات سطحية تخاطب الغرائز وليس العقول والقلوب.

    وبالطبع كانت هناك أسباب أخرى غير رغبتي الملحة في التجديد لخوض تجربة "ناجي العلي"، اهمها ان صورة القضية الفلسطينية غير واضحة تماما ،لأن اختلاف وسائل الاعلام شوه هذه الصورة، فقد تم التصيد لأخطاء بعض الشخصيات الفلسطينية وإبرازها وتضخيمها، لذا فإن حماسي انصب على مواطن فلسطيني من داخل الارض المحتلة لم يتغير ورغم تنقله من قطر الى قطر، الا ان فلسطين ظلت تسكن داخله... هذا المواطن البسيط عاش حياة صعبة رفض خلالها التضحية بفنه وقضيته.

    دفعني نحو ناجي العلي ايضا، اعتقاد انه النموذج الرائع لغياب الحرية، لانه لا يمسك مدفعاً ولم يؤلف حزباً بل قلما وريشة وحبرا واوراقا فقط لا غير، انه فرد يقف في الساحة وحده، بل انه ضعيف البنية، ولو كانت هناك مساحة من الحرية لأصبح "ناجي" هو المرشد في رحلة الصواب، لانه يعكس نبض المواطن الفقير، مواطن المخيمات.. لكن ما حدث هو العكس، فغياب الحرية والديمقراطية قتله .. هناك التباس يحدث عند الناس دوما ومحوره ان الحرية تعني اطلاق الرأي فقط لأن الآخر سيستمع اليه ولا يفهمه، لكن الحرية ان تقول رأيك ولا يقتلك الطرف الآخر.

     ظللت عامين أو اكثر أتابع الموضوع وأجمع المعلومات واقابل اصدقاء ناجي من الكويت ولندن والدول العربية، وسجلت لهم كماً من الحوارات لا يمكن وصفه، وهذا المشوار من البحث والتقصي كان لابد منه، لأنه من الصعب أن تصل إلى الحقيقة كاملة، خاصة إذا كانت الشخصية قريبة منك وفي عصرك، وهو ما يحدث الآن مع الشيخ أحمد ياسين.

وما نغص فرحتنا الغامرة أنا وصديقي الكاتب وليد الحسيني شريكي في انتاج الفيلم وصديقي المخرج الراحل المبدع عاطف الطيب، هو الهجوم العنيف الذي قادته إحدى الصحف المصرية ضد الفيلم وضد شخصية ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني الذي عاش عمره كله محارباً بريشته ضد الاحتلال والاستسلام والتفكك العربي، فقد صورنا الهجوم, نحن فريق الفيلم، كما لو كنا مجموعة من الخونة صنعوا فيلماً خصيصاً ضد مصر,حتى أنهم كتبوا وقالوا نور الشريف يقوم ببطولة فيلم الرجل الذي (شتم) مصر في رسوماته، والحقيقة أن هذا الاتهام باطل, فـناجي العلي كان يعشق مصر لأبعد الحدود وهذا ما توضحه رسوماته، ولكنه هاجم السادات عند زيارته للقدس، وهاجم اتفاقية كامب ديفيد .. ناجي العلي لم (يشتم) مصر ولكنه عبر عن رأيه في رفضه لـ"كامب ديفيد"، وهذا كان موقف كل العرب آنذاك ومعظم المثقفين المصريين.

      وسار الهجوم على الفيلم وفق سيناريو محبوك وربما أفلح في التأثير على بعض البسطاء الذين لا يعرفون ناجي العلي، لكن لم يدم هذا طويلاً فالغشاوة سرعان ما تزول، ويكفيني الاستقبال الحار الذي استقبلت به في بعض الجامعات المصرية والجهات الأخرى حيث تم عرض الفيلم، كما عقدت ندوات مفتوحة شارك فيها الآلاف ممن لم يتأثروا بهذا الهجوم.. كل هذا شد من أزري وساند موقفي في الصمود وعدم الاستسلام واصراري على أن "ناجي العلي" من أهم أفلامي وسأظل أفخر به دائما, بل وسأظل أحلم بمواصلة مشواري على نفس الدرب وتقديم شخصيات أخرى تشبه ناجي العلي, وتاريخنا العربي زاخر بها، ولن يرتاح بالي إلا إذا فعلتها .. وها أنا أعد فيلماً عن الشيخ ياسين، ومن ثم عن ياسر عرفات.

هموم عربية

* هل أنت راض عن مستوى وحجم مناقشة "الهم العربي" في الأعمال الفنية؟

- للأسف، أجهزة الأعلام العربية لا تتحمس لمناقشة القضايا العربية بصدق، والدليل لو نحن قدمنا إحصاءات عن الأعمال الخاصة بالقضية الفلسطينية سنجد أنها قليلة للغاية، وهذا شيء محزن، والسبب يعود إلى أن مناقشة القضية تحرج النظم العربية، فهي تضطر لأن تتابع الأحداث المهمة في نشرة الأخبار، لكنها لا تريد أن تُذكر الناس بها، لذلك نرى إحجاما عن القضية العربية عامة، وليس عن القضية الفلسطينية فقط، وللأسف الشديد تخلق وسائل الإعلام حساسية بين الشعوب، وكثيراً ما ناشدت وسائل الإعلام الفصل بين خلافات الحكام وبين الشعوب.

* وماذا عن الرقابة؟

- من المؤكد إن الرقابة تحد كثيراً من إبداع الفنان والأديب، لأن ثمة مناطق يطمح الفنان دوماً أن يتعرض لها، وهذه المناطق تبقى في دائرة المحرمات، وهنا تكون الرقابة عائقا ضخما أمام الإبداع وحرية التعبير.

   نظريًّا لا معنى للرقابة في ظل وجود الفضائيات، لكن يجب ألا ننسى أن القنوات الحكومية التي تبث إرسالا فضائياً، إضافة إلى القنوات التلفزيونية والإذاعية موجودة، وبالتالي لا يمكن إلغاء دور الرقيب.

    الرقابة في مصر مستويات.. أشد أنواع الرقابة، الرقابة التلفزيونية، فهي حادة وصارمة خاصة فيما يتعلق بالآراء السياسية، والقضايا الدينية، وبعض القضايا المجتمع الجدلية، ثم تأتي الرقابة السينمائية، والتي هي آخذة بالتراجع، تبعاً لتغيرات داخل المجتمع المصري، فمساحة الحرية في مشاهد الحب، على سبيل المثال، كانت في أوسع حدودها في الستينيات من القرن الماضي، وهو أمر غير مقبول في هذه الأيام، أما الرقابة المسرحية، فكانت الأكثر حرية، رغم التدخلات القاسية أحياناً.. الرقابة عموماً تحد من الإبداع إذا لم تكن الشفافية تحكمها، لكن الأمور لا تسير أيضاً بلا رقابة، لذا يجب أن يدرك الرقيب أهمية الدور الذي يقوم به في صياغة الوعي العام.. عموماً يمكنني القول بأن مساحات الحرية تتقلص، سواء في التلفزيون، أو السينما، أو المسرح، وخاصة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).

* الشعوب العربية مصابة بالإحباط من واقعنا الراهن، وهناك من ينادي بالعودة إلى "التاريخ المجيد" للأمة، والبعض الآخر رفض الأمر واعتبره أفيونا يخدر الشعب لنسيان الحاضر ما رأيك بذلك ؟

- أنا ضد عبادة الماضي، ومع الرجوع إلى التاريخ لإزالة الأمية السائدة لدى غالبية المشاهدين العرب، خاصة فيما يتعلق بتاريخهم، فنحن بالعودة إلى الماضي نقدم شيئاً مهماً للناس وخصوصاً في وقتنا الحاضر، خاصة في ظل سياسة العولمة الإعلامية التي تبشر بإلغاء الانتماء، بدعوى أن العالم أصبح قرية كونية واحدة، فنجد أن لاعب كرة القدم العربي الأصل زين الدين زيدان هو فرنسي، ودولة قطر "تشتري" لاعبين تشيك ليفوزوا باسمها في المحافل الدولية، فالجنسية لم تعد لها قيمة، لدرجة أن مادلين أولبرايت كانت ستنتخب كرئيسة لتشيكوسلوفاكيا لأنها ولدت هناك، أي أنه من الممكن استيراد حتى رؤساء الدول بدعوى العولمة، لذا الرجوع إلى التاريخ هو إحياء لذاكرة الحضارة العربية داخل أجيالها، شرط أن لا نكثر من الجرعات المقدمة كي لا يرفضه الجمهور، ونضع نصب أعيننا مبدأ النسبة والتناسب، بحيث نقدم نسبة معقولة من التاريخ.

    والرجوع إلى الماضي يدخلنا في مطب مدى صحة الأعمال التاريخية المقدمة، والحل في تقديم العمل من وجهة نظر فنية وليست تاريخية بحتة، وأن يشار إلى ذلك في شارة العمل.

عندما تتفرج الأجيال القادمة على المسلسل تعرف أن المعلومات المقدمة من وجهة نظر شخصية، وأضرب مثلاً على ذلك شخصيتي قطز وبيبرس اللتين قدمتا في فيلم سينمائي ليس لهما أية علاقة بالواقع، والمؤسف أن التليفزيون المصري عندما أنتج عملا تليفزيونيا عن هاتين الشخصيتين استند إلى الفيلم، ولم يذكر بأنه رؤية فنية وليس تاريخا موثقا..وهذا خطر كبير على مصداقية العودة إلى التاريخ .. أنا مع تقديم عمل تاريخي مع وضع ضوابط للصحة التاريخية كي لا تكرس في أذهان الأجيال أفكار خاطئة عن تاريخهم، وبنفس الوقت يجب تقديم دراما حقيقية عن مشاكل الحياة اليومية ترصد المجتمع وتناقش الواقع بجرأة.

الجمهور فقط

* برأيك ما الوسيط الإعلامي الأقدر على نقل أعمال الفنان ؟

- الجمهور، ولكن مع مرور الزمن وليس في لحظة العمل، على سبيل المثال قدمت فيلما أحبه جداً بعنوان "سكة سفر"، وتدور أحداثه حول العمالة المصرية في الخليج، وتوقعت حينها أن يحقق الفيلم نجاحاً منقطع النظير، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، وبطريقة آلمتني كثيراً، ولم يحصد الفيلم الإيرادات المتوقعة، ولكن بعد فترة من الزمن عرض الفيلم على شاشات التلفزيون، وشاهده الجمهور العربي عبر القنوات الفضائية، وأثنوا على الفيلم واعتبروه جميلاً، وهنا وجدت أن الجمهور يحجم عن الفيلم لصعوبة فهمه فيحكم عليه بشكل متسرع، وهو يحتاج إلى وقت ليستوعب ما أراد الفيلم قوله، كما حدث في فيلم المومياء، ومثل أفلام يوسف شاهين، ومنها "باب الحديد"، الذي أدى بالجمهور إلى تحطيم مقاعد السينما لحظة عرضه في السينما، ولكن الآن فيلم "باب الحديد" يمكن فهمه وبكل بساطة، ويبقى أن العمل يخلد في وجدان الناس وذاكرتهم.

* هل توافق على أن السينما الأميركية تمارس فن تشويه الشعوب، وذلك في إطار ثقافة العولمة، كيف لنا مواجهة تلك الثقافة ؟

- منذ فترة بعيدة تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تنتهج مبدأ تشويه الشعوب الأخرى بدعوى الحرية، والمخرج خيري بشارة قدم فيلماً يدعى "أميركا شيكا بيكا"، الذي منعته الرقابة بسبب عبارة في أغنية الفيلم تقول "أميركا شيكا بيكا تخلي عاليك واطيك" .. الرقابة في ذاك الوقت اعترضت على الأغنية، فذهب المخرج خيري بشارة مصطحباً الفيلم معه إلى السفير الأميركي، وقال له بأن الرقابة رفضت الفيلم فلنشاهده سوياً، وفي حال كان هنالك أي اعتراض من قبلكم فأنا لن أعرضه، فأجابه السفير بأنه لن يشاهد الفيلم، وقال "اشتم أميركا كما تشاء، لأنني لن أسمح لك أن تمنعني من أن أشتم مصر".

    والرد على ثقافة العولمة أمر أراه شبه مستحيل في هذه الأيام، فمثلاً عندما طرحت فكرة إنشاء قناة عربية دولية، توقفت عند التساؤل التالي: ما الذي يجعل المشاهد العالمي يتابع هذه القناة، وخصوصاً المواطن الأميركي الذي لديه أكثر من  250 قناة .. ما الذي سيدفعه لمتابعة قناة عربية، أعتقد بأنه اقتراح وردي، لكنه غير مؤثر.

أسئلة فنية

* لنبتعد قليلاً عن الأسئلة "الجامدة"، ونسألك عن فيلم "عمارة يعقوبيان"..

- لم تبتعد كثيراً يا صديقي، فعمارة يعقوبيان عمل فني جاد، ربما يراه البعض "جامداً" في زمن "الخفة السينمائية الذي نعيشه" .. هو عمل لا يمكن الحديث عنه بأكثر من وصفه بالمذهل، وأتمنى أن ننتهي من تصويره بسرعة، لنراقب ما إذا كانت الأفلام "الخفيفة" أثرت على الذوق العام، أم لا يزال هناك متسع لأفلام "حقيقية".

* برأيك ما سر نجاح مسلسل "الحاج متولي" لهذه الدرجة؟

- أعتقد أن السبب يعود إلى "خفة دم" المسلسل، إضافة إلى أنه داعب أحلام الرجال في المجتمع الشرقي، فقد أعجب "متولي" النساء جميعهن باستثناء الأولى ربما، فالمرأة في مجتمعنا الشرقي تسعى لأن تعيش مع رجل لديه دراية بمعاملة النساء .. شخصية الحاج متولي عندما صورها الكاتب مصطفى محرم كانت لرجل يجيد معاملة النساء، ويجيد التعبير عن الحب دائماً، ويستطيع الجمع بين الرقة والقسوة، فنراه يرفع صوته حيناً ويغازل حيناً آخر، وفي مجمل الندوات التي عقدت حول العمل استرعى انتباهي أن نساءً كثيرات تمنين أن يعاملهن رجالهن مثلما يعامل الحاج متولي نساءه، وهذا كان دليلا واضحا على الفتور الذي أصاب العلاقات الزوجية، أو العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات الشرقية، إذ تختفي الملاطفة والتعبير عن المشاعر بعد فترة من الارتباط، لينغمس كلا الزوجين في مسؤوليات: البيت والأولاد وتأمين المال.

* قيل بأن مسلسل "عيش أيامك" الذي قدمته في رمضان الماضي لا يليق بنور الشريف .. ماذا تقول؟

- قيل ذلك في مسلسلات قبله .. أنا لا أوافق أصحاب هذا الرأي عليه، فالمسلسل يعالج قضية في غاية الأهمية، وتعيشها شريحة كبيرة من المجتمع المصري، والمجتمعات العربية، بقالب مقرب إلى الناس .. مقابل هذه الآراء السلبية، سمعت إشادات كثيرة بالعمل.