أصوات إبداعية نادت بإعطاء الإنسان الحق بالحكم على أفكاره الخاصة

أصوات إبداعية نادت بإعطاء الإنسان الحق بالحكم على أفكاره الخاصة
أصوات إبداعية نادت بإعطاء الإنسان الحق بالحكم على أفكاره الخاصة

"أسئلة الشعر" إصدار يضم حوارات مع إزرا باوند وتي.س. إليوت وبابلو نيرودا 

عمان- الغد- ثلاثة شعراء وثلاث تجارب هي محور كتاب "أسئلة الشعر- حوارات مع إزرا باوند وتي.س.إليوت وبابلو نيرودا"، الذي ترجمه إلى العربية الشاعر أحمد الزعتري، وصدر أخيرا عن دار أزمنة للنشر والتوزيع.

اضافة اعلان

ثلاثة حوارات قد تبدو قديمة ولكنها جديدة لافتة بالنسبة لنا نتصفح فيها آراء شعراء محسوبين على حركة Modernized Literature (الادب المعاصر)، وهي حركة اختصرت الطريق، في بداية القرن العشرين، لرؤية مختلفة وقسرية للعصر الجديد المترنح، آنذاك، بين الحروب العالمية والاختراعات الجديدة التي تستنزف ميزة التأمل الانسانية.

ومع ميزة التأمل، يظهر في هذه الحوارات نموذج ازرا باوند، وهو النموذج الاكثر تأثيراً في تيارات الحداثة وممثليها، إضافة إلى دوره في تطوير ايقاعات القصيدة الملحمية والنثرية والتجريبية، وترجمة دوره في تطوير ايقاعات القصيدة الملحمية والنثرية والتجريبية، وترجمة النصوص الصينية والايطالية والاغريقية.

كان باوند اكبر منظري تلك الحداثة، ليستحق لقب "المهندس الامهر"، الذي اطلقه عليه تي. إس. اليوت في اهداء قصيدة "الارض اليباب"، والتي نعرف كيف انتهت الى عهدة باوند، كما انجز باوند ملحمته الاشهر The Cantos، التي حاول فيها التنقيب عن "الكوميديا الالهية" العصرية، فأنتج من خلالها أعظم ملحمة شعرية باللغة الانجليزية.

وهنا في هذا الحوارات، يتطرق الى تقنيات كتابته وعلاقاته بأبرز كتاب جيله والكتاب الشباب آنذاك، إضافة إلى علاقته بالفاشية التي أدت إلى اعتقاله في أميركا لمدة 11 عاماً، ليعلن بكل تأكيد أن التخلص من فائض المدينة غير كافٍ للإبداع بعد أن وصل إلى نقطة ابتعد فيها عن نزوات السعادة المؤقتة، رائيا أن الفرصة الوحيدة للانتصارعلى غسل الأدمغة هي بإعطاء كل شخص الحق في أن يحكم على أفكاره الخاصة.

إن كان ازرا باوند أكبر منظري الحداثة، فيمكن القول إن تي. إس. إليوت هو من أبرع من التقط روحها. فالشاعر الذي قدم رؤية حداثية للمجتمع المخرب، في "الأرض اليباب" وغيرها، خرب، بنفسه، أسطورة الفرد المعاصر المفتون بالتغيرات والاختراعات "الطائرة، الالكترونيات، الميديا" التي حدثت الى جانب الحروب العالمية والتحولات السياسية كالشيوعية والفاشية، فاضحا، بقسوة خواء المجتمع المعاصر.

وفي الجانب الآخر من العالم، في أميركا الجنوبية، تشيلي تحديداً، يبرز في تلك الفترة شاعر الحركة الرمزية، بابلو نيرودا، قبل أن يتحرك ضمن حركة الشعر السوريالية وينتهي بالواقعية.

هذا الشاعر الذي اشتغل بالسياسة، وكان أحد أهم منظري الستالينية الشيوعية من المثقفين، انشغل بناحية اخرى من الشعر: ناحية الجمالي (والمثالي)، في الحب، والنبيذ والطبيعة. ولعل الطريقة التي يطرح نيرودا بها شعره تدفعنا للتساؤل عن ارتباط الحزن بالشعر، ومقاييس نجاح الشعر الذي يحتفي بالحياة ومدى صدقية ما قاله وكرره دائما: "الحمامة في قصائدي ترمز للحمامة والغيتار آلة موسيقية تدعى الغيثار"، إضافة الى نقده لنقاده الذين يقول فيهم: "نقادي مزقوني تقريبا بكل حب أو بكل كره في العالم! في الحياة كما هو الحال في الفن لا يمكن للمرء أن يرضي الجميع وهذه هي الحال التي نعيشها دائما، فالمرء يحصل في حياته طيلة الوقت على القبلات والصفعات والمداعبات والرفسات وهذه هي حياة الشاعر". ويضيف نيرودا: "ما يزعجني هو التشويه في تفسير الشعر أو في تفسير أحداث حياة المرء. فعلى سبيل المثال هناك انتقاد لطريقة عيشي ووضعي الاقتصادي وبشكل عام ان كل هذا أسطورة فبمعنى ما تلقينا ميراثا أكثر سوءا من اسبانيا والذي لم يكن الممكن له ان يحتمل تميز شعبه أو تفرده في شيء لقد اوثقوا "كولومبوس" لدى عودته الى اسبانيا وقد وصلنا هذا من البرجوازية الصغيرة الحسودة التي تجول وتفكر بما يملكه الآخرون ولا تملكه".

تلك هي الأسئلة المشروعة التي يمكن لهذه الحوارات أن تثيرها، بل وأن تتعدى صفة الاسئلة التقليدية عن جدوى الشعر وجدوى الفن إلى أسئلة أكثر وجودية: عدمية الانسان المعاصر اليوم، فما الذي يمكن أن يقوله هؤلاء الشعراء إن تواجدوا في عصرنا هذا؟ فهل ينطبق مفهوم "خواء المجتمع" عليه، أم يبقى المتوتر متفرجاً غير قادر على اللحاق بإيقاع الشعر البطيء؟.