ألكسندرا غالاكوفعن: أدب المرأة يبقى في أعين الرجال قاصرا

ترجمة: مدني  قصري

عمان - بعد أن تعرفنا (في مقالة سابقة) ""الكاتب الكبير" بصيغة الأنوثة: معركة الرؤية الواضح" على الأسباب والميكانيزمات التي تتيح لكاتب بأن يُكرَّس اجتماعيًا كـ"كاتب كبير"، وبأن يخلد عبر الأجيال، لنتأمل الآن عواقب الوضعية الحالية.

اضافة اعلان

ما هي عواقب هذا الواقع؟ إننا نرى هذه العواقب بوضوح تام. إنه التمثيل الذكوري المفرط في قائمة توزيع الجوائز الأدبية. وإن كانت بعضُ النساء قد كُرّمن أحيانًا (لا بد من تكريم بعضهنّ على أي حال) فهنّ مرة أخرى "المفضلات السعيدات لدى الرجال".

هل هي عداوة الرجل إزاء المرأة؟ هل هو التمييز الجنسي؟ لا، لنبتعد عن هذا الخطاب النسوي، حتى وإن كان التمييز الذكوري متواجدًا في الوسط الأدبي. لكنه ليس بالتأكيد السبب الرئيس. عند هذه المرحلة من التحليل، لا بد من فتح قوس حول موضوع "الحكم الأدبي"، المثير للجدل.

إنهن في الحقيقة، موضوع يستحق تحليلا مطولا، لكنني سأختصره في هذا المقام، لدواعي هذا الطرح. كيف يتم الحُكم؟ الحكمُ يستند إلى معايير معينة، هي التي تتيح لنا فيما بعد، بان نقول إنْ كان شيءٌ بعينه يبدو لنا "جيداً"، أو "سيئًا"، أو ما بين بين، بالنظر إلى المعايير المحددة مسبقًا. فما هي إذًا هذه المعايير الضرورية التي نحكم بها على جودة العمل الأدبي وإبداعه؟

هل هناك كتابٌ، أو دليل عمليّ يعلّمنا عمليًا، وعلميًّا، وبدقة، المعايير التي ينبغي تطبيقها لتقييم وتثمين العمل الأدبي؟ فهل القواعد الذهبية للعمل الأدبي الإبداعي، واضحة وثابتة بشكل مطلق، وبما لا يدع أي مجال للتراجع فيه؟

هل ينبغي تحديد عدد الصفحات، وعدد الكلمات بحدها الأدنى والأقصى، واحترام بعض الثوابت المتفق عليها، واستعمال لغة أو ألفاظ بعينها، وتناول هذا الموضوع أو ذاك (هل توجد مواضيع أنبل من مواضيع أخرى؟)، لكي يُصنَّف الكاتبُ ضمن خانة "الكاتب الكبير"

نقرأ أحيانًا محاولات لتحديد معنى "الكاتب الكبير"، لكنّ هذه الأوصاف والمواصفات - كأن يكون للكاتب "موسيقاه الخاصه"، و"أسلوبه الخاص"، و"شخصياتٌ حقيقية"، و"نفس حقيقي"، و"القدرة على التأثير العميق"، وما هو أكثر بلاهة، أن يكون للكاتب شيء يقوله – أوصاف ومواصفات تكتسي طابعًا ذاتيًا كليًا، وتختلف من قارئ إلى قارئ.

بالفعل، الرجال اليوم، هم الذين نجحوا في أن يفرضوا رؤيتهم، وقيمهم، ومعاييرهم، على عملية التقييم الأدبي. وبصورة طبيعية جدًا، ومنطقية جدًا ذهبت أذواقهم إلى نظرائهم، وأشباههم الرجال. وهم بشكل عام، يمارسون إزاء المرأة، نوعًا من الاحتقار، المطعّم أحيانًا بقليل من الرأفة (إنهن جميلات، ويحاولن أن يكتبن!)

لكنّ أكبرهنّ يظلن، في أعين الرجال، طبّاخات ممتازات، في أحسن الأحوال، أو كاتبات يتقنّ تأليف "كتب صغيرة خاصة بالنساء، حول مواضيع بسيطة، من دون أي طموح كبير. هذا إن لم يوصفن بالانحراف إنْ هنّ حاولن تناول مواضيع جنسية ما تزال حكرًا على الرجال.

لا، لا يمكننا القول إن الاحترام يخنق الرجال تجاه أقلام النساء. إن الأدب الذي تكتبه النساء يظل في أعين الرجال دائمًا، أدبًا قاصرًا، تكتبه كاتبات من الدرجة الثانية. طبعًا، هذا لا يقال صراحة، لكنه تفكير خفي يمكننا أن نقرأه ما بين أسطر أسماء ذكورية نظل نخفيها إلى أن تتجلى خلف اسم "أديب كبير". الكاتب كارفر، مثلا، سيُحتفى به أكثر من كاتبة مثل دوروتي باركر، أو غراس بالي، أو حتى كورسون ماك كوليرس.

ويصبح كاتب مثل سارتر، أكثر جدارة بالاحترام من سيمون دي بفوار التي تظل القندس الصغير الذي يعرض مؤخرته العارية أمام مغسله. ويظل كاتب مثل ألبير كامو، أهم وأجل من الديبة كوليت. ويظل الكاتب توماس برناردت، أكثر قيمة من ألفريده جيلينيك، رغم حصولها على جائزة نوبل للآداب.

الأديبات اللواتي يتمكن من البروز على السطح، ومن الوصول إلى انتزاع الاعتراف الحقيقي، هم كاتبات قراؤهنّ نساء في أغلب الأحيان. ونلاحظ عندهن، صعوبة أكبر مما عند الرجال، في استقطاب قراء من الجنسين. إن القارئات، بلا شك، أكثر تفتحًا عقلياً

مثل الرجال تمامًا، يتعين على النساء أن يدخلن في قلب معركة الرؤية الواضحة. لكن، هل هنّ يرغبن في ذلك حقًا؟ النساء يبدين الكثير من حب الذات والغرور. وهذه هي نقطة الضعف عندهنّ. ضعفٌ يفسر أيضًا صعوبتهنّ في اختراق "السقف الزجاجي" في المؤسسات. إن النجاح المهني مرهونٌ إلى حدّ كبير بموهبة التسويق (الماركتينغ)، وهو ما يُسمى بـ "تسويق الذات". وتلك موهبةٌ يمتلكها الرجال بعدد كبير. فهم يتألقون في غالب الأحيان، في الارتقاء الذاتي. لكن النساءَ مغمورات (وفي كثير من المجالات، ومنها العلمية على الخصوص)، ولا يسعين للخروج من الظل.

هذه إذًا هي الأسباب التي تقف وراء هذا الظلم. لقد ظنّت النساء أنه يكفي أن يعملن بما فيه الكفاية، وأن يؤلفن كتبًا جيدة حتى ينلن الاعتراف.