أوراق عمل تصر على قوة الشعر الخفية وأخرى تنتقد قصائد الخطاب المباشر

أوراق عمل تصر على قوة الشعر الخفية وأخرى تنتقد قصائد الخطاب المباشر
أوراق عمل تصر على قوة الشعر الخفية وأخرى تنتقد قصائد الخطاب المباشر

في ندوة نقدية عقدت على هامش" ملتقى القاهرة الدولي للشعر"

 

عزيزة علي

القاهرة-  تواصلت أول من أمس فعاليات "ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي" بندوة سلطت الضوء على "الشعر والهوية والترجمة" و" دور العولمة في الشعر العربي المعاصر"، و" كيف يستقبل المتلقى القصيدة الشعرية وما هو دوره فيها".

اضافة اعلان

وبدأت الجلسة الأولى التي أدارها الناقد د. محمد عبدالمطلب وشارك فيها كل من: د. جمال عبدالناصر ود. احمد درويش ود.حاتم الصكر.

بورقة د. جمال عبدالناصر تحدث فيها عن عملية نقل الآثار والمؤلفات الأدبية والأجنبية على اختلافها لمصلحة القارئ العربي مبينا ان" هذه الحالة تحكمها مجموعة من المعايير الفنية والموضوعية،اضافة الى وجوب توفر الشروط في المترجم للأدب خصوصا من بين فروع المعرفة والأنواع الادبية الأخرى".

واضاف عبدالناصر ان " خصوصية الجنس الأدبي الذي يستقى وجوده اصلا من نسقه اللغوي تكمن في ما يواجه المترجم من إشكالية طالما حاولوا التغلب عليها ولكن من دون جدوى وهي متاهة المنهج الشكلي الذي يتعين عليهم اتباعه".

وتساءل عبدالناصر هل يجب ان يترجم الشعر شعرا مع الحفاظ على وزنه ونظام تقفيته؟ ام ان ينقل إلى ترجمة شعرية، ايا كان وزنها وقافيتها، وفي كلتا الحالتين تتم التضحية ببعض معانيه الجوهرية؟ ام ان يترجم الشعر نثرا للحفاظ على كل ذلك مع تجاهل الخصائص الأساسية التي تتميز بها طبيعة النص الشعري؟.

من جهة اخرى رأى د. احمد درويش ان " التعبير الشعري يشكل في جوهره، تجسيدا فنيا لمجمل المشاعر والاحاسيس والأفكار المتفاعلة في نفس المبدع في لحظة معينة، تجاه موقف معين".

وأكد درويش ان "الشعر يستعين بالتعبير في تحقيق اهدافه وبكل ما تمنحه له اللغة التي يصب فيها، من قدرة على الإيحاء والرمز والاحالة في اطار شبكة من موروثات هذه اللغة والتقاليد التعبير بها على مدى عقود وقرون، كما تساعده المفردة على التكتيف التي تجعل المسكوت عنه والمحال إليه، في قوة المشار إليه والمعرب، ولا يمكن ان يتم تحقيق هذا الهدف الشعري في غيبة نظام ايقاع موسيقى للشعر نابعة من العناصر السابقة والمكملة له وغير المنفصلة عنه".

وخلص درويش ان" ترجمة الشعر مهمة شاقة محفوفة بالمخاطر لأنها تقوم اولا على تفكيك هذه العناصر، ومحاولة اعادة بنائها، أو البحث عن بدائل لها يتحقق معها قدر من الامتاع تقترب بدرجة أو بأخرى من هدف المبدع الأول".

وفي سياق آخر أكد حاتم الصكر ان" الوجود الهائل للجمهور يعطي الشاعر قوة اضافية لا تتعلق  بأعراف القراءة ومستوياتها وآلياتها، بل بما هو خارجي وغير شعري متحصل من الموقع والسلطة التي تنسب إلى هذا(الجمهور) كضمير جمعي وطني أو قومي إنساني تضمحل امام قوته وسلطة ابنية القصيدة وكيانها ومفرداتها".

وعن دور القارئ قال الصكر انه" يشكل عنصرا ضاغطا في تحديد شعرية القصيدة لانه سوف يلتئم عبر محددات جمالية ومعرفية وفهم خاص للشعر وسيكون له دور داخل النص بما يعرف في نظرية الاستقبال التي يشكلها القارئ الضمني الذي ربما اخذ من القصيدة بعض الحقوق التي يفرضها وجوده في اثناء كتابة النص الشعري، لاسيما وهو يرمز إلى آخر بما يعنى من ممنوعات ومحظورات. لكن(المتلقي) سيكون الاسم المناسب لأنه يجعل متقبل القصيدة مشاركا في ابراز شعريتها وملء فجوات النصر وفراغاته عبر مستويات النظم كلها".

وخلص الصكر ان" الخوف من وجود كتلة جماهيرية توجه الشعر صوب ثوابتها وأفق تلقيها يجعلنا نشير الى المخاطر الفنية لذلك، كالوقوع في الخطابية والمباشرة، أو التبسيط وتملق (الجمهور) وصولا إلى الشعبوية احيانا كنكوص إلى مرحلة الشفاهية التي يفقد فيها النص الشعري ملموسيته بكونه نتاجا سمعيا لا تعين له ولا تحديد.. وهذا يوقع النص الشعري في آنية زمنية عابرة ولا يتيح له امكان التغير والتحول والدخول في حداثة ممكنة وضرورية".

وفي الجلسة الثانية التي ادارها د. الشاعر محمد ابو سنة وشارك فيها د. فاطمة الصعيدي بورقة بعنوان "دراما الهوية والاغتراب"، ود. عبدالنبي اصطيف "الشعر والهوية في عصر العولمة"، ود. عز الدين المناصرة "الشعر والهوية".

تناولت د. فاطمة الصعيدي دراما الهوية والاغتراب حيث رصدت هذه العلاقة المتوترة دوما بينهما، "من اجل تحديد هويتنا لا الاغترب عن الزمان والمكان فحسب، بل الاغتراب عن انفسنا، حين تنتابنا الحيرة والقلق من اجل ان تولد لنا شخصية واضحة المعالم والابعاد".

واضافت الصعيدي ان " الشاعر المبدع يمر بتجربة فريدة تنتهى بتكوين شخصيته الشعرية، ولكي تتحقق هذه الهوية قد تبتعد ذات الشاعر وتغترب في احيان داخل الذات وفي احيان اخرى داخل الجماعة لتتأمل نفسها من بعيد وتعيد تشكيل هويتها. فالشاعر المعاصر يعيش الان في عالم يعاد تشكيله جغرافيا وتاريخيا واجتماعيا".

ورأت الصعيدي ان " الشاعر يقوم بوظيفة مهمة فهو يحاول اختراق الواقع وتجاوزه الى حدود اخرى لا يلجها غيره لكي يحدد هويته ويطورها، وعن طريق تأسيس هذه الهوية  يزداد عطاؤه ويكتسب إبداعه بعدا انسانيا يفهمه كل البشر ومن اجل الوصول إلى تحديد الهوية وتقويتها واكسابها بعدا انسانيا يلجأ الشاعر الى بنية الاستفهام كي يصل عن طريقها الى الحقيقة المجردة أو الحقيقة المتخيلة".

وعن الشعر والهوية في عصر العولمة قال د. عبدالنبي اصطيف "يخضع مفهومي(الشعر)

و(الهوية) لمساءلة شديدة هذه الايام، محفوزة بالتفاعل المتعدد الوجوه والمستويات بين مجتمعات عالمنا المعاصر نتيجة ثورة الاتصالات التي قلصت المسافات بين الامم والشعوب وحولت كوكبنا الارضي إلى قرية كونية".

واضاف اصطيف "مثلما تطور مفهوم الشعر لدى المعاصرين نتيجة الانفتاح الواسع على ثقافات(الآخر) تطور مفهوم(الهوية) بفعل ما شهدته العلوم الانسانية، ولا سيما علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم اللغة الحديثة وغيرها، من تطورات هائلة في مختلف جوانبها".

ولفت إلى اشتراك الشعر والهوية في محدد مهم هو "اللغة الطبيعية" التي يوظفها الشاعر في إنشاء فنه ومثلما يوظفها في اقامة هويته والافصاح عن وعيه بها فانه يمضي لتفحص نماذج من الشعر المنتج بالعربية والانجليزية لشعراء عرب او مستعربين نظموا شعرهم بواحدة منهما أو بكلتيهما بغرض الكشف عن الهجنة التي تنطوي عليها هذه النماذج من جانب وتحليل تجلياتها من جانب آخر".

من جانبه  قال د. عز الدين المناصرة عن الشعر الهوية " لقد تم التعبير في النقد الادبي بأشكال عديدة عن (هوية الشعر) وعن (هوية الشاعر) وقد تم الخلط بينهما احيانا في عصور مختلفة مما جعل (الشعر) يعلو مرة على الشاعر إلى درجة الصفر (موت المؤلف) أو يعلو الشاعر على الشعر مرة اخرى الى درجة ان (سيرة الشاعر) اصبحت في المقام الاول قبل النص او اختلاط السيرة بالنص الى درجة ولادة تطابق صناعي يعتبرهما شيئا واحدا، لا فصل تعسفيا بينهما".

واشار المناصرة إلى" الاشكالية الأخرى في مسألة الهوية، وهي محاولة تحديد عناصر النص الاساسية التي تمنحه الهوية. لافتا هنا الى بروز اشكالية ماهية الشعر قياسا على الانواع الادبية التي تختلط معه او تجاوره او يستفيد منها او تستفيد منها - أي ما الذي يجعلنا نسمي الشعر – شعرا- وهذا مسألة نوقشت كثيرا، قديما وحديثا الى درجة ان النقاش فيها اصبح امام طريق مسدود".

ولفت د. المناصرة إلى الدور المهم الذي تلعبه الحداثة والفاعلية في تحديد هوية الشعر

" فإذا قيل في القديم ان خصائص(عمود الشعر) تتجاوز مفهوم ان الشعر هو: موزون مقفى، يستعمل: الاستعارة والتشبيه والكناية والطباق، أي التعريف البلاغي العروضي، فإن النقد الحديث استخدام عناصر شكلية اخرى: الكثافة، المجاز، والإيقاع، والمفارقة، والاستعارة، والانزياح وغيرها".