"إفريقيا ريميكس": فن قارة معاصر

     الغد - بعد تدشين معرض "افريقيا ريميكس: فن قارة معاصر" في مدينة دوسلدورف في ألمانيا العام الماضي ومروره في لندن, يصل الى باريس ويقدم في مركز جورج بومبيدو ويستمر لغاية الثامن من آب (اغسطس) القادم. وصمم المعرض حول مواضيع ثلاثة هي: التاريخ والهوية والمدينة والريف، الجسد والروح.

اضافة اعلان

     ويضم معرض افريقيا ريميكس ثلاثمئة تحفة اعدها ثمانون فنانا من 25 بلدا افريقيا. اختار سيمون نجامي, المفوض العام للمعرض فنانين مشهورين على الصعيد الدولي مثل شيري سامبا، جورج ليلانغا، فريديريك برولي بوابري، باسكال مارتين تايو، اينكا شونيبارري، وفنانين اقل شهرة او حتى غير معروفين، لكنهم يعكسون بأعمالهم حيوية المشهد الفني في افريقيا او داخل الشتات الافريقي.

       منذ 20 عاما تقريبا يسافر الفنانون الافارقة ويقيمون المعارض ويلتقون بفنانين آخرين وبهواة جمع التحف وبالنقاد, منشئين ظروف تهجين مثمر بين ثقافاتهم والبحوث المعاصرة. ويمثل معرض "افريقيا ريميكس" صدى هذه التحولات، فحتى عنوانه يستدعي اطلالة جديدة على افريقيا, مازجا رموزها الثقافية وايقونات مع الاعلام الغربي.

        لكن اي افريقيا يكشف لنا هؤلاء الفنانون؟ يمكننا ان نرى في العنوان ايضا اشارة الى استراتيجية اللملمة و"اعادة التدوير" التي تجتاز كامل المعرض, من المعطف الملكي المحاك بكبسولات البيرة، من ابتكار النيجري الانتسوي، الى الاقنعة المصنعة بصفائح المحروقات من اعداد البنيني روموال هازومي، وحتى كنبة غونسالو مابوندا, النحات الشاب الذي ينجز قطعه من اسلحة اليد التي خلفتها الحرب الاهلية في موزمبيق. فهؤلاء الفنانون يستقون إلهامهم من حياتهم اليومية ومن الشارع او من التاريخ الوطني، اغراضهم التي يستعملونها، فقيرة كانت ام مستعملة، هي غنية بذاكرة جماعية قوية لا بل مأساوية، وتشهد أعمالهم غالبا على تراث ينوؤون تحت حمله، لكنها تفرق بين السخرية والوهم ومجرد الملاحظة الصحافية.

      ولو ذكرت اعادة تدوير الاغراض بالاقتصاد الفقير الذي يعيد استعمال كل شيء، تظل طريقة للرد على البلدان الغنية عبر اعادة منتجاتها اليها كما سياستها التوسعية. يقول هازومي: "اخذ الاوروبيون اقنعتنا وخلفوا لنا قمامتهم. اني احول قمامتهم الى اقنعة للاحتفاظ بأقنعتنا. هذه الطريقة في تحويل اشارات التجمعات البشرية في قسم التاريخ والهوية في المعرض".

        ومن بوروندي يرسل لنا ايمي نتاكييكا سلسلة من الصور الشخصية بأزياء اوروبية مختلفة, في حين نقرأ على لوحة كبيرة للفنان الانغولي فرناندو ألفيم "نحتل جميعنا موقع ما بعد الغريب"، فأي تاريخ يمكن لأفريقيا تبنيه ما بعد الاستعمار؟ ألم تثر الهوية مشكلة الاصالة؟

         يجيب الفنانون على هذه الاسئلة مشددين على التفاوت اللازم لكل مقاربة بين ثقافتين، ما بين قارتهم واوروبا. تحلق طائرة "تيتوس" المشيدة من البقايا التي عثر عليها في زوايا المدينة في موضوعة المدينة والريف، على شاكلة قادومية فوق مسألة الرحيل من الريف، كما انفجار المدن الكبرى الفوضوي. وتقدم الصور العديدة هذه الاشكالية والواقع الخاص بهذه التقنيات التي تفرض نفسها كتقرير عن حياة البشر, عمالا زراعيين كانوا ام مدنيين بالقوة.

        يتخيل الكونغولي بوديس كينغيليز مقابل الانية الاجتماعية مدينة سيت عام ,3009 على شاكلة يوتوبيا معمارية فرحة مثل كينشاسا الضخمة. في القسم الاخير الذي يحمل عنوان جسد وروح, تنبعث افريقيا القديمة كما لو ان الفرد في سلالته وروحيته وتناسله هو موضوع التوتر الاقصى بين الحداثة والتقليد، فيصبح الوجه من جديد قناعا عند الانغولي نديلو موتيما والغاني ايلين بيريي, ويدع الجسد مكانا لرفاته الكاريكاتورية (زي ارنست وينغاي الزنجي) او يشارك في تضحيات غريبة (لولو شيريني).

          في هذا القسم نجد الفنانين المسنين, اي الذين طبعت طفولتهم طقوسا ومعتقدات من زمن آخر, ويبدو المثال على ذلك نحت السمك - النمر لجاكسون هلونغواني من جنوب افريقيا، كخشبة طويلة تستحضر تمساحا او مركبا للاموات؟ تجيب اعمالهم بطريقة مداعبة غالبا على العصر الحالي دون استعراض لرؤية خائبة عن عالم اليوم فهناك أعمال "شيتاني" للفنان التانزاني جورج ليلانغا وهي عبارة عن ارواح شريرة تسخر من العيوب البشرية، كما تجعل الخبرة الغريبة للفنان العاجي برولي بوابري من الصاروخ,تطويرا قياسيا لشوكة حيوان الشيهم.

        يدعونا معرض "افريقيا ريميكس" الى التجول في قارة, قوّمها وصححها فنانوها انفسهم. فهم دليلنا الى هذا المعرض، لأنهم يقودونا حيث لا يمكننا الذهاب بأنفسنا نحو افريقيا الحية، التي تغلي وتحيا في شكل عام.