"الأسود يليق بكِ" لـ أحلام مستغانمي: حكاية عشق مبهمة

عمان - الغد - تبدو رواية الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي الأخيرة "الأسود يليق بكِ" في الظاهر حكاية عشق ورديّة حالمة، قصّة حب مليونير لبناني ناهز عمره الخمسين سنة، بدأ رحلته مع عالم المال والبذخ والثراء من البرازيل تزوج وأنجب ابنتين.
أعجبته مطربة جزائرية في السابعة والعشرين من عمرها شاهدها مصادفة في برنامج تلفزيوني فقرر أن تكون له. يبدأ طلال الذي جاهد ليثري محصوله الثقافي في الموسيقى والفن والشعر الى وضع الخطة تلو الخطة للإيقاع بهذه الحسناء الجميلة التي ترتدي الأسود حدادا على مقتل والدها وأخيها خلال الاضطرابات التي شهدتها الجزائر في مطلع القرن الحالي.
من حصل على ثروته بالتخطيط والعمل والحركات المدروسة يضع خططا وقرارات وميزانية من مال للإيقاع بهذه الصبية في حبائله. أزهار ورسائل وشراء تذاكر حفلة لها ليستمع لها وحده.
وتقسيم الرواية الى فصول أربعة عنوانها الحركة الأولى والحركة الثانية والثالثة والرابعة. أي حب هذا عندما نكتبه نعطيه اسم حركات كأنّه لعبة شطرنج  تهدف في النهاية الى تحقيق نصر وتجنّب هزيمة وما في الحب من انتصارات وهزائم فالحب حياة ومشاعر إنسانيّة.
أم هل أرادت أحلام مستغانمي من العناوين أن تشبّه حركات العشّاق برقصات الحياة فهي تهدي روايتها لصديقتها تدعوها فيها "للرقص على الرماد، من يرقص ينفض عنه غبار الذاكرة. كفى مكابرة.. قومي للرقص" قد أوافق على هذه الرؤية لو لم تطغ استراتيجيات رجل الأعمال على تحركاته مع المطربة هالة الوافي.
هل أحبت هالة طلال الإنسان الحقيقي بلا أقنعة ولا تزويق أم أحبت رجل الأعمال الثري المثقف الذي تعلّم تقديم الأزهار ملحقة بكلمات تفتن، رجل الأعمال الذي يريدها ألا تلبس سوى الأسود بحجّة أنه يحبه عليها، رجل الأعمال الذي يقرر أن تنتقل من فندقها المتواضع الى الفندق المبهر الذي لم تحلم أن تدخله في حياتها، "الرجل الذي يُسلّيه تأمّل النساء في تذبذب مواقفهن، وغباء تصرفاتهنّ أمام الإشارات المزورة للحب". هل أحبّت هالة الوافي سلطة المال واللون الأسود أكثر مما أحبت شبابها وموهبتها ولحن الناي الحزين وشجن أوتار العود؟
اختزلت مستغانمي سنتين من وهم الحب في حركات أربع انتهت برفض هالة أن تعيش عبودية الأسود ووهم العشيقة التي يريدها رجلها جارية يطلبها فتلبي ويأمرها فتنصاع. ترفض هالة استمرار علاقة مدفوعة الثمن فتخلع الأسود وترتدي اللازوردي السماوي لتغني عشق الحياة والحرية والفن.
تكتب مستغانمي بأسلوب بسيط قريب الى القارئ، عباراتها جميلة مختصرة محمّلة بمعاني الحب والشوق والحنين. أحلام الروائية الذكية تعرف الى ما يصبو القارئ في زماننا هذا، تعلم الى ما يتوق الإنسان في عصر الاستهلاك والسلع والماديات والمظاهر الخادعة. الإنسان بفطرته يعشق الحب بذاته ولذاته،  فالحب حالة روحانية يتوق الإنسان إلى أن يعيشها بكل أفراحها وآلامها.
يمكن للقارئ في كل صفحة من صفحات "الأسود يليق بكِ" أن يجد حكمة جميلة مختصرة تصلح ليزين بها رسالة موبايل أو تغريدة على التويتر أو ستايتس على الفيسبوك. الجملة الشعرية الشديدة التأمل والحكمة كانت عنصرا ثالثا في الرواية الى جانب الحوار والسرد القصصي أكسب الرواية جدّة وخروجا عن المألوف ولكنه لم يكسبها إبداع فنيّا متميّزا.
وأمثلة كثيرة من عبارات تفيض بالحكمة والنصائح التي قد نتقبلّها أو نرفضها، ولكنها تعبّر عن مواقف واقعية كثيرة وعن مشاعر أنسانية عميقة. لكنها جُمل رغم جمالياتها اللغوية البسيطة وما تنطوي عليه من حكمة إلا أنها لا تجعل القارئ يغضي الطرف عن حبكة الرواية المألوفة، وإن هذه العبارات والحكم لم تصل برواية أحلام مستغانمي الى الابتكار المبدع في  الأسلوب السردي والتقنيات الفنية العالية التي امتازت بها مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد.
الأسود في المجتمع الشرقي:
استطاعت أحلام من خلال الحوارات في الرواية التركيز على تناقضات الشخصية الشرقية وازدواجيتها. طلال رجل الأعمال الناجح رغم ما يدّعيه من ثقافة وعلم ورُقيّ أخلاقي إلا أنه يشعر بالنقص لأنه لم يرزق بصبي ذكر وتعذبه فكرة أن أمواله ستنتقل الى رجال غرباء عند زواج ابنتيه.
طلال الذي يحلم بصبي ذكر ويرفض انتقال ثروته الى رجال غرباء بعد موته لا يمانع أن يتخذ لنفسه عشيقة في كل بلد، طلال يرى نفسه صادقا نبيلا فهو مع بداية العلاقة يخبر هالة بأنه يحب زوجته ولن يتخلى عنها، أي أنّه يترك لمن نصب حولها حبائله حرية البقاء أو المغادرة. فهي محض حالة حسيّة عشقيّة سريّة يبحث فيها عن متع الحياة، لا عن الالتزام والمظاهر الشكليّة من ارتباط قانوني أو شرعي أو جهري. هي عشيقة رغم الورود السوداء والكلمات الشاعرية وهو رجل شرقي يحلم بالجواري والحريم من حوله ويعتبر هذه الصورة الخيالية حقا له اكتسبه بأمواله وذكورته.
وهالة الوافي الشابّة التي رغم أخلاقها وتربيتها المحافظة وتمسّكها بمبادئ الشرف والعفّة إلا أنها لا تجد مانعا في السفر مع عشيقها الى باريس والى فيينا والنوم معا في غرفة وسرير مشترك، وما يثير الاستغراب والاستهجان معا هو أنها في النهاية ترى أنها حافظت على عفتها ولم تسلّمه نفسها وذلك لأنها احتفظت بغشاء الشرف والعذرية والعفة.
أما أخطر ما في هذه الرواية والذي يقبع تحت ألوانها القاتمة والزاهية وعباراتها الشاعرية الحكيمة، أخطر ما تغطيه باقات الورد والأثواب السوداء والازورديّة وشاعرية الكلمات هو اعتبار الخيانة الزوجية والعلاقات غير الشرعية علاقات طبيعية لا صوت يستنكرها ولا كلمة ترفضها ولا حكمة تحذّر منها. طلال زوج خائن ولكن هالة تتنازل عن وجوده في حياتها لأنه قيّدها برغبته في امتلاكها، لا لأنه شخصية خائنة تبحث عن إرضاء رغباتها ما دام صاحبها يملك ثمن هذه الرغبات على اعتبار أنها سلع أو خدمات لها سعر وقيمة مادية، بدون رادع أخلاقي أو مبدأ قيمي أو ديني. تسير حكاية أساسها الخيانة بسلاسة وكأنها طبيعية عادية لا تضير الرجل ولا تصغّر المرأة. تختفي الخيانة بكل براءة ودعة بين الصفحات وكأنها أمر واقع مفروغ منه. هل كانت هالة لترضى بأن تكون الزوجة المخدوعة. هل فكّر طلال بمشاعر ابنتيه وهو يتنقل بشهواته من جسد الى آخر قبل أن يغضبه انتقال ميراثه الى ابنتيه بدون ابن ذكر؟ كم من السنين سترضى هالة بأن تكون رغم كل المال والمظاهر الباذخة والفنادق الفخمة مجرد عشيقة أو جارية في قصر من يملك ثمن حريتها وشبابها؟
ويبقى السؤال الأهم: ما الذي جعل أحلام مستغانمي تمرر الخيانة في روايتها بدون عبارة حكيمة واحدة تقول بأن لا أبشع من الخيانة وأن ما عانت منه هالة ليس حكاية عشق فاشلة بل علاقة خيانة لزوجة وابنتيها ولشابة أراد رجل في عقده السادس شراء شبابها والاستمتاع بعبوديتها. لكل من يقرأ رواية أحلام مستغانمي "الأسود يليق بكِ" أقول: "احذروا الخيانة عندما تُغلّف بورق الهدايا الملوّن".

اضافة اعلان


• منى حمزة