البحث في اجتماعيات الذهنية الخرافية وأسباب انتشارها بين الطبقات الشعبية والمثقفة

البحث في اجتماعيات الذهنية الخرافية وأسباب انتشارها بين الطبقات الشعبية والمثقفة
البحث في اجتماعيات الذهنية الخرافية وأسباب انتشارها بين الطبقات الشعبية والمثقفة

في كتاب صدر أخيرا للباحث د. نديم منصوري بعنوان "سوسيولوجيا التنجيم" 

 

زياد العناني

اضافة اعلان

عمان -يرى الباحث د. نديم منصوري في كتابه "سوسيولوجيا التنجيم - بحث في اجتماعيات الذهنية الخرافية" الصادر أخيرا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" ببيروت أن "التنجيم ظاهرة مفتوحة للتنظير والتأويل وما يزال تناول هذا الموضوع من الفن أو هذا العلم غامضاً للكثيرين من الناس, حتى الأوساط المثقفة.

ويشير منصوري الى أن الكتب التي تتناول هذا الموضوع هي في معظمها نظرية تفتقر الى الجانب الميداني الاحصائي الذي بإمكانه وحده اكتشاف المعرفة السوسيولوجية للظاهرة, والتعرف على أسباب انتشارها في أوساط المجتمع اللبناني, بالاضافة الى الاجابة عن الكثير من التساؤلات: هل تمارس ظاهرة التنجيم بصورة متزايدة ام منحسرة في مجتمعنا? هل تؤثر فعلاً في ممارسات الناس واتخاذ قراراتهم? هل التنجيم علم أم خرافة? ما هي مكانة المنجم في المجتمع اللبناني? كم ينفق المواطن اللبناني من انتاجه على هذه الممارسات?.

ويؤكد منصوري أن لانتشار ظاهرة التنجيم وتطورها جملة من أسباب نجهلها حتى الآن لافتا الى أن "المُتلقي غالباً ما يكون لقمة سائغة بالنسبة للمنجمين, سواء في الشرق أم في الغرب, لأنه ما يزال يقبل القوى اللامنطقية في حياته فكثير من نشاطاته الحاضرة مشتق من طرائق الحياة القديمة جداً, التي انتقلت ثقافياً من جيل الى جيل, وما تزال تمارس كما كانت من دون الحكم عليها أو حتى رفضها, بشكل نهائي".

ويقول إن "هذه الممارسات لا ترتبط بالطبقات غير المتعلمة او الطبقات الشعبية وحسب, بل تتعدى ذلك لتطال الطبقات المثقفة التي نراها تعيش مع نفسها حياتين, حياة ثقافية يظهر بها المثقفون أمام الناس, وحياة خاصة يحيونها بينهم وبين انفسهم. في الاولى يظهرون بأنهم علميون يرفضون كل ما هو غيبي وخرافي, بينما يعيشون في الثانية مع الخوارق ويصدقونها ويتفاعلون معها".

ويشير منصوري الى أن "هذا المزج غير المبرر منطقياً ما بين إنسان علمي من الخارج وخرافي من الداخل, كان أول دافع وأول تساؤل يمكننا أن نطرحه في هذه الدراسة: كيف تعيش الخرافة في عصر العلوم? ولماذا ما تزال حية ترزق منذ آلاف السنين وفي العصور القديمة؟".

ويزيد "كان الطبيب يقنع مريضه أن الارواح الشريرة هي سبب مرضه, ويعالجه باخراج هذه الأرواح من جسده بطرائق كانت تأتي دائماً بنتائج باهرة ويمكن أن يطلق الآن على مثل هذه المعالجة اسم العلاج التأثيري الذي يعتمد على الايحاء, سواء في الأفكار والحواس أم في الأجسام والأشياء".

ويتطرق منصوري الى كيفية ولوج الانسان الى مسالك التنجيم والسحر والماورائيات في محاولته لجذب معونة المخلوقات الأخرى غير المرئية.

ويقول "شهدت الحضارات في بابل ومصر والهند والصين وصولاً الى العصر الحديث, الكثير من مشاهد الخرافة التي عايشت الانسان ورافقته في حياته وان اغلب سكان العالم المتحضر يلبسون التمائم, ويضعون نعل الفرس على مدخل بيوتهم, ويؤمنون بالابراج وبقدرتها على مساعدتهم وحمايتهم. ويخبرنا التاريخ ان لكل قبيلة عرافاً يعمل مستشاراً لزعيمها, وعليه يقع عاتق تحديد زمن الغزوات, وله الرأي بالمعاهدات والصلح والتجارة والزواج".

ويؤكد منصوري على أن "حكام العالم الحاليين قد حافظوا على استمرارية عادات اسلافهم, فمارسوها إنما من دون أن يعلنوها بشكل فاضح".

ويذكر احدى العرافات التي "كانت لها اليد الطولى في تحديد سياسات البيت الأبيض" فترة حكم ريغن.

كما يذكر أن هذه العرافة كانت "طرفاً في تحديد السياسة العالمية" ولكي لا يستأثر الاميركيون بهذا المحور, فقد كان للكرملين أكثر من عراف أيضاً فترة حكم غورباتشوف. وكذلك لا يخفى على احد اعتماد فرانسوا ميتران على المنجمين ولا سيما منجمته "اليزابيث تيسه" التي كشفت عن تلك العلاقة في كتابها "السياسيون والتنجيم".

ويتطرق الى المستوى المحلي لافتا الى "الاجماع الذي يتجمهر عند كل العرافين وقارئي الابراج على أن أكثر زبائنهم هم من السياسيين الذين يفضلون عدم ذكر أسمائهم في هذه الموضوعات التي يتعالون عنها في الظاهر, ويتهافتون عليها في السر".

ويشير منصوري الى تهافت الناس ايضاً من مختلف الشرائح والطبقات والاصقاع على التنجيم مبينا أن هذا التهافت يظهر في استطلاعات رأي اجرتها جريدة "صدى البلد" اللبنانية حيث أن (60 %) من المجتمع اللبناني يؤمنون بالعجائب, وأن( 2%) منه يؤمنون بقراءة الفنجان, و( 22%) لا رأي لهم بالموضوع, و(58% ) لا يؤمنون بقراءة الفنجان.

أما في الغرب, فقد اظهر تصويت اجري في العام 1984 أن (55%)  من المراهقين الاميركيين يؤمنون بالتنجيم, وأن "آلافا من الاشخاص في العالم يتخذون قرارات حاسمة, طبية ومهنية وشخصية, بناء على نصيحة تلقوها من منجمين أو قرأوها في منشورات فلكية".

ويشير منصوري في هذا السياق, الى دراسة حديثة اظهرت أن "المجتمعات التي تعاني من الحرمان العاطفي الناجم عن التفكك الأسري أو مغادرة الأبناء منازل ذويهم عند بلوغهم سن الرشد, يفتقد افرادها الى الدعم المعنوي والنفسي فيصبحون أكثر ميلاً الى التنجيم" لافتا الى أن خمسة ملايين فرنسي يطالعون الابراج يومياً لمعرفة ما ستؤول اليه علاقاتهم بالشريك.

كما يشير منصوري الى توكيد جورج شارباك وهنري بروك في كتابهما "اصبحوا علماء, اصبحوا سحرة" أن نسبة (50% ) من الفرنسيين على الاقل يعتقدون بأن "التنجيم هو علم, وأن قارئي الابراج يحظون بقدر اكبر من الزواج والنجاح كما تشهد على ذلك الصالونات المختلفة التي يؤمها عشرات الآلاف من البشر من بينهم شخصيات سياسية معروفة وصولاً الى رؤساء الجمهوريات الذين يريدون الاطمئنان على مستقبلهم.

من خلال ما تقدم يرى منصوري أن موضوع الايمان بالتنجيم من الموضوعات المهمة والحاضرة في جميع المجتمعات.

ويقول "لابد من الاهتمام بهذه الظاهرة بشكل يتعدى استطلاعات الرأي, ليصل الى دراسات حثيثة تكشف فعلياً واقع هذه الظاهرة وحجمها في كل مجتمع".

ويؤكد منصوري أن "ممارسة الخرافة كنهج للتفكير في عصر التكنولوجيا, يدفع اي مطلع للتساؤل عن الاسباب الكامنة وراء ظاهرة التنجيم. وعليه, يمكننا افتراض العديد من الدوافع والبواغث التي تدفع الناس لممارسة هذه الظاهرة فهي إما أن تكون دوافع نفسية وضغوطاً اجتماعية بغض النظر عن الجانب الديني الذي يحرّم هذه الممارسات, أو يكون سببها عدم التزام ديني يؤدي بضعاف الايمان الى اللجوء الى المنجمين لطلب وكشف الاحداث المستقبلية والخير والشر من الأمور, أو هو مزيج من هذا وذاك, بحيث يلجأ كل من الملتزم وغير الملتزم بالدين الى التنجيم عندما يقف العقل والدين عاجزين عن تقديم حلول مناسبة ترضي الفرد وهواجسه".