البطوش يخط "قرية الطيبة في الكرك بين الزمان والمكان"

1719232053838941000
غلاف الكتاب-(من المصدر)
عمان- صدر عن دار المسيرة، بدعم من وزارة الثقافة كتاب بعنوان، "قرية الطيبة في الكرك (خنزيرة سابقاً) بين الزمان والمكان"، للكاتب محمد رجا محمد البطوش.
رئيس الجامعة الأردنية الأسبق الدكتور خالد الكركي كتب تقديما للكتاب، ويقول فيه: "إن هذا الكتاب يعد جهدا كبيرا، إضافة إلى ملف الكتابة الوطنية حول جغرافيا الوطن، وتاريخه، وأهله؛ وملاحظة الحركة الإنسانية لأهلنا الذين شكلوا أنماطا من النشاط الاقتصادي، الثقافي والعسكري، وأسسوا لأنفسهم جدارا يحمي البلد الطيبة وجوارها، وكانوا يستذكرون كل ساعة أبناء العمومة الذين دقوا أبواب العالم يوم انطلقوا إلى مؤتة الخالدة إيذانا بأن الإسلام قد عبر الصحراء إلى حيث كانت الممالك القديمة، وفي زمانهم حين كان الروم والفرس ومن تبعهم من الأجانب الذين استعمروا بلادنا، وما لبث صوت المؤذن، وعذوبة الصلاة أن عبرا إلى العالم كله، فإذا بهم يكملون صلاتهم في الأندلس وبينهم من "دند الأردن"، الذين وصلوا إلى مالقة الأندلسية وما تزال لهما في مراجعنا ودفاترنا أخبار، وأقارب، وشعر يستذكرون به الأردن، الوطن".اضافة اعلان
ويقف الكركي عند تشكيل صورة القرية، ونموها، وحركة سكانها، وتقدمها التعليمي، وامتدادها عبر مناطق جنوبية وأردنية وصولا إلى بلاد الشام، قائلا: "نجد الفصل التاسع يفتح نوافذ واسعة على مرحلة التعليم من الكتاتيب إلى المدارس الأولى، إلى حضور "الخطيب"، ودوره الكبير، ثم إلى إنجاز حالة متقدمة من التعليم الجديد- النظامي"، ويستذكر الكركي أنه كان أحد طلاب مدرسة المزار في الستينيات من القرن العشرين، وهناك تشكلت الصداقات، وبدأت الأفكار الوطنية والقومية تنهض من ركود طويل حتى تصبح في مقدمة أبنائنا وبناتنا الذي أعلوا صرح بلدتهم بالعلم، وكنا ندرك ذلك لأننا جميعا- أعني الطلاب- سنلتقي في ساحات مدرسة الكرك، حيث بدأت الرحلة تمتد إلى تخصصات وصلت إلى الطب والهندسة، وفتحت النوافذ نحو السفر إلى بلدان مجاورة أو بعيدة عادوا منها وبينهم ثلاثة عشر من حملة الدكتوراه وعدد آخر من القضاة على اختلاف تخصصاتهم، إضافة إلى المحامين، وقضاة الشرع، وضباط تميزوا في الوقت المسلحة".
ويؤكد الكركي أن الفصل التاسع يحتل مكانة مهمة في هذا الكتاب وهو يقدم صورة بهية للتقدم الذي أنجزته الطيبة، في هذا الكتاب توثيق جيد للمراجع، وفيه تثبت المصادر والمراجع، إضافة إلى ملحق للصورة في غاية الأهمية، لكن صورا أخرى للآباء والأجداد والشهداء، تضفي على الكتاب روحا عابقة بالشهامة والجندية الباسلة، وأجد نفسي غير قادر على تجاوز أسماء الشهداء الثلاثة الذين أضافوا للكتاب ما جعله كاملا في روحه، وهم "الشهيد العريف بشير بن منصور المرازقة البطوش، الشهيد الجندي إبراهيم بن حسين بن سليمان العثامين البطوش، الشهيد العريف عودة بن محسن بن مسلم القنيات البطوش".
ويتحدث الكركي عن دور قبيلة "أبناء بطش القيسي"، ورجالات هذا البلد الكريم، وأهل الجنوب الذي جمعنا مزارعين وطلابا، ثم وزعنا على الوطن حراثين، وعسكر، ومعلمين، تجمعنا النخوة والمروءة والإيمان الذي خرجنا به من الظلمات إلى النور، ذات زمان نبيل، وعامر بالإيمان والشجاعة والصبر.
ويرى الكركي، أنه عادة ما تكون المعلومات شحيحة كلما رحل الزمان إلى الماضي البعيد، فقد جاء الفصل الأول بعنوان، "عبق المكان"، وفي الصفحة التاسعة تعبير واضح عن دفاع أهل الطيبة عن بلادهم، خاصة الكرك، بينما يجعل عنوان الفصل الثاني "عبق الزمان"، فالمادة غنية بالتاريخ، وإرث العشيرة، خاصة تفاصيل حركتها في المكان والزمان، خاصة هجرة عائلة عمرو من الطيبة/ الكرك إلى ريف الخليل، كما هجرة عشيرة البطش من الطيبة/ الكرك إلى غزة. وفي الفصل ذاته حديث دقيق عن هجرات تتصل بالعشيرة وغيرها في الفضاء التاريخي للأردن وفلسطين.
ويوضح الكركي أن الكتاب غني بالصور، ومنها لزيارات الأسرة الهاشمية إلى الطيبة، كما هو غني بالأخبار عن حركة المجتمع، ويأخذ الفصل الثالث عن "الطيبة في كتب المؤرخين"، أهمية خاصة، لأن مثل هذه الكتابة تحتاج إلى باحث جاد ومحب، وصل إلى الشعر، (خنزيرة) أو (دأرة خمزر)، فعندما زارها الشهيد وصفي التل في مطلع العام 1963، رغب في تغيير اسمها، فكان أن ثبت اسم (الطيبة).
ويشير الكركي إلى أن الفصل السادس، يتحدث عن الحياة السياسية، وعن مشاركة البطوش في النشاطات السياسية، فقد كانوا في جانب الثورة، ومع الثورة العربية، ويلي ذلك صورة عن التكافل الاجتماعي عند البطوش، فيما يتحدث الكتاب عن التعليم في فصول الكتاب لأن التعليم هو الركيزة التي رسمت معالم المستقبل، وحملت الطلبة إلى المدارس ثم إلى الجامعات، ولم تغب النساء عن التعليم: الدراسة ثم تعليم الطالبات، الصورة الأخيرة في الكتاب عن الخدمات والدوائر الحكومية، وسائر ما يعزز الفصل التاسع حول التعليم، والمجالس البلدية، والمراكز الصحية والبريد، والجمعيات، والدفاع المدني، وأخيرا الفصل الحادي عشر وهو بعنوان "الشعر والطيبة".
مؤلف الكتاب محمد البطوش ابن قرية الطيبة يقول: "إن لقريته نصيب من اسمها "الطيبة"، لافتا إلى أنه في كتابه هذا يقوم بواجبه تجاه قريته ومسقط رأسه، من خلال الكتابة عنها منذ قرون خلت ما قبل التاريخ، وتدوين ما استطاع من تاريخها وأهمية موقعها وتأثيره في المنطقة العربية، وإبراز دورها قبل الإسلام وبعده، وبحث جغرافيتها المتفردة عما حولها، وإبراز دور عشائر البطوش "أبناء بطش القيسي"، ومن قطنها، أو هاجر إليها واستقر فيها تحت مسمى واحدا، وتعاون الجميع على حمايتها، والذود عنها، والحفاظ على سمعتها بين المدن والقرى الأردنية في منطقة مؤاب المحيطة بها، وما كان ذلك ليتم لولا رغبة الجميع وتعاونهم".
ويقول المؤلف: "في الخامسة عشرة من عمري كنت أذهب مع أهلي لحصد منتوجات الثمار من بساتينها العامرة، ثم أنتقل إلى عمان لاستكمال دراستي الثانوية، وقد التقيت بأناس كثيرين من فلسطين ومدن أردنية، كانوا يسألونه عن رجالات من قبيلة البطوش، ولا سيما أولئك الذين ذاع صيتهم في الكرم والنضال والجهاد".
ويشير البطوش إلى أن أبناء القبيلة يمتازون بأنهم يفتخرون بالنخوة والمروءة وإغاثة الملهوف وحماية ذوي الجلوة، كما يمتازون بحب الوطن والتضحية، وتمتاز قرية الطيبة بكثرة مساجدها، ففيها ثلاثة عشر مسجدا؛ ما انعكس على قاطينها إيجابا من حيث الالتزام بتعاليم الدين وتنفيذ شرائعه؛ فقد اهتموا بدراسة الشريعة الإسلامية، وحصل عدد من أبنائها على الشهادات العليا في هذا المجال؛ ما منحهم إدارة كثير من مديريات وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، ومديرية الإفتاء العسكري، وثمة عدد غفير، يعمل أكاديميا في الجامعات والمعاهد والكليات الشرعية، ومنهم قضاة شرعيون، ووعاظ، وأئمة مساجد، ودعاة؛ وجميعهم حاصلون على الشهادات العليا في مجالات متعددة.
وخلص المؤلف، إلى أنه بذل جهدا كبيرا في البحث والتأريخ في المراجع المختصة للوصول لكل ما هو صحيح، ووثق ذلك بكل دقة ليكون مرجعا عن هذه القرية وساكينها، قبيلة البطوش، وقد حاول تأكيد المعلومات من أكثر من مصدر لتكون دقيقة لكل قارئ وباحث يعمل ليلا نهارا واستمر ذلك حوالي عامين.
وكتب تقديما للكتاب الشاعر محمد السواعير أيضا، حيث يشير إلى أن المؤلف أرخ لذاكرة الزمان والمكان في آن واحد لبلدته الطيبة، ومن مر بها أو حل ضيفا عليها، وأورد شواهد جمة وأدلة كثيرة على قدم هذه البلدة وعراقتها ونسبها وامتداد عشائرها في الأردن وفلسطين وبلاد الشام، فلا حدود استعمارية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مسبقا أن بلاد الشام كانت واحدة كما الجزيرة العربية، فكان تنقل القبائل في كلا المنطقتين دونما قيود أو حدود؛ لهذا ألفنا متداد القبيلة الواحدة فروعا شتى، في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق.
ويشيد السواعير بجهد المؤلف من قبيل البحث والتوثيق في الرجوع إلى المصادر التاريخية والجغرافية والديمغرافية المؤلفة إبان الحقبة العثمانية وما قبلها حتى عصرنا الحاضر، من حيث تتبع تسمية البلدة وتأسيسها، وكذلك من استقر فيها، فضلا عمن تحالف مع قاطنيها أو تصاهر مع  ذويها إيمانا منه بتمثيلها للوطن الأردني بكل عشائره وملامحه وتراثه وتاريخه؛ ما يؤكد أن نسيجنا الوطني متعدد المشارب والأماكن، بيد أنه يتفق على حب الوطن والدفاع عنه بالغالي والنفيس.