التعبير عن المأزق الاجتماعي ورصد المظاهر المتعدّدة للهمّ الإنساني في مجموعة "لن يهمني أحد"

عمان - الغد - "لن يهمني أحد" هي المجموعة القصصية الأولى التي أصدرها القاص الشاب نضال قحطان عن دار الحداثة ببيروت، وهي تضم نتاجه القصصي المنشور في الصحف والمواقع الأدبية الإلكترونية.

اضافة اعلان

 حوت المجموعة، بحسب موقع إيلاف الالكتروني، أربعا وعشرين قصة، من خلالها يطل القاص على عوالم فسيحة ليدخل تفاصيلها الدقيقة عالم السرد، وليفتح هذه العوالم أمام القراء معتمدا على لغة تعبيرية تكشف الواقع الاجتماعي الذي افرزها، وقد جاء شخوص القصص لتمثيل المستويات المتباينة والمختلفة لهذا المجتمع.

   ويمكن لمن يقرأ المجموعة أن يقسّمها من حيث الأسلوب الفني للتناول إلى مستويين فنيين. الأول، وهو الأكثر حضورا في المجموعة، ويأتي ليسرد عدة صور حول علاقات الناس ببعضهم بعضا.

 كما يكشف القاص من خلال هذا المستوى الكثير من المآزق الاجتماعية الناتجة عن اتساع الهوّة بين عالمين يمثل كل عالم منهما نموذجا ويمثل الآخر نقيضه تماما (الفقراء، الأغنياء) كما في قصة لن يهمني أحد، أو (الآباء، الأبناء) وفي قصة صلّيت، أو (الأزواج، الزوجات) كذالك في قصة (إللي بعده)، إلى غير ذلك مما ترصده المجموعة من مآزق ومفارقات اجتماعية هي لبّ الحبكة في الأسلوب السردي لنضال قحطان.

 المستوى الثاني، وهو الأقل حضورا في المجموعة، ويأتي متضمنا بعدا رمزيّا مفتوحا على التأويل، ويتضح هذا المستوى السردي الرمزي في اثنتين من قصص المجموعة وهما (غيمة مرّت)، و(وحدهم الموتى لا يشعرون بالملل).

 لقد عمد الكاتب في قصصه إلى الخروج عن خصوصية القصة القصيرة التي اعتدنا عليها من خلال تقديمه لرؤيته الخاصة تجاه بعض المواقف التي يرصدها قلمه، ففي قصة (إللي بعده) نراه يقدّم مجموعة من المواقف التي يبرر من خلالها سبب تبني بطل قصته لهذه العبارة السحرية.

 فعن طريق عبارة "إللي بعده" استطاع بطل القصة أن يتعايش مع الكثير من المآزق التي يقع فيها، فنراه يرددها للتغلب على عصبيته، بينما يرصد في المقابل ما لهذه العبارة من أثر على الآخرين، ومن أولئك زوجته التي تتهمه - كما يتهمه الآخرون - بعدم المبالاة.

 إن القصة في مجملها تعبير عن عجز إنسان المدينة الرازح تحت وطأة متطلبات الحياة القاسية، كما أنها تعبير مرير عن بعض الأساليب التي يتبعها هذا الإنسان المسحوق للتغلب على مشاكله، وهي أساليب في مجملها لا تؤدي إلى حل المشاكل بقدر ما تراكمها، لهذا تنتهي القصة بعبارة تتركها زوجة بطل القصة له ليجدها عند عودته إلى المنزل: وجد ورقة معلقة على باب غرفة النوم كُتب فيها

- "أنا عند أهلي، وتليفون المنزل خارج الخدمة مؤقتاً". وهذه النهاية تبين ما سيؤول إليه الكثيرون ممن لا يجدون أمام قسوة الحياة إلا الفزع إلى اللامبالاة كي تساعدهم في التقليل من توترهم، ولكنها لا تقدّم الحل الناجع لمشكلاتهم.

 أما في قصة "غيرة حريم" فيقدّم نضال قحطان بطله في مواجهة غير مباشرة مع أخيه، حيث شاء قدر بطل القصة أن يتزوج وأخوه بأختين، ولأن بطل القصة فقير فإن زوجته تمارس عليه ضغطا من نوع خاص، حيث نراه يلهث في سبيل اللحاق بأخيه في أسلوب تدليله لزوجته، كما يحاول أن يجاري زوجته في سبيل إقناعها بخصوصية وضعهما المادي دون جدوى.

 أما قصة "الزي" فيقدّم القاص من خلالها هواجس بطله الذي يربط ارتداؤه للزي الجديد برحيل حبيبته ريم، حيث يقرر ارتداء زيه الجديد في إحدى زياراته لحبيبته، ليكتشف أثناء هذه الزيارة أن حبيبته ستذهب للعلاج في الخارج، وبذهابها يقسم أن لا يلبس زيّا زاهي الألوان لأن اللون الزاهي لا يحبه، ولا يعجبه أيضا.

 ومن خلال هذه القصة نلمس ما يريد نضال إسقاطه على كنه الأشياء من حولنا، فاللون الزاهي يفقد معنى كونه زاهيا وجديدا، بينما يكتسب لون بيجامته الرمادي الكابي معنى أكثر قربا من روح بطل القصة، إنها الأشياء كما نحسها لا كما هي فعلا، فحتى الألوان الزاهية لا يغدو لها معنى حين لا ترتبط بموقف فرح يجعلنا نشعر بجمالها وقربها من الروح.

 ومن خلال الإبحار أكثر في عوالم مجموعة "لن يهمني أحد" سنكتشف أنها تقدّم لنا العديد من نماذج تتلمس مواطن المسكوت عنه، وتحاول توصيفه بدقّة، ففي قصة "باحثة متمرّسة" نرى كيف " أن الأبحاث تحتاج للكثير من الجهد المضاعف ليحصل صاحبها على درجة الامتياز"، وهذا الجهد المضاعف لم يكن في نهاية الأمر إلا مطالبة الأستاذة لطالبتها بإقامة علاقة حميمة معها.

 كما تشير إلى هذا الجانب قصة: "مأزق شهوة" التي نجد فيها تصويرا جميلا لهواجس المرأة والرجل على حدّ سواء، فحين يعجز الرجل أمام المرأة يسود التوجس مكان الثقة، وتنبت العديد من الأسئلة التي لا تعدم الإجابة ولكنها تعتبرها أسلوبا من أساليب التشفي أو الشفقة أو الاتهام، وهي في المحصلة - أي قصة مأزق شهوة - تعبير عن عقلية الرجل الشرقي الذي يربط وجوده الكامل كما يربط تحقيقه لمفهوم الذات من خلال نجاحه في إقامة علاقة كاملة مع المرأة، وأن أي خلل أو نقص أو اهتزاز في هذه العلاقة ما هو إلا تهديد سافر لكينونته ووجوده.

أما المستوى الرمزي في المجموعة فيكاد ينحصر في نصّين، الأول "غيمة مرّت"، ويصور فيه نضال قحطان معنى أن يكون الحب متاحا ومستحيلا في آن، فتأتي لغة هذه القصة لغة شعرية تليق بتصوير مشاعر رجل وامرأة يتوقان للحب ولكنهما يقفان على حدود الأمل الذي لا يبدو واعدا بشيء.

 ويمكن ملاحظة جمال لغة هذا النص من خلال حواريته الأخاذة: "- لن أكون، سآتي حين يدنو الشوق، سأتحدث إليك عن رحلة طفولية وسأمسح شَعرك بقطرات، وأحكي لك قصة سندريلا. - يا مجنون غيمةٍ وعاشق المطر، هل ترى تلك الوردة الحمراء هناك .. تشاهدها ؟. - أجل. - اتكئ عليها".

والقصة الرمزية الثانية هي قصة: "الموتى لا يشعرون بالملل"، فبطل القصة يتحدث إلى جثة، لأن "الأموات يغادرون ممتطين نسمات الهواء مسرعين في الفراغ"، لنكتشف في نهاية القصة أننا نقف مع بطلها عاجزين عن تحديد ما إذا كان هذا البطل ينتمي إلى عالم الأحياء أم إلى عالم الأموات؟.

إن مجموعة "لن يهمني أحد" مجموعة حافلة بالكثير من القصص التي يبدو أن الإحاطة بها في قراءة نقدية محدودة أمر صعب للغاية، فقد حفلت بالكثير من مظاهر الهم الإنساني وعبّرت عنه بصدق وبحساسية شديدة، كما أنها مجموعة تضع كاتبها بين نظرائه من كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي، ليواصل الإبداع والإضافة إلى مسيرة السرد العربي بما يتناسب مع ما وصلت إليه هذه المسيرة من تراكم قصصي متميز ولافت.