"التكوين التاريخي للأمة العربية" للدوري يحاكي الهوية والوعي

1708335660400137900
"التكوين التاريخي للأمة العربية" للدوري يحاكي الهوية والوعي
عمان- ضمن برنامج مكتبة الأسرة القراءة للجميع، أصدرت وزارة الثقافة الأردنية كتابا بعنوان "التكوين التاريخي للأمة العربية دراسة في الهوية والوعي"، للمؤرخ العراقي الدكتور عبد العزيز الدوري.اضافة اعلان
قسم الدوري الكتاب إلى ثلاث فترات، تبدأ الأولى بالأصول العربية، ثم تكوين المجتمعات العربية بعد ظهور الإسلام، وتكوين الأمة العربية في التاريخ. كما يتناول القسم الثاني بداية التنبه العربي وتطوره في النصف الأخير للقرن التاسع عشر والعقدين الأولين للقرن العشرين.
وبين أن دراسة الفترة الأولى تطلبت تحليلا لتاريخ العرب قبل الفترة الحديثة، وتقويما للاتجاهات والعناصر التي كونت هذا التاريخ، وتفهما للأسس والظروف والمقومات التي أدت إلى قيام الأمة العربية في الواقع وفي الفكر، وهذا يفضي إلى تقديم نظرة شاملة لهذا التاريخ، مع بعض التركيز على أثر الإسلام، وعلى التطورات الاجتماعية-الاقتصادية، وعلى ظاهرة التعريب.
يقول الدوري إنه حاول في هذه الدراسة التعرف على ظروف تكوين الأمة العربية، وتحديد هويتها في التاريخ، ولتبين وعيها لذاتها وتطور هذا الوعي إلى العصر الحديث، وهي تتوخى بيان عناصر الاستمرار في هذا الوعي وطبيعة التحول فيه، مبينا أن الكتاب الغربيين اعتادوا أن يقيسوا كل ظاهرة وتطور بموجب المفاهيم والمؤسسات الغربية، فقد أصبح واضحا الآن أن هذا المنهج غير دقيق وغير مقبول، بل إن المفاهيم والمؤسسات لا ترسخ أو تدوم في أي بيئة بالاقتباس وحده، بل لابد أن تكون هناك أصول ومقومات في تلك البيئة، وهذه قد تنشط وتتطور بالاتصال بالفكر الخارجي.
يرى المؤلف أن ظهور القومية في الغرب يعد تعبيرا عن فكر الطبقة الوسطى وطموحها، وكانت وراء تكوين الدول القومية والتوسع الاستعماري، فإن هذا لا يصدق بالضرورة على كل حركة قومية، وبخاصة الحركة القومية في آسيا وأفريقيا لاختلاف منطلقاتها وظروف نشأتها وأهدافها، لافتا إلى أن العرب في أوطان وسيطة في العالم، كما أن دورهم التاريخي اقترن بالانفتاح على فكر الآخرين وحضاراتهم. وقد خبروا الاتصال بالغرب في فترات تاريخية، وكانوا بين أخذ وعطاء، ولكنهم كانوا دائما يصدرون عن هوية حضارية واضحة. وليس غريبا أن يكون همهم في القرنين الأخيرين تحديد هويتهم الحضارية أمام طغيان الغرب في جميع المجالات.
ويشير الدوري إلى أنه يفترض أن الأمة العربية تكونت في التاريخ بعد تطور اجتماعي وفكري طويل، وأن شعورها بهويتها ووعيها لذاتها يرتبط بصورة وثيقة بهذا التكوين. كما تفترض أن الوعي العربي الحديث في الاتجاه القومي لم يكن تقليدا لقومية أو أخرى، بل إنه تبيان للهوية العربية وامتداد للوعي العربي في التاريخ، بعد أن تأثر بالآراء الحديثة في العصر الحديث.
ويقول المؤلف، أثناء هذه الدراسة، لاحظ أن الوعي العربي الحديث بأشكاله يقترن ببدايات اليقظة العربية، وأنه هدف إلى النهوض بالعرب وإلى تأكيد وحدة الأمة العربية واستعادة دورها التاريخي ورفض التبعية، كما أنه رأى العروبة وثيقة الارتباط بالإسلام، كل ذلك في مواجهة أخطار خارجية وتحديات داخلية متراكمة.
ويشير الدوري إلى ظهور كتابات تناقش بداية الوعي العربي الحديث وتطوره، ولكن الأحداث والهزات التي تعرض لها العرب في نصف القرن الأخير، وما أثارته من تساؤل وشكوك حول الهوية والوعي، توجب إعادة نظر شاملة. ولا يعني ذلك التوسع في الدراسة، بل محاولة لإعادة فحص بعض المفاهيم والفرضيات الشائعة لتناول الموضوع بصورة أشمل.
في خاتمة الكتاب، يبين المؤلف أنه دراسته توجه للتعريف على أصول الوعي العربي وتطوره في التاريخ لتتبين ظروف نشأته وسيره وصلته بالاتجاه القومي في العصر الحديث، لافتا إلى أن العرب في تاريخهم شهدوا فترات من التجزئة والضعف والغزو الخارجي، وشهدوا فترات من الوحدة والقوة والازدهار، ومن المهم معرفة عناصر الوحدة والتماسك والحيوية عبر هذا التاريخ، وطبيعة الروابط والمقومات التي تشدهم وتطورها أو تحولها في الظروف والأوضاع المتبدلة، للتعرف على تكوين الأمة العربية في التاريخ وصور تعبيرها عن ذاتها في فترات التاريخ وفي الحاضر.
ويشير الدوري إلى أن الجزيرة العربية كانت مهد العرب، وعرفت في التاريخ بجزيرة العرب، وكانت هذه الجزيرة موطن شعوب أخرى سبقتهم في الخروج إلى الشمال والغرب، وكون بعضها حضارات في القدم. وكانت هذه الشعوب تتكلم بلغات هي والعربية من أصول واحدة، وتطورت لغاتها بعد خروجها، وبقيت العربية في مهدها أقرب إلى الأصل. وتعربت عامة هذه الشعوب فيما بعد، ودخل جل تراثها في الحضارة العربية الإسلامية، وهذا جعل هذه الشعوب عروبية ثم عربية.
ويرى المؤلف أن العرب كانت لهم كيانات ودول منذ الألف الأول قبل الميلاد. ورغم ما تعرضوا له من ضغط الدول الكبرى في المنطقة ومحاولاتها للسيطرة على أطراف الجزيرة أو على طرق التجارة، إلا أن دولهم في الجنوب اتصلت حتى القرن الخامس للميلاد، كما أن كيانات أخرى استمرت لقرن بعد ذلك، وبقيت ذكرى هذه الدول، وذكرى حريتهم في قلب الجزيرة، مصدر اعتزاز لهم.
يرى الدوري أن دراسة بدايات الوعي العربي وتطوره في القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين تفضي إلى رفض آراء شائعة تنسبه إلى جزء من بلاد الشام، وإلى نفي آراء تنسب للمدارس التبشيرية دورا جديا في الموضوع، وإلى رفض أي منهج يناقش الوعي على أساس طائفي باسم العربية، وقد بدأت فكرة الوطنية في مصر مع رفاعة الطهطاوي، وتمت هذه الفكرة وانتشرت في مصر وكان لها دور واضح في حياتها في القرن التاسع عشر لتصل أوجها العملي في ثورة عرابي، وأوجها الفكري في العقدين الأولين من القرن العشرين، وكان لهذه الفكرة أثرها في بلاد الشام بعد أحداث 1860، وجاء عرض فكرة الوطن والوطنية يقرن ابتداء بين المفهوم التراثي والمفهوم السياسي الحديث كما جاء في الفكر الفرنسي خاصة، ثم ينتهي بالتأكيد على المفهوم الحديث.
ويشير الدوري إلى أن الكثيرين وجدوا في فكرة الوطن والوطنية سبيلا لتخطي الطائفية، كما حصل في مصر وفي لبنان خاصة، فهذه الدول تأثرت بالظروف المحيطة به. ففي مصر هناك تراث الوحدة الجغرافية والكيان الواحد، وارتبطت الفكرة الوطنية بمصر، وبمفهوم الكيان السياسي الواحد، ووجدت في العربية "لغة وثقافة".
أما في بلاد الشام، بحسب المؤلف، فهناك تنوع في البيئة إضافة إلى الطائفية، فإن فكرة الوطنية لم تقتصر على اتجاه واحد، فهي تنظر إلى لبنان مرة "بتحديد أو آخر"، وتكاد تأخذ دلالة طائفية ووجهة دون الإقليمية، وهي تنظر إلى سورية الطبيعية، فتتخطى التعدد الطائفي، وترى في العربية لغة وثقافة وفي الذكريات التاريخية رابطتها الأساسية، وقد تذهب إلى النسب أو الأصل لتؤكد هذه الرابطة.
وخلص إلى أن الاتجاه إلى العربية، لغة وثقافة، رابطة في الوطنية، له جذور في التراث العربي وفي الوعي العربي في التاريخ، ومظهر للتنبه الذاتي بعد الاحتكاك بالغرب، ومن المنتظر أن يرفد هذا الاتجاه الحركة العربية القومية في ظروف البلاد العربية في آسيا، وأن يتأخر في مصر "وشمال افريقيا"، إلى فترة تالية لاختلاف الظروف والتحديات الرئيسية، مبينا أن بعض الكتاب أشاروا إلى الصلة الوثيقة بين العروبة والإسلام.