الجعب يتناول دراسات في "ثقافة المقاومة بين النظرية والتطبيق"

غلاف الكتاب-(من المصدر)
غلاف الكتاب-(من المصدر)
عمان- يقول أستاذ أصول التربية في جامعة الأقصى الدكتور نافذ سليمان الجعب، إن كتابه "ثقافة المقاومة بين النظرية والتطبيق" الجزء الأول، هو حصاد لسلسلة من الأبحاث العلمية والمقالات الصحفية التي واكبت مسيرة المقاومة الفلسطينية عبر أزمنة مختلفة.اضافة اعلان
ويرى المؤلف أن على أرض فلسطين تتجلى المعركة بين الحق والباطل في أنصع صورها، حيث الاحتلال الصهيوني الذي اغتصب الأرض والعرض وقتل الإنسان ودمر البنيان، لذلك وجد جند الحق من رجال المقاومة والجهاد، فأصبحوا شوكة في حلق الاحتلال، ورأس حربة منغرسة في صدره.
الكتاب، كما يقول الجعب، يهدف للمساهمة في تعزيز "ثقافة المقاومة" لدى أبناء الأمة والشعب الفلسطيني، وجاء في ثمانية فصول، يركز الفصل الأول على مفهوم ثقافة المقاومة، ويتناول واقع المقاومة في فلسطين والتحديات التي تواجهها، وبعد ذلك يعرض الفصل الثاني المتطلبات التربوية لثقافة المقاومة وبأبعادها المختلفة "الفكرية والثقافية والتعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية".
يطرح الفصل الثالث رؤية تربوية لتعزيز ثقافة المقاومة من خلال تحديد أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام في تعزيز ثقافة المقاومة، فيما يتناول في الفصول الثلاثة اللاحقة العلاقة بين المقاومة وكل من التربية والتنمية والسياسة، ويستحضر في الفصلين الأخيرين المقاومة على أرض المعركة حيث الجهاد والاستشهاد والنكاية بالعدو، وأخيرا يطرق باب المقاومة الشعبية ضد الأنظمة المستبدة.
في مقدمته للكتاب، يقول المؤلف إن الصراع الذي يحدث على أرض فلسطين، حيث إن المحتل الصهيوني الذي جاء من أشتات الدنيا ليستوطن في أرض عربية إسلامية، ويطرد أهلها منه، بل ويستبيح دماءهم وأرضهم، لأنه يمتلك القوة والتأييد الدولي الظالم، ينطلق من منطلقات أيديولوجية قائمة على دعاوى دينية كاذبة يلتف حولها يهود العالم، أن فلسطين هي أرض المعياد ومهد الأجداد.
ويضيف الجعب، إن الصراع بيننا وبين إسرائيل ليس صراعا عسكريا فقط، بين شعب يقع تحت الاحتلال وشعب يمارس أبشع أنواع الاستعمار الاسيتطاني بل هو صراع صور ذهنية، صورة في مقابل صورة، قيمة في مواجهة قيمة، حضارة في مقابل حضارة. وأمام هذه الغطرسة الصهيونية المؤيدة بالقوى العالمية الكبرى، لا يملك الفلسطيني إلا أن يثبت على أرضه، ويقاوم بكل ما يملك ليصد هذه الهجمة الاستعمارية، وهذا ما قام به الشعب الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين بعد صدور وعد بلفور العام 1917؛ مرورا بالانتداب الاستعماري البريطاني على فلسطين، ثم قيام دولة الاحتلال العام 1948، وإلى يومنا هذا، حيث تفنن في أساليب المقاومة السلمية والمسلحة بكل أشكالها ومراحلها.
ويوضح المؤلف أن هذه الدراسة تأتي لمساهمة في ترسيخ وتعزيز ثقافة المقاومة، من خلال توظيف البعد التربوي في تحقيق ذلك عبر الأوساط التعليمية، غير متناسية الدور الإسنادي العظيم الذي تقوم به الأسرة والمجتمع والإعلام والطبقة السياسية في تسيير وتدعيم القيم والاتجاهات اللازمة لثقافة المقاومة، كي تصبح ثقافة الرضيع والطفل والشاب والشيخ الكبير، ثقافة الرجل والمرأة والمثقف والعامي.
ويتحدث الجعب عن ثقافة المقاومة، فيقول "هي حالة وخبرة تحياها الأمم النبيلة الحية، التي تتصدى للبغي والعدوان، ولذلك فهي تنهض في وجه التحديات عبر مختلف وسائل ومستويات المواجهة، من أبسط آليات وأدوات الكفاح، إلى التحليل الاستراتيجي الثاقب الذي يعطي كفاح الأمم مسارا ورؤية ومعنى، وبالتالي فإن ثقافة المقاومة هي حالة استنهاض إنساني تتوجه ضد كل اعتداء على الإنسانية؛ ضد الاحتلال والاستيطان".
ويضيف المؤلف "إن ثقافة المقاومة هي ثقافة إنسانية تدفع صاحبها إلى حماية نفسه والآخرين من أي تغول عدواني عليها بكل الوسائل الممكنة، ويعرفها بأنها مجموع الخبرات المعرفية والوجدانية والمهارية المتراكة التي تتوارثها الأجيال للحفاظ على هويتها الوطنية من الاستلاب الاحتلالي، والتي تعمل على تحشيد الطاقات المجتمعية لمواجهة العدوان واسترداد الحقوق".
ويتحدث الجعب عن واقع ثقافة المقاومة في المجتمع الفلسطيني والمؤامرات التي تهددها، فيقول "إن ثقافة المقاومة تتعرض لهجمة شرسة من أعداء المقاومة، الذين يمثلون الاستعمار الحديث سواء المباشر منه كإسرائيل، أو الاستعمار الاقتصادي والسياسي كأميركا ودول أوروبا، ويتفنن هؤلاء في استخدام أساليب متنوعة لإجهاض أي مقاومة لمشاريعهم التوسيعة، سواء كانت المقاومة روحا تسري في مناهج التعليم، أو دعوة في وسائل الإعلام، أو توجيها من المنابر الدينية والسياسية، أو مقاومة مسلحة منظمة".
ويستعرض المؤلف واقع ثقافة المقاومة وصور المؤامرات التي تهددها: مثل عولمة التعليم والغزو الفكري للمناهج حيث يمثل التعليم حصن الأمة، ووسيلتها في توريث الثقافة والحفاظ على الهوية الوطنية، ولذلك لا تسمح الدول الحرة بالتدخل الأجنبي في تقرير مناهجها، لأن التعليم يمثل قضية سيادية لأي دولة تحترم نفسها، وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، كثر الحديث أميركيا عن ضرورة تغيير المناهج التعليمية في الوطن العربي، لتتمكن المؤسسات التربوية من تدعيم ثقافة السلام، وتتمثل مفردات تلك الثقافة في "تجريم المقاومة، وإضفاء المشروعية على الاستعمار، واستحسان التبعية، وتصغير الذات الوطنية، وتخفيض التناقض مع الخارج وتصعيده مع الداخل، والانفتاح على العالم الخارجي، واعتبار أساس الصراع العربي الإسرائيلي نفسيا وإنكارا لأسباب الحقيقة لذلك، وهو احتلال الأراضي بالقوة، وبذلك يتم تزييف الوعي".
ويشير الجعب إلى أن الصراع يتخذ أشكالا عديدة تبدأ بالصراع الفكري والثقافي، وتنتهي بالصراع العسكري المسلح، ومن أمثلة هذه الصراع والتدافع ما يحدث على أرض فلسطين، من مقاومة الاحتلال الصهيوني والذي يحمل مشروعا فكريا وحضاريا غربيا، ليواجه المشروع الفكري الحضاري الإسلامي انطلاقا من عمق الأمة وقلبها النابض "فلسطين".
ويرى المؤلف أن المحتل الصهيوني يعمل دوما على رسم صورة حضارية له تميزه عن الوسط العربي المحيط به، ويؤازره الغرب في ذلك، فيصفونها بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وجزء من الحضارة الغربية المتقدمة، حضارة العالم والتكنولوجيا، والحريات والقوة النووية الضاربة، إلى غير ذلك من الصورة الدعائية التي يروج لها الإعلام الصهيوني وظهيره الإعلام الغربي.
ويقول الجعب "إن واقع المقاومة الفلسطينية بصورة خاصة، يجد أنها انطلقت من الأوساط المثقفة والتي استطاعت أن تدير المعركة مع الاحتلال ضمن رؤية ثقافية منتمية للعمق العربي والإسلامي، ومثلت المدارس والجامعات والمساجد منطلقا لكل الثورات والانتفاضات في التاريخ الفلسطيني الحديث، مما يدل على أن المثقف هو أول من يقاوم الاحتلال، وهو الذي يقود ويثبت ويوجه المقاومة".
ويعتبر المؤلف أن كل مقاوم هو مثقف ابتداء، وخاصة على مستوى الشريحة القيادية، لكن ليس كل مثقف مقاوم، بل هناك من يدعون الثقافة ويمثلون عقبات كأداء في طريق المقاومة، بل ويتآمرون مع العدو ضد المقاومة، فالمثقف المقاوم هو "الذي يحاول جاهدا تجديد وتحديث آليات ثقافة المقاومة بفروعها المتعددة، وأشكالها المتنوعة، ومنح المقاومة عمقا ومعنى عالميا إنسانيا مستندا إلى القوانين الدولة التي تبيح له حق المقاومة بأشكالها كافة".
ويرى الجعب أن المقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تشق طريقها نحو تحقيق أهدافها، إلا إذا كانت مقاومة مستبصرة واعية، تعرف ما تريد، وكيف تصل إلى ما تريد، وهذا يستلزم نشر الوعي بأهداف المقاومة واستراتيجياتها، ورؤيتها من الأحداث المتجددة، لتضمن اصطفاف الجمهور الفلسطيني وراءها، والتحامها بها، ليشكل درع حماية ومورد إمداد دائما لا ينضب.
ويتحدث المؤلف عن استنهاض وسائل الثقافة المقاومة، مبينا أن المشهد الثقافي الفلسطيني لم يسلم من العدوان الإسرائيلي، حيث لحق الدمار بالمؤسسات الثقافية والمكتبات والمساجد ودور العلم والثقافة، وبسبب الحصار تعطلت معارض الكتاب السنوية الدولية، وتوقف دخول الكتب الحديث، مما سبب ركودا ثقافيا في المكتبات والجامعات والمؤسسات الثقافية، ونتيجة للوضع الأمني الصعب في قطاع غزة واستمرار العدوان الإسرائيلي، فقد اختفت محاضين الثقافة المعروفة كدور المسرح، والسينما، والملاهي العامة، والمتنزهات العائلية، والملتقيات الثقافية الكبرى، ودور النشر والتوزيع، رغم وجود بقايا محدودة من مؤتمرات الجامعات والأيام الدراسية والاحتفالات الشعبية.
ويخلص الجعب إلى أن الواقع الثقافي الفلسطيني يجب أن ينهض ليسهم في المعركة ضد الاحتلال، فهناك أدب المقاومة ومسرح المقاومة وكتاب المقاومة، وهكذا يمكن صبغ جميع الأدوات الثقافية بصبغة المقاومة، ونحن بحاجة إلى ثقافة التنمية في قطاع غزة، حيث ألحق العدوان الإسرائيلي الدمار بكل شيء، فلا بد من تحفيز كل قوى المجتمع للمشاركة في إعادة البناء مع استكمال عملية التحرير من الاحتلال.