الرغبة والروحانية يحركان معا تطلعات وإنجازات إيجابية

ترجمة: مدني قصري

عمّان - الروحانية، والرغبة، لفظتان قد يبدو تشاركهما غريباً. فمنذ زمن بعديد (ربما آلاف السنين)، بالفعل، وفكرة الروحانية تثير في عقول الرجال صور الأديرة، وصور المغارات، وصور صومعات الكنائس والمعابد، وهي الأماكن التي، إنْ شئنا أن نقترب فيها من الخالق، عزلنا أنفسنا عن العالم، وتنازلنا عن الإغراءات متع الحياة. هذا التصور الثنائي، الذي يتعارض فيه البحث عن الروحانيات، والسعي خلف ملذات الحياة، هو الذي ظل سائداً مهيمناً في الغرب (كلنا نعرف كم كانت المسيحية مشبعة بمبادئ التضحية، والشعور بالذنب، لا سيما في مجال الغريزة الجنسية)، وسائداً مهيمناً في الشرق سواء بسواء (في الهندوسية ما تزال الممارسات الصوفية والزّهد يتميزان بقيمة عالية، فيما تسعى البوذية إلى إطفاء الرغبات كلياً، وتُصَوِّرُ العالم كمصدر أساسي للآلام والأوهام).

اضافة اعلان

التيارات التي تدعو إلى رَوْحَنَةِ الرغبة (أي إضفاء الطابع الروحاني عليها) كانت دوماً حركات محدودة ونوعية. وحتى في داخلها ظل إشباع الرغبة مؤطرا ومحدوداً: وعلى هذا النحو كانت الرغبة في tantrisme (وفي قلب بعض الفروع فقط) مُطوقسة كثيراً، وخاضعة لمراقبة صارمة. كان الفلاسقة الإغريق، أمثال أبيقور، يثمّنون الرغبة، لكنهم كانوا يبحثون فيها عن الاعتدال والبساطة، القريبين جداً من الطريق البوذي الوسطي. أما الحب العذري، في القرون الوسطى، فقد كان في الأساس، نمطاً أدبياً نادراً ما ينتهي إلى الإشباع الملموس للرغبة الحقيقية. وقد كان الملهمون الحقيقيون لهذا الفن، يبحثون على الخصوص، عن العفة والطهارة. وأخيراًً يمكننا أن نقول الشيء نفسه عن قصائد الحب الغزلية عند بعض المتصوفة، الذين كانت هذه القصائد تمثل عندهم، استعارات لعلاقاتهم مع الخالق.

باختصار نقول، في كل مكان وزمان، كان الناس يخشون الرغبة أيما خشية. وعندما أرادوا حقاً أن يمنحوها مكانة في صيرورة نمو الإنسان، سعوا إلى تقنينها إلى أبعد الحدود، من أجل مراقبة ما يمكن أن ينجر عنها من أشياء غير متوقعة ومجهولة، تاركين إشباع الرغبات التلقائية والطبيعية للرجل العادي الفظ، وللشعب البسيط، وللمدنس.

فلكي نستعيد مجتمعاً يقيم وزناً للمتعة والرغبة، ويتعامل معها بلا خجل، لا بد، بلا شك، من أن نعود بالذاكرة، إلى نظام الأمومة (أي النظام الاجتماعي الذي كان الأولاد يُنسَبون فيه إلى أمهاتهم، وكانت السلطة فيه للأم وليس للأب). لكننا لا نملك عن هذه الفترة سوى معلومات غير مؤكدة، مما يعرضنا للدخول في تخمينات لا طائل من ورائها. وعلى الطرف الآخر من التاريخ، إن صح القول، تقع الحقبة الحالية التي شهدت عودة، بل ومأسسة الرغبة، كعمود لحياة معاصرينا: إن "مجتمع الاستهلاك"، الذي يمثل، بالفعل، النظام القاعدي في حياتنا الاقتصادية والثقافية، هو مجتمع يتمثل في خلق وإثارة وتهييج الرغبات المادية الاصطناعية العابرة، من دون إشباع رغبات الروح العاطفية والروحية الحقيقية التي صارت، ببساطة، رغبات منسية ومهملة.

ثمة اقتصاد جديد، وُلِد من منهجة التبعية لمنتجات ليس لها صلة كبيرة بحاجيات الكائن البشري الحقيقية، إن لم تكن أحياناً منتجات مضرة ومؤذية (كالتبغ، والكحول، والمخدرات، والأفلام والصحف الديماغوجية، والموضات التافهة العابرة، والتغذية غير الصحية، الخ..). فماذا نقول عن الرغبة؟ لماذا صارت مشبوهة إلى هذا الحد في التيارات والحركات الروحية؟ هل هي، ببساطة، وهمية، وشاذة، وسيئة وضارة؟ ومع ذلك، فهل هناك حياة من دون رغبة؟ فمن دون الرغبة الجنسية السليمة، التي دفعت بآبائنا إلى إعطائنا محركاً فيزيائياً، أكنا اليوم طرحنا هذا السؤال على أنفسنا؟ فأين تؤدي بنا الرغبة؟ لسنا ندري. ولهذا السبب كان من الأهمية بمكان أن نتبع الطريق الذي تدعونا إليه هذه الرغبة، وأن نكتشف، في حذر، ما الذي تريد أن تكشف به لنا عن أنفسنا، لكي نعرف أنفسنا، أي طبيعتنا الحقيقية. لا شك أننا إذا سلكنا دروب الغوص في أعماق الرغبة الكامنة فينا، سنعرّض أنفسنا لمخاطر جمة.. ومنها على الخصوص لخطر أن نصبح أحراراً. لكن الأخطر من ذلك، أن نصبح سعداء! لأن الرغبة ليست شيئاً آخر غير باب الحدس، أو إن شئنا، الحاسة السادسة، أو العين الثالثة، التي تدفعنا لأن نصبح نحن أنفسنا، ولأن نحقّق ما يسمّيه البعض بأسطورتنا الشخصية، أو بالأحرى، هدفنا في الحياة. وماذا لو كانت الرغبة التي نحسبها غبية ولا عقلانية، تحمل، في الواقع، ذكاء سامياً، وحدسياً، ومباشراً؟!

إنها نفس الرغبة في الحياة، تلك التي تحرك الإرهابي الذي يقتل الأبرياء، يختطف النساء أو الطائرات، والمنشقّ الصيني الذي يواجه الدبابة المتوجهة إليه. يبدو، على هذا النحو، أن الرغبة بكافة أشكالها، ليست في النهاية، سوى قوة الحياة الشمولية، تتجسد في جوانب متعددة، لتخلق الواقع وتعقّده معاً. فإذا كان صحيحاً أننا نخلق واقعنا فإن رغبتنا، بالتأكيد، هي التي تجعل هذه الصيرورة ممكنة، لأن الفكر وحده لا يمكن أن يكون مُبدعاً. رغباتنا الواعية، ورغباتنا اللاواعية، تتشابك وتتفاعل على هذا النحو لكي تخلق ظروف حياتنا وشروطها، المتنافرة منها والمتغيرة. عندئذ تنكشف الطبيعة الحقيقية للرغبة، الكامنة بقوة في ذواتنا، لأنها تصنع الأحداث وتفكّكها، وهو الأمرُ الذي تقف إرادتنا الواعية عاجزة أمامه، في غالب الأحيان.

هل من قبيل الصدفة إن كانت المجتمعات المتزمتة الأصولية، المهووسة بالطهر والصرامة والقانون، والتي تدعو إلى التقشف والتضحية، هي التي تحرق وتصادر الكتب، وتعتقل الفنانين والمفكرين، وهي التي لم تخلق في النهاية سوى الفظاظات والفظاعات، والآلام؟ فعندما يريد الإنسان أن يقتل رغبته، فإنه يقتل في الوقت نفسه حكمته، ويتسلح لمعركة لا نهاية لها، ولا طائل من ورائها، ولا أمل! وعندما ينفتح على حقيقته الجوانية، الخفية، اللامتناسقة، ساعتها فقط سينطلق في طريقه الحذق، الغامض، السامي، الذي جاء من أجله أصلا! ومن خلال تعلّمه لفن الرغبة، يكتشف القاعدة الذهبية التي تتمثل في الاستماع جيداً إلى الرغبة، والإحساس بها، فيدعها ترتجّ في داخله، ويسعى من خلال ذلك إلى استكشافها بعناية وحذر، بدلا من أن ينكرها، أو يلغيها، بالسعي إلى التحكم فيها أو كبتها. ولا يعني ذلك أن يُقْبِلَ على أي شيء من الأشياء الاستهلاكية حتى يتخلص من حاجته إلى ذلك الشيء (مثلما نعطي لعبةً لطفل حتى نتخلص من طلباته المزعجة). فتلك، بلا شك، كيفية أخرى من كيفيات إنكار الرغبة.

كيف يمكن أن يوجد نظام اجتماعي قابل للحياة لا تكون الرغبة في قلبه مجرد شهية أنانية تصبح مصدراً لسلوكيات فظة وسطحية، بل محرك لتطلعات وإنجازات إيجابية ومفيدة، لذات صاحبها ولمجموع البشرية؟