الروائي صبح يخط "ذئاب في المدينة - حكايا الانتفاضة في بيت لحم"

غلاف الرواية -(من المصدر)
غلاف الرواية -(من المصدر)
عمان- صدر عن الازبكية في رام الله فلسطين رواية بعنوان "ذئاب في المدينة- حكايا الانتفاضة في بيت لحم"، للروائي طارق صبح.
في المدخل وتحت عنوان "رواية ذئاب في المدينة حكاية أطفال الحجارة 1987 في بيت لحم"، يقول المؤلف: "إن رواية "ذئاب في المدينة"، هي رواية ستذكرها الأجيال القادمة، وسوف تستمطر دموع الأحياء الذين تتوثب أرواحهم فوق فواصل الحدود لتصل إلى حد الانفجار، فيحن تقرأ هذه الرواية، استمتع فقط بما تقرأ، ولا تفكر كثيرا فيما هو خيال وما هو حقيقة، ولا تدخل في متاهة يصعب عليك الخروج منها؟ ففي بيت لحم تغدو الحقيقة خيالا، ويصبح الخيال حقيقة، فما يبدو حقيقة في بيت لحم لا يكون إلا خيالا متأرجحا على حبال الواقع، وما تراه خيالا لا يعدو أن يكون حقيقة بملامح حلم عابر، فكل شيء في مدينتي وارد".اضافة اعلان
يتابع: لا ندري كيف قدر للأستاذ نظام شاهين أن يأتي إلى بيت لحم كي يحل ألغازها وهو أصلا من مخيم العروب عاش في دوار الخليل وكبر فيه، وكيف أمكن للشيخ سلامة دعدور أن يصبح صديقا للشيخ "هموريش"، ثم يصبح هذا مساندا للثورة الفلسطينية؟ وليلى جميلة الجميلات التي تعرف كل شيء حين تسير في أزقة بيت لحم يتستمر التجار أمام دكاكينهم الصغيرة وهم يحدقون فيما إبداع الخالق من جمال سلب عقولهم، وحتى جنود حرس الحدود، لم يكونوا ليتحركوا حتى لو رميتهم بالحجارة عندما تمر ليلى من أمامهم افتتانا بهذه الأنوثة الصاخبة.
كيف تمكن حامد غنام من خداع المدينة، ولماذ رآها ونيس مدينة فاضلة، بينما هي المدينة الظالم أهلها في عين غيره. لماذا تم خداع جورج فسقط أو ربما أسقط في برك سليمان؟ في هذه المدينة من الأحاجي والألغاز ما يحير ضابط المخابرات الصهيوني ويصعب عليه حلها.
حين تشرق الشمس على أزقة بيت لحم القديمة، تزاور عنها ذات اليمين، وإذا غربت تفوح منها رائحة السرمدية الأبدية. هي مدينة أطاحت بكل الحكام الظالمين، ودفنتهم تحت دروب أزقتها كي يدوس عليهم أشرافها من عمال وفلاحين، وظللت أناسها بقناطرها فشكلت علاقة العشق الأزلية الأولى بين الإنسان والحجارة، هذه المدينة، ولد فيها النور الذي عاش ألفي عام، ولن يستطيع أي جبروت أن يحني هامات أهلها.
يخاطب صبح القارئ فيقول له: "أنت على وشك قراءة أحداث رواية نصفها غير حقيقي، وأي تشابه بين ما تقرأ وأحداث تعرفها هو تشابه بالمصادفة، وهو ربع القصة. أما الربع المتبقي فهو أحداث سمعتُ بها؛ رواها لي من عايشها أو كانت جزءا من حياته. كل الأسماء، وإن تشابهت أو تناغمت مع أسماء حقيقة، هي محض مصادفة".
يوضح صبح: من السطر الأول، حيث حملت قلمي، وبدأت كتابة روايتي هذه، استعنت بجلالته لتيسير أموري، وسألته أن يشرح لي صدري ويفك عقدة تفكيري، لأكتب ما نويت كتابته. ومنذ سنة 2017، وأنا أحاول إعمال عقلي واقفا في محراب الذكريات حاملا روح الأمل، مستلهما شعاع الحلم المتوهج في عالم رحب.
يتابع الروائي: لم تكن لدي معضلة في الجانب الخيالي من الرواية، ذلك أنني واسع الخيال منذ طفولتي. لكن ما أتعبني وأجهد عقلي هو الجزء الحقيقي وحتمية أنني أحمل- من دون توكيل- رسالة للمكلومين الذين طرحتهم الحياة أرضا، فمنهم من قضى نحبه، وقضى مظلوما مسجيا في صفحات الذاكرة، ومنهم من بقي ليعيش في غياهب الحياة يحاول الخروج من قمقمه الثقيل، فلا هو ميت ولا هو حي.
من أجواء الرواية الحجر الأول، "كانت عيناها تقدحان شرارا عندما خرجت ليلى نحو الممر، ولأن جنود الاحتلال كانوا على مقربة من بيت أبي جريس، حاولت أن أثنيها عن الخروج إلى الشارع، فقد كان الشباب يتجمعون هناك للقيام بضربة خاطفة لمخفر المدينة الذي يحتله الكيان الغاصب منذ حرب 1967، بينما خرج جورج الراعي مبكرا ومعه بعض أفراد المجموعة ليستكشفوا الحارات المطلة على ساحة المهد. لم تكترث ليلى لمحاولاتي، وظلت مندفعة باتجاه الردهة، حيث التقطها سمير مرقص وأحاطها بذراعيه وأوقفها.
-أمجنونة أنت؟ ألا ترين كم من الشباب هنا؟ وهناك الجيش في الخارج. هدأت ليلى، وأجهشت بالبكاء.
سمير قائد المجموعة، وهو يعرف كل شيء؛ يعرف أن حامد غنام يترصدهما، ويسعى جاهدا لإفساد تلك العلاقة، فحامد يحبها منذ زمن طويل، وقد انضم للشباب أصلا من أجلها، وليلى تعرف ذلك لكنها غير مهتمة به. فبالنسبة لها حامد مجرد واحد من طابور طويل يتوق للتودد إليها والحديث معها، أو الحصول على نظرة من عينيها الساحرتين. وغير ذلك، فحامد بالذات، معروف للجميع أنه لا يصادق أحدا إلا إذا كانت عنده أخت جميلة.
ليلى لا يمكن لها أن تشرع أبواب قلبها لحامد البتة، بل إنها كانت تتحمل أذاه من أجل الثورة والانتفاضة. إنها تعرف كل شيء، وتكتم كل ما تعرفه. فهي أمينة سر جورج ومجموعته الثورية، تلك المجموعة التي تعمل بمنتهى السرية، حيث يذهب كل إلى شأنه بعد كل عمل ثوري، ولا يلتقون إلا مصادفة أو للقيام بعمل ثوري آخر.
هدأت ليلى، فضمها سمير إلى صدره.
- صديقتي بالله عليك، حدثيني ما الذي يجري؟ أنت تعرفين حساسية وضعنا، فالنوم لم يعرف طريقه إلينا منذ الأمس، هدئي من روعك وأخبريني.
كانت شاحبة الوجه، يدها اليمنى على خدها والدموع الحرة تنهمر على وجنتها المتوهجتين، رفعت رأسها قليلا ونظرت إلى سمير وهي تبتسم: "أنت تعرف يا سمير كم أكن لك من المودة والاحترام، بل إنك بالنسبة لي أكثر من أخ. التقينا في مسيرة الشهيد سليم الشاعر، وسرنا معا جنبا إلى جنب، ورغم عشقي للشهادة إلا أنك كنت سببا في بقائي على قيد الحياة، ولست أنسى كيف أبعدتني عن الموت حين اقتحم جيب الجيش مسيرتنا عند قبور الطفال قرب مخيم العزة، هل تذكر يا سمير؟"
- نعم أذكر. وقد نجاك الله من موت محقق.
- ومنذ تلك اللحظة وأنا أراك الأخ والصديق الذي يقف إلى جانب رفاقه، أنت لست قائدي في المجموعة فحسب، بل سندي القوي الذي أعتمد عليه، ولم أخف عنك أي شيء. حتى جورج حبيبي لا يعرف عني ما تعرفه أنت.
ظل سمير يصغي إليها مبتسما.
- إن حامدا يضايقني منذ أن انضم إلينا وأنت تعلم ذلك. وفي كل مرة تطلب مني أن أتحمل ثقل دمه وأن أتجاهل قلة أدبه. وقد أخبرتك مرارا أن وجوده معنا سيلحق الضرر بنا عاجلا أم آجلا. لقد تحرش بكل صبية من صبايا نادي الأرثوذكس ونادي العمل الكاثوليكي، ولم تسلم من يده ولسانه حتى رفيقاتنا في المجموعة. إنه يشكل خطرا علينا، ويجب وضع حد له قبل فوات الأوان، بل يجب طرده نهائيا".