"الضحية: آداب الصدمة" لـ"أبو شهاب".. ذاكرة "التروما" وتجلياتها في الوعي عبر اللغة

1706352731426449700
"الضحية: آداب الصدمة" لـ"أبو شهاب".. ذاكرة "التروما" وتجلياتها في الوعي عبر اللغة
عمان – يقول الأكاديمي المتخصص في النقد الأدبي والدراسات الثقافية وخطاب ما بعد الكولونيالية د. رامي أبو شهاب: "إن قيمة الأدب تتحدد عبر قدرته على أن يثير وعي الأسئلة التي تتصل بالتجربة الإنسانية، ومن هنا تتأتى قيمة الذاكرة بوصفها ذاكرة لغوية تختزن الصور التي تنتج عن التجربة كي تعيد تموضعها في سياق التاريخ".اضافة اعلان
جاء ذلك في مقدمته لكتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان "كتاب الضحية: آداب الصدمة (التروما)- الصيغة، الأثر، الامتداد"، حيث يشير إلى أن هذا الكتاب نتاج محاولة رصد ما يمكن أن نطلق عليه ذاكرة الصدمة، وتجلياتها في الوعي عبر اللغة.
جاء الكتاب في أربعة فصول: الفصل الأول، هو دراسة الصدمة "إطار معرفي"، فيما يتناول الفصل الثاني، التجربة الفلسطينية، وقد جاء في ثلاثة محاور، بينما جاء الفصل الثالث بعنوان "الصدمة ونواتج الفعل الكولونيالي التجربة العراقية"، ويتحدث الفصل الرابع عن "متلازمة الخوف: التجربة الصورية"، وهذا الفصل جاء في محورين.
يشير أبو شهاب، إلى أن الكتاب يطرح أسئلة من أجل محاولة بناء سردية لا تستهدف تحقيق فعل المقاومة، أو بناء قيمة مضادة أو موزاية فحسب، إنما ترغب في خلخلة مركزية التمحور التي تطال مركزية الألم والصدمة في الخطاب الذي ينتهج مفهوم الضحية، فمركزيّة الضحية التي تشكلت مع "الهولوكوست"، ما فتئت تعيد تجديد التعاطف الغربي، في حين أن الضحية الحقيقية تتناسى، ومن هنا فإن مفهوم الصدمة لا يعلق فقط بمحاولة بناء قيم متنازع عليها، وإنما يستدعي إلى الذاكرة الأدوات أو المنهجيات التي خلقت الصدمة في الوعي عبر نقلها إلى سياقات مستحقة.
يقول المؤلف: "إنه بحث موضوع الصدمة مع الخطاب عبر واجهة الأدب ضمن السياق العربي، أي السردية التي اتخذت ثلاثة توجهات أو نماذج، وفيها تقف التجربة الفلسطينيّة في المقدمة نَظراً لتاريخيتها، وعمق تجربتها، علاوة على كونها متمركزة في مواجهة سردية أخرى، ونعني السردية الصهيونية التي احتكرت معيارية الصدمة؛ ولهذا وضعنا محوراً يعرض صورة شمولية لتموضع تجربة الصدمة الفلسطينية، عبر طيف من الخطابات والنصوص والتجارب في محور يعنى بالسرد ضمن رؤية كلية".
ويتابع أبو شهاب، "يتمثل النموذج الأول للصدمة بتجربة الشاعر محمود درويش - في محور ثانٍ- معتمدين على نموذج يختبر مجموعة "أثر الفراشة" التي تختزل معنى الاستعادة لظاهرة الصدمة على مستوى التعريف والتفسير، مبينا أنه ثمة مجموعات أخرى للشاعر درويش، وهناك تجارب أخرى لشعراء فلسطينيين يمكن أن تنطوي على مفردات الصدمة في أبعادها الخطابية، ولا سيما، تلك التجربة التي تتصل بالنكبة، والنكسة، وحصار بيروت، وغيرها من الأحداث، غير أن "أثر الفراشة"، نتج بفعل الحساسية الزمنيّة لخطاب حمل آثار الوعي التاريخي بالصدمة، وتمكنها في المفردة الشعرية".
أما النموذج الثاني، فهو الغزو الأميركي للعراق بما حمله من تبعات إمبرياليّة، بالتوازي مع إطلاق جنون من العنف أسهم في تشويه الذات لتبدو هذه التجربة في سياقها الأكثر وضوحا عبر رواية "فرانكشتاين في بغداد"، التي نختبر من خلالها الوعي الإمبريالي، وتقاطعه مع العنف والألم والصدمة، ولا سيما، في السياق ما بعد الكولونيالي·
أما النموذج الثالث الذي يتناوله أبو شهاب، فهو مرحلة الربيع العربي، وتداعياتها، كما تختزنها التجربة السورية التي بدت على قدر كبير من التعقيد تبعاً لحجم المعاناة، وعنفها، ولا سيما، على الذات كما نعاينها في رواية "ديمة ونوس" بعنوان "الخائفون"، ولكن قبل ذلك، فإنه ثمة اختزانات كما اختزالات أعمق لمعنى الخوف الذي يمكن أن يحول قراءة التاريخ في علاقته مع السلطة التي أنتجت ثقافة الخوف كما يمكن تتبعها في أشعار محمد الماغوط، وبوجه خاص "مجموعة الفرح ليس مهنتي" وتأتي بوصفها نوعا من الإرهاص الذي سبق وعي الربيع العربي وبهذا، فإننا نقرأ وعي الصدمة في نسق ثقافي يعتمد الأسباب والنتائج، والأشكال والصيغ من أجل رصد ظاهرة الخوف، وامتدادها.
ويقول المؤلف: "إن الألم والصدمة يأتيان نتيجة ارتطام الذات بأسباب متعددة: كالحروب، والتهجير، وتجربة العبودية، والقمع، والتعذيب··· إذ يمكن أن يطال ذلك الوعي الفردي أو الجماعي، ومن هنا تتشكل قيمة الذاكرة بوصفها مخزناً لهذه الذكريات التي تعلق باللغة، ولا سيما في بحثها عن نماذج للتخلص من التداعيات بهدف التعافي، أو على العكس من ذلك، أن تبتكر صيغاً جديدة للتاريخ؛ ولهذا يمكن تبرير جَدلية الحوار حول قيمة الاعتراف، ومقولات المغفرة أو التسامح لدى الفلاسفة الذين يبقون تحت سطوة تأويل التاريخ، والتجربة، وما يكمن بينهما من ذاكرة ربما تورث للأجيال اللاحقة".
ويرى أبو شهاب، أن وعي الشعوب يبقى الأكثر قدرة على التذكر، مع مطالبة دائمة بالاعتذار، فينتج عن ذلك صدام حضاري قوامه التنازع على المروية أو السردية، مما يعني بصورة أو بأخرى إنتاج تصور الصدمة على المستوى الخطابي؛ ولهذا تلعب كل من الذاكرة، والأرشيف، والآداب، والنصوص، والفنون عامة ··· دورا مركزياً في هذا الجدل الدائر.
ويعتبر المؤلف اللغة، نموذجا تواصليا كما أنها تتجاوز ذلك لتمسي محاولة تحفيز للوعي، وفي بعض الأحيان على العكس من ذلك، قد تعلق في الحدث، وبناء على ذلك، فإن فاعلية الأدب تَبرز ضمن هذه العلائقية الجدليّة التي نسعى من خلالها إلى تمكين فرضية اتخاذ الخطاب في بعديه الأكثر حساسية، ونعني تمثل الحدث أولا، ومن ثم رصد الامتدادات التي يمكن أن ينتجها.
ويضيف أبو شهاب، من خلال اللغة نتصل بالأثر، وقيم التركيب (الصيغ) التي تعصف بالبنى اللغوية التي تسعى لأن تعيد إنتاج التاريخ بكل ما ينطوي عليه من توتر؛ من منطلق أن التاريخ يعد جزءاً من سردية الإنسان، ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إذا وردنا التاريخ بطابعه الأرشيفي، إنما ينبغي أن نتقدم خطوة بهدف اختبار هذا في الخطاب، وما يحتمله من إعادة إنتاج الذاكرة بصيغ أكثر فاعلية على مستوى التلقي.
ويرى المؤلف، أن التاريخ الإنساني منذ بداية وجوده يختبر أحداثا تخلف الكثير من الوقائع النفسية، فالإنسان منذ الأزل يسعى إلى تدوين تجربته التي تبدو في انزياحها أقرب لاختبار الألم، والخيبة، فتبرز في الواجهة تلك الوقائع التي تحمل وعي الارتطام، كما نطالعها في نصوص قديمة منها جلجامش، والإلياذة، وأديب ملكا، وغيرها من الخطابات التي تصطدم بما يمكن أن ننعته بوعي الصدمة الأولى·
ويبين أبو شهاب، أنه تناول في كتابه محاور الصدمة عبر مقاربة تعتمد المفهوم، والمرجعيات المعرفية. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب سعى في محور نظري إلى تكوين مفاهيمية أدب الصدمة، ومرجعياتها، فانطلقنا من التقديم المفاهيمي انطلاقاً من تنظيرات "كاثي كاروث" تبعتها دراسات أخرى، غير أن القيمة المحورية للتنظير تنطلق من العمل المحوري والعميق لسيغموند فرويد، الذي تمكن من وضع المسوغات العميقة لخلق مستوى علمي لمفهوم الصدمة انطلاقاً من تحليلاته المتبصرة، والتي شكلت ذخيرة للباحثين نحو تأسيس نظرية تتصل بآداب الصدمة، وتلقيها، ونقدها منطلقين من مقولة أساسية للباحثة "كاثي كاروث"، "إن مركزية الصدمة تتجاوز الفعل النفسي لتمسي ظاهرة ثقافية اجتماعية تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ، والتعامل معه".
وخلص المؤلف، إلى أن كتابه يتحدث عن ممارسة نقدية خطابية تتقاطع مع الدرس النقدي باتجاهاته المختلفة، غير أن مركزها "دراسات الصدمة" في تشكلها المبدئي القائم على الدارسات النفسية، غير أنها سرعان ما تقاطعت في حوار أشبه بممارسة عابرة أو بينية عبر اتصالها بالدارسات الثقافيّة كما الدارسات النسوية، وخطاب ما بعد الكولونيالية، إضافة إلى النماذج المعرفية الإدراكية، علاوة على الاستفادة من النماذج التحليلية للأدب، من منطلق أن مفهوم الصدمة يبدو عابرا للحقول المعرفية، كونه ينطلق من قيمة الحدث والتاريخ، وما ينتج عن ذلك، من بحث في صيغ الذات على المستوى الجماعي، فيختبر التمثيل، ووقائع اللغة، والتقنيات والأساليب من أجل تمكين المقصدية التي تكتنز في الوقائع الأدبية النصية، من أجل تكوين وعي جديد لفهم ما نعنيه بأدب الصدمة، ونقدها، وهي مقاربة نقديّة ربما غير مسبوقة على المستوى العربي، مما ينقلها إلى خانة الاجتهاد التي تحتمل الكثير من الملحوظات التي يمكن أن تطرأ، ولكنها يمكن أن تثير تفاعلا آخرا يمكن أن يعد إضافة لهذه المقاربة النقدية.