العبابنة يسرد أوهام الغزاة اليهود في رواية "قربان مؤاب"

Untitled-1
غلاف الرواية-(من المصدر)
عمان- ضمن مشروع مكتبة الأسرة القراءة للجميع، أعادت وزارة الثقافة طباعة رواية "قربان مؤاب"، للدكتور يحيى العبابنة.
وفي تقديمه للرواية يقول العبابنة: "لقد وهم إسرائيل ولفتسون صاحب كتاب تاريخ اللغات السامية وهما كبيرا حين نسب التقارب بين اللغتين العبرية والمؤابية، إلى أن المؤابيين من أقارب الإٍسرائيليين". غير أنه أصاب في التقارب بين اللغتين، فاللغة المؤابية لهجة كنعانية، وأما اللغة العبرية، فهي كغيرها من موجودات أرض كنعان التي دخلها العبرانيون، شيء مغتصب، فاليهود عندما دخلوا فلسطين كانوا يتكلمون لغة لا نعرفها حتى الآن، ولكنهم استعملوا اللغة الكنعانية نفسها، التي ما لبثت أن سميت باسم العبرانية، نسبة إلى الغزاة الذين باتوا يستعملونها.اضافة اعلان
ويرى العبابنة، أن المعلومات عن المؤابيين كانت قليلة قياسا إلى ما نعرفه عن الغزاة من بني إسرائيل وكان من الممكن أن نصدق مقولة "ولفنسون"، لو اعتمدنا على الملامح اللغوية التي وفرها لنا النقش الرائع الذي عثر عليه في "ديبون"، عاصمة ملك "ميشع"، المؤابي العام 1868م، ولكن ما قدمه لنا هذا الحجر الذي لا يقدر بثمن من معلومات قيمة، إضافة إلى المعلومات المشوشة التي تقدمها التوراة رسم لنا ملامح تنأى بالمؤابيين عن أن يكونوا أبناء عمومة للإسرائيليين الغزاة.
ويشير العبابنة إلى أن هذه المصادر تذكر أن اليهود هاجموا مؤاب ودمروها، وظلت مؤاب تحت هيمنة الإسرائيليين حتى قيض لمؤاب ملك عظيم خالد هو "ميشع"، المؤابي الذي استطاع أن ينشئ، جيشا قويا حارب اليهود ورسم لنا ملامح عداء شديد بين مملكة مؤاب والممالك الإسرائيلية، وقد بينت لنا التوراة، أن اليهود الذين كانوا منقسمين على أنفسهم قد تحالفوا واتحدوا لمواجهة المؤابيين، بل إنهم اتحدوا مع الآدوميين-اليهود الجنوبيين-الذين عاشوا في برية أرض كنعان الجنوبية ليزدادوا قوة على قوة.
ويتحدث العبابنة عن الخلاف الذي نلمسه بين المؤابيين واليهود في الديانية، يقول: "ديانة المؤابيين كانت مختلفة عن ديانة اليهود، فقد عبد اليهود (يهوه)، كما في النص الذي خلفه ميشع المؤابي لنا، وأما ديانة المؤابيين، فقد كانت ترتكز على عبادة إله اسمه (كموش)"، وقد ذكر النقش اسم الإله "عشتروت"، حيث ذكرها باسم "عشتر كموش"، وربما كانت هذه النسبة، تعني أنها زوجة هذا الإله المؤابي المستقل. بمعنى أن المؤابيين كانوا وثنيين، تقوم ديانتهم على تعدد الآلهة.
يتابع العبابنة: أما الإسرائيليون، فتفترض أن ديانتهم كانت قائمة على مبدأ التوحيد، وإن كانت التوراة في سفر الملوك الثاني- الإصحاح الثالث- تذكر لنا أن هؤلاء الملوك الإسرائيليين واليهود والآدوميين كانوا سرقوا الإله الكنعاني الفينيقي "بعل"، وعبدوه إلى جانب "يهوه"، أيضا.
ولذا، فقد دفعهم الرب إلى يد مؤاب ليفتك بهم وقد فعل ذلك حقا، حيث يذكر "ميشع"، أنه قتل سبعة آلاف إسرائيلي في معركة واحدة بدأت في مطلع الفجر واستمرت حتى الظهر، وهو عدد ينبئ عن الثارات والعداوات بين المؤابيين والإسرائيليين، بل إن الملك ميشع اقتاد كثيرا من الأسرى الإسرائيليين واستعبدهم واستخدمهم في قطع الأشجار وحفر الآبار لتوفير الدعم والأمان لسكان مملكة مؤاب القوية. ولم يكن الملك ميشع إلا موضوعيا في نقشه، فقد ذكر قوة خصمه، حيث ذكر أنه عذب مؤاب كأبيه أياما كثيرة حتى غضب "كموش"، على أرضه، وكان "عمري"، استولى على "ميدبا"، وهي مدينة مادبا هذه الأيام، ولكنه أباد إسرائيل أخيرا.
ويقول العبابنة: "هنا من الصعب أن نحكم على طبيعة مملكة مؤاب إلا من خلال هذا النقش الرائع، ومن خلال ما قدمته التوراة من عبارات محرفة مليئة بالسخط على الملوك الذين عصوا الرب، واصفا هذا الانتصار المؤابي بأنه "انتقام من الرب". فالنقش يقدم لنا أسماء بعض المدن المؤابية ومنها "ديبون"، التي يصفها المؤرخون بأنها عاصمة مؤاب كما صرح بذلك ميشع نفسه، وزعم آخرون أن مدينة "كير حارس"، التي ربما كانت مدينة الكرك الحالية كانت عاصمتهم، ولكن هذا الأمر قد لا يقدم في أمر هذه الرواية التي جعلت "حشبون"، وهي حسبان اليوم عاصمة للمؤابيين فيها، وهذا الأمر اجتهاد أدبي مني لما في كلمة "حشبون"، من دلالات أمل تدل على يوم نحسبه قريبا لتكرير يوم حشبون القديم، وإنه لقادم إن شاء الله".
ويوضح العبابنة، أن الأسماء التي استعملها في هذه الرواية، مثل: اسم الملك "ميشع"، هو اسم مؤابي حقيقي، وأما اسم القائد "بالاق"، فهو اسم مؤابي حقيقة، ولكنه مستعار لمنصب قائد الجيش وأما باقي الأسماء للقادة المؤابيين، فهي أسماء مقيسة على الأسماء المؤابية التي تقدمها التوراة، وللأسف فإننا لا نكاد نجد أعلاما مؤابيين في غير التوراة.
كما أنني ألتمس العذر في أسماء الأعداء ايضا، فمع أنها أسماء عبرية، إلا أن بعضها فقط كان اسما حقيقيا، وهو اسم "عمري"، هو ملك إسرائيل ويهو شافاط ملك يهوذا، وأما ملك آدومية الذي حملته هذه الرواية فهو "يقشان"، وأخوه "يشباق"، وهما اسمان آدوميان ولكنني ما وقعت عليهما في أسماء ملوك آدومية اليهود الذين بسطوا سلطانهم على أرض كنعان في حقبة من حقب التاريخ، وصاروا ملوكا على يهوذا وإسرائيل أيضا.
وخلص العبابنة، إلى أن الأديب الأردني انشغل مباشرة بالأحداث الحالية، ولكن الماضي يحمل لنا أملا في أن نتجاوز ما نحن فيه، فلقد مر الأردن في صراعه مع اليهود في هذا العصر بظروف عصيبة تكاد تشبه تلك المحن التي مر بها أجدادنا المؤابيون، في صراعهم مع اليهود الذين كانوا يغتصبون الأرض الطيبة نفسها عن ثرى مؤاب الطاهر، وها نحن نرى الأردن يضحي بما هو أكثر، وكان "ميشع"، المؤابي قدم ولده البكر وأصعده محرقة على السور، ليخلق الغيظ في صدور المؤابيين على إسرائيل.