العجيلي:الواقع ليس متن الرواية بل حاشيتها

العجيلي:الواقع ليس متن الرواية بل حاشيتها
العجيلي:الواقع ليس متن الرواية بل حاشيتها

تقترح في جديدها "عين الهر" صياغات أكثر بهجة للحياة

 

  عمّان- تناولت الروائية شهلا العجيلي التصوف بطقوسه وشخصياته، في روايتها "عين الهر"، ومن الواضح أن العجيلي قد عاشت أجواء التصوف منذ الصغر من جلسات الذكر وضرب الشيش، حيث تؤكد العجيلي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث وتدرس حاليا في جامعة حلب، وسبق أن أنجزت أطروحتين أكاديميتين "في نظرية الرواية" و"النقد الثقافي"، كما أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "المشربية" رواية "عين الهر"، على أن بعض طقوس التصوف كانت جزءا من تقاليد أسرتها وما تناولته في روايتها من ضرب "الشيش" طقس تعتز به. شاركت العجيلي في تأليف ثلاثة كتب أكاديمية في الفكر والنقد، وهي "السرد وإشكالية الهوية"، "التجديد في العلوم العربية والإسلامية"، "النص الروائي والمثاقفة الحضارية" وهنا حوار معها حول "عين الهر" وتجربة كتابتها:

اضافة اعلان

حاورتها: عزيزة علي

*لديك مؤلفات في نظرية الرواية والنقد الثقافي والسرد وإشكالية الهوية وغيره. كيف تتعاملين مع نصك الإبداعي بعد أن يصبح ملكا للقارئ؟

-العمل الثقافيّ مشروع متكامل، وسواء أكان المرء يعمل في النقد، أم في الفكر أم في الإبداع، فلا يمكن أن ينطلق من فراغ، أو من مصادر متناقضة. لا بدّ من مرجعيّة ينطلق منها المبدع، ويرفدها أيضاً، ليكون لوجوده جدوى، وهذا يتطلّب توافر كلّ من الوعي والإرادة، ليكون نتاجه الثقافيّ منسجماً بعضه مع بعضه الآخر، ومنسجماً معه في الوقت ذاته. 

بعد أن يخرج النصّ إلى الطبع، يصبح أشبه ببضاعة لن تردّ إلى صاحبها، لذا أدع القارئ ليتمتّع بملكه، وأراقب نصّي عن بعد، وكثيراً ما أفاجأ بمتلقّ رأى في نصّي جديداً لم يخطر لي على بال، أو احتفى بجانب في النصّ لم أكن أتوقّعه، ومع ذلك فلا بدّ أن أستعيد في لحظة التفاصيل، وطقوس كتابتها بطريقة نوستالجيّة، مهما ابتعد نصّي عني، وصار بين الآخرين. بالطبع تبقى المفاتيح الرئيسة للنصّ في يدي، فلا يمكن أن يجد المتلقّي في نصّي ثيمة لم أقرّرها أنا مسبقاً.

*نصك يوحي بأنه سيرة فيما هو في الواقع إبداع وتخيّل. أين السيرة وأين الرواية؟

-الذاتيّ في "عين الهرّ" يتجلّى أكثر ما يتجلّى بممارسة انتمائي إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة، بوجهيها العالم وغير العالم، وبهذا الولع بمفرداتها التي ألاحقها في واقعنا اليوميّ في حالات المتعة، أو الفرح أو الشقاء أو الفساد.

إنّ منطلق الرواية هو التخيل من أجل التفلّت من وثاق الواقع، واقتراح صياغات للحياة أكثر بهجة، وليست الوقائعيّة متن الفنّ الروائيّ، وإنّما قد ترد حاشية له. الشخصيّ وحده لا يصنع رواية، أتكلّم هنا على الحدث، وليس على الرؤية، في الرواية يتمّ إطلاق الخيال تجاه الذات، والآخرين، والعالم، لتكون الحكايات التي لا تنفصل عن المعرفة. أنا أرى أنّ الخيال صنو المعرفة في الكتابة الروائيّة، والتفاصيل الذاتيّة تتشاطرها الأحداث، كما لا بدّ للروائي من أن يسبغ من صفاته، وأحداث حياته على شخوصه معظمها، سواء أكانت ذكوريّة أم أنثويّة، لكنّي عمدت إلى إيهام المتلقّي بأنّ النصّ يقارب سيرة ما باستخدام ضمير المتكلّم، وبإدراج بعض التفاصيل الوقائعيّة في السرد، وباختيار الأمكنة القريبة منّي بوصفي كاتبة النصّ.

*كيف تنظرين إلى التجربة التي مرت بها بطلة روايتك (ايوبه)؟

-أراها متميّزة، وثريّة لذا اخترعتها، أو كتبتها. مع "أيّوبة" عاينت على نحو ما أسطورة (بيجماليون)، الذي صنع منحوتته، ثمّ عشقها، نعم، لقد فاجأتني "أيّوبة" بطاقة الحبّ التي ملكتها، كلّما حمّلتها المزيد من أعباء حياتها، ازدادت ألقاً، ورسخ الإيمان في قلبها. "أيّوبة" لم تنته بالنسبة إليّ مع نهاية الرواية، إذ كثيراً ما أتساءل: تُرى، ماذا تفعل الآن؟ ماذا حلّ بها؟

*أبرزتِ وجهين للحياة ،وجه التدين الذي عاشته أيوبه، ووجه الفساد والنهب. ألا ترين أن هناك حلاً وسطاً بين هاتين الحالتين؟

-التطرّفات وجوه تجذب الفنّ عموماً، وتحبّ الرواية أن تشتغل عليها، وعلى تقلّباتها، لتلقي الضوء عليها إذا كانت من البنى غير المفكّر فيها سرديّاً، أو لتقول ما لم يقل فيها، أو غير الذي قيل أو ضدّه. أمّا الحلول الوسط، أو المساحات الوسط فتنفع لدردشات العامّة، سيّما في هذه المرحلة من حياتنا التي تحاصرنا فيها التطرّفات على المستويات كلّها في السياسة، وفي الثقافة، وفي الدين. أنا لست متطّرفة في أيّ من الاتجاهين، ولكنّي أحببت طريقة "أيوبة" في علاقتها التصوفيّة العفويّة بالحياة، والتي أذكتها جلسات الذكر، كما أذكتها الأحجار الكريمة بالقدر ذاته.

*حكاية ضرب (الشيش) التي وردت في الرواية، كيف تنظرين لها؟

-في الطفولة، حين كان رفاقي جميعاً يغمضون عيونهم لحظة ضرب الشيش، كنت أحملق، بل أقترب لأمسك جزأه الظاهر بيدي. منذ ذلك الوقت، وأنا أفكّر في خصوصيّة هذا الطقس، وأنّه لن يمرّ في حياتي مرّ سحابة عجفاء، وها قد تبدّى في "عين الهر"، هو طقس أعتزّ به، لأنّه جزء من تقاليد أسرتي في المناسبات، إذ يحضر الشيوخ، وضاربو الشيش إلى مضافة الأسرة لإحياء ليال معيّنة. لم أحبّ في يوم إخضاع ضرب الشيش لتعليلات وتفسيرات كي لا يفقد جلاله، أجد أنّه يربطني أكثر بجذوري الثقافيّة التي أتعلّق حتّى بممارساتها في الجانب الشعبيّ، أشعر بالغبطة لأنّني استطعت تحويل جذوري الثقافيّة إلى تقنيّة سرديّة أطلقها، وأقدّمها إلى العالم.