"الفتاة السيئة": إيما بوفاري المعاصرة بين الغواية وسقوط الأقنعة

 

ترجمه عن الإنجليزية: موفق ملكاوي*

عمان- في قديم الزمان، وفي رواية لماريو فارغاس لوسا، كان هنالك ولد طيب وقع في حب فتاة سيئة. عاملها برقة، وهي كافأته بوحشيّة، وهزأت من ولائه، وانتقدت ضحالة طموحه، كما أنها استغلت كرمه حين يكون مفيدا لها، وتركته حين لا يكون كذلك.

اضافة اعلان

لم يكن مهماً عدد الخيانات التي اقترفتها الفتاة السيئة في حق الولد الطيب، فهو رحب بعودتها دائما، لذلك فقد تركته عشرات المرات.

هل تعرفون القصة؟ لقد كتبها من قبل الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير.

لقد سحرت إيما بوفاري الكاتب فارغاس لوسا في جميع مراحل حياته الكتابية تقريبا، منذ قراءته الأولى لرواية "مدام بوفاري" في العام 1959، عندما كان قد انتقل حديثا إلى باريس وهو في الثالثة والعشرين من عمره. كما ظهر هذا السحر في العام 1986، من خلال روايته "طقوس العربدة"، والتي تشتمل على قدر كبير من إعلان حب الكاتب لإيما كعمل أدبي نقدي.

والآن، وفي كتابه الجديد، يأتينا برواية مثيرة للقلق ورائعة، إضافة إلى أنها لا تقاوم، إذ يأخذه الاستغراق في مؤامرة "مدام بوفاري" كما لو أن البطلة تواصل امتلاكه.

لقد ترجمت الرواية بواسطة إديث غروسمان، ولكم أن تتوقعوا المهارات الفنية العالية التي تمتلكها هذه المترجمة التي أجادت بأدائها في القصة الأميركية اللاتينية.

إن رواية "الفتاة السيئة" تنتمي إلى المصنفات الأدبية النادرة: فهي تعيد الصناعة، ولكن لا تكررها.

تتجلى عبقرية "مدام بوفاري" كما يصفها فارغاس لوسا في "طقوس العربدة"، في "الهيجان الوصفي الذي يستعمله الراوي لتحطيم الحقيقة، وإعادة صياغتها كحقيقة مختلفة". بعبارة أخرى، فإن فلوبير كان سيد الواقعية، ليس لأنه أعاد انتاج العالم من حوله، ولكن لأنه استعمل اللغة لخلق وجود بديل، أو مادة خالصة تتجاوز جاذبيتها العاطفية تلك التي في الحياة نفسها.

إن فارغاس لوسا يذكرنا بأن إيما أنقذت عددا لا يحصى من القراء، وهي ليست خالدة، ولكنها ثابتة مع الوقت، عواطفها تبقى جياشة ومستعرة كما كانت في اليوم الذي كتبت فيه.

مثّل فارغاس لوسا ولمدة طويلة أحد الأصوات البارزة في أدب ما بعد الحداثة، وقد قام بتحويل عمل ثوري من الأدب الغربي إلى قصة حب معاصرة؛ قصة حيوية تستكشف أعراف الستينيات والسبعينيات والثمانينيات المدنية، كما هو الحال في رواية "مدام بوفاري"، التي استشرفت حياة أوروبا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

في كلتا الحالتين، فإن المؤلف يقوم بالعودة ثانية إلى شبابه الخاص وجغرافيته في ذلك الحين، حيث يقوم بالموازنة الدقيقة بين الحياة الروحية والجسدية للشخصيات.

إن مسار الرغبة لدى إيما يقودها بعناد إلى أن تسمم نفسها بالزرنيخ، إنه موت مؤلم جدا لامرأة تحصلت على حريات لا يتحصل عليها سوى الرجال في العادة.

وإذا كان المجتمع المعاصر يظهر بأنه أقل ميلا لمعاقبة المرأة المتحررة جنسيا، عما كان عليه في عصر إيما بوفاري، فإن فارغاس لوسا يبرهن بأن عالم الإيمان بالمساواة بين الجنسين أشد خطورة، على الأقل فهو العالم الذي يزدهر فيه بغض النساء تحت غطاء المواقف التقدمية والمساواة الرمزية.

تبدأ رواية "الفتاة السيئة" كبداية "مدام بوفاري"، بمشاهد الصبا، حيث السرد يقدمه راوٍ بصيغة (الأنا)، يتحول مع الوقت إلى صيغة الـ(نحن)، وهو يحاكي نشيد فلوبير، ولكن بينما يتنقل فلوبير بصفته الراوي كلي العلم، فإن فارغاس لوسا يسمح لـ"الولد الطيب" ريكاردو، بادّعاء صوت روايته، فيروي عقدا جنسية بدأت في العام 1950، في منطقة ميرافلورز، وعمر ريكاردو خمسة عشر عاما فقط، حين تصل فتاة جديدة اسمها ليلي إلى البلدة.

ويرى ريكاردو في الملابس التي ترتديها نوعا منحرفا من البنات، كما أنها ترقص (المامبو) مثل "زوبعة شيطانية"، فينجذب إلى مدارها، وتستيقظ رغبته، فتستعبده الفتاة بفكرة أنها هي الوحيدة التي يمكن أن تجيب رغبته.

إن ريكاردو سيعرف جوهر ليلي مهما حاولت أن تخفي نفسها، ومهما كان عدد السنوات التي تفصل بين تجديد موعدهما، وإعادة لم الشمل في العلاقة التي تدمر ريكادو بقوتها، وتصل به إلى حد الانتحار، حيث تطرده كفواصل عادية بين علاقات الحب الأكثر إلحاحا.

وكموهوب بقدرة متواضعة على اختبار المتع البسيطة، ينجز ريكاردو حلم حياته وهو في عمر الخامسة والعشرين: يعيش في باريس حياة بسيطة كمترجم في منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو).

إن الفتاة السيئة، سروره المعقد الوحيد، وبقدرة هائلة على تخريب الباقي، تبدو ثابتة بشكل آمن في ماضيه، شديدة الخصوصية كافتتان أول.

وتظهر ليلي ثانية.. لم تعد الآن مجرد ذكريات، ولكنها حضور حقيقي. ليلي الآن تدعى "الرفيقة آرليت"، تتظاهر بصفة ثورية منتظرة "باستفزازية وتلقائية وجرأة"، تعبر مدينة الضوء في الطريق إلى كوبا للتدريب الفدائي، فيظهر أن النقاش سيكون ضائعا مع امرأة تبدو الهجومية طبيعة ثانية لها.

وبعد ستة أشهر، وبعد أن استطاعت إغواء "أحد القادة التاريخيين للثورة الكوبية"، بدأت الفتاة السيئة تنمي جرأتها، فتيقنت بأن ريكاردو غير جدير بالاهتمام القليل الذي تمنحه إياه.. عاملته كلعبة، وأهملت عمق مشاعره، وأثارته جسديا، حتى عندما تركته لمدة شهر.. سنة.. ثلاث سنوات: لم يكن يعلم أبدا كم ستطول وحدته.

في نهاية كل موعد، تلوح مودعة وفي يدها "مظلة موشاة بالزهور"، تستدعى صورة "المظلة الحريرية الوردية" التي كانت تحملها إيما عندما تحاول إغواء تشارلز بوفاري.

هناك العديد من الخطوط المتلاقية لإمتاع المعجبين والمتحمسين للرواية الأقدم، لكن قد لا يتمكنون من الإمساك بتلك الخيوط. إن الكمال والاقناع السحري الذي تشتمل عليه رواية "الفتاة السيئة" لا تسمح لانتباه القارئ بالضياع.

عمل ريكاردو كمترجم، وفر له فرصا عديدة للسفر وإعادة الرباطة إلى نفسه، كما منحته فرصة للالتقاء بحبيبته من جديد، وهي التي عودت نفسها دائما على الخضوع لعشيق غني، واحدا تلو الآخر.

إن عدم الترحيب هو الذي أفرز قلق ريكاردو من طبيعة عمله حول هويته الخاصة. فباريس الستينيات، الثقافة التي جاء منها فارغاس لوسا، شهدت ترويجا للفلسفة الوجودية، وريكاردو يحكم نفسه، ليس فقط كدخيل وأجنبي دائم، ولكن أيضا كفقير في الجوهر. لقد انحصر في لحظة الترجمة من لغة إلى أخرى، "في المضارع من دون أن يكون حاضرا، وفي الإيجاد من دون أن يكون موجودا".

ولكن ما هي الهوية؟ فالفتاة السيئة تسقط قناعا فقط من أجل أن تضع آخر، منقادة بالحاجة إلى الإثارة والغنى اللذين لا يستطيع تقديمهما إلا الرجال الأقوياء والخطرون، مفترضة بأن أي ظهور قد يضمن لها ما تشتهي. فهل هي نفسها الحقيقية تتوارى من المشهد، أم أنها، ومثلها في ذلك مثل الولد الطيب، لا توجد نفس حقيقية لها؟ وهل الرغبة هي الوحيدة التي تمتلك القوة والمقدرة على كشفنا، كما شكّل ريكاردو بحبه للفتاة السيئة، والتي هي عبارة عن انعكاس لما تمارسه؟

يعرف القارئ أن ريكاردو والفتاة التي بدأت باسم ليلي سيعبران طريقا غامضا، فهي ستسمح لريكاردو بامتلاكها بما فيه الكفاية لزيادة استحواذها عليه.

إن الرواية ما تزال تمتلك لحظات قوية من التكثيف خلال مشاهد خصبة ومشوقة، مثل ذلك المشهد في السيارة التي تنطلق بتهور خلال طرق متعرجة، حيث تحاول الفتاة السيئة جلب انتباه الأحباء والقراء على حد سواء.

هل هي شريرة، أم جدير بالإعجاب، أم كلا الصفتين معا؟ أين ستكون في المرة القادمة لقاءات الولد الجيد بها؟ ماذا ستدعو نفسها حينها؟ إلى متى يمكنه احتمالها؟ وهل يمكن لها أن تقابل عاطفته بودٍّ في يوم من الأيام؟

يكتب فارغاس لوسا في روايته القديمة "طقوس العربدة": "ذلك لأنها تشعر بأن المجتمع يقيد خيالها وجسمها وأحلامها وشهوتها، وإيما تعاني من ارتكاب الزنى والكذب والسرقة، وفي النهاية تقتل نفسها".

الفتاة السيئة لفارغاس لوسا تعاني هي الأخرى، حتى وهي تجلب المعاناة لمن حولها، ومع ذلك فهي تحاول معالجة قلقها وتحديد تطلعاتها، إنها لا تستطيع ترويض نفسها لمصلحة وجود برجوازي صغير، مثلما لم تستطع إيما ذلك من قبل.

"على الأقل فإن الرجل حر"، إيما تصلي وتدعو من أجل أن يكون الطفل الذي تحمله ذكرا، "حر في التجول، حر في قهر الصعاب، وفي تذوق المتع النادرة، بينما حرية المرأة تُحبَط وتقاوَم باستمرار".

بطولة كلتا المرأتين تكمن في أنهما رفضتا أن تكونا ضعيفتين بالتواضع، أو بالآمال المعقولة والمعتدلة، أو بالمجتمع المحترم. إنهما مخلوقتا الشهوة: حياة الجنس والمال والمتعة. بنات سيئات يشبعن جوعهن أولا وأخيرا.

إنهما سيئتان، وهما محسودتان كذلك، لأنهما لم تقبلا بأقل من كل شيء أرادتاه. وفي النهاية لأنهما، ليس فقط تقبلتا طبيعتيهما الأساسيتين، لكن لأنهما تقبلتا نتائج اختياراتهما، بدلا من رفضها.

* كاثرين هاريسن روائية أصدرت رواية "حسد"، أما عملها المقبل فهو كتاب ينشر في العام المقبل بعنوان "بينما كانوا نياما: تحقيق في جريمة قتل عائلة".

 عن (هيرالد تريبيون)