الفيلم السوري: "أحلام مدينة" تصوير واقعي لاحياء دمشق العتيقة


يعرض في شومان الثلاثاء


   عمان- الغد "أحلام مدينة" فيلم يأخذ شكل السيرة الذاتية عن مرحلة الصبا، أي عن مرحلة من تاريخ كاتب السيرة المخرج، وهو التاريخ الذي تجري أحداثه ضمن التاريخ الأعم، تاريخ المدينة والوطن. بهذا المعنى يبدو الفيلم قريباً إلى حد ما من تجربة المخرج المصري المعروف يوسف شاهين في فيلمه "الاسكندرية.. ليه"؟ مع اختلاف التجربة التاريخية والشخصية واختلاف اسلوب التعبير عنها والمضمون المراد قوله ما بين الفيلمين.

اضافة اعلان


   في بداية الفيلم يجد المتفرج نفسه مع أسرة مكونة من أم شابة وولديها الصغيرين. تصل هذه الأسرة إلى العاصمة دمشق بعد موت الأب، لاجئة عند أب الزوجة، العجوز الأناني البخيل والذي يرفض استقبال ابنته وولديها، إلا بعد توسط الجيران. وصول العائلة إلى دمشق يترافق مع احتفال المدينة بمناسبة عيد الجلاء. العام هو 1953، زمن أديب الشيشكلي. الهتافات في الشوارع وهي تحيّ "أديب بيك" وصوت المذيع الذي يردد شعارات سيعتاد الجمهور العربي على سماعها. "هذه الأمة تقف لتعانق هذا الجيش عناق الولاء..." فيما يردد المتظاهرون المحتفلون: "أديب بيك لا تهتم"... وفيما تدور الشرطة على المحلات لتجبر أصحابها على تعليق الأعلام وصورة أديب بيك.


منذ عام 1953 حتى عام 1958، أي موعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، تبدأ أحداث الفيلم وتنتهي. وفي الوسط من هذين الزمنين يقدم الفيلم حكاية طفل وأسرته في زمن محدد... أما حكاية المدينة وأهلها فهي لا تنتهي مع انتهاء الفيلم، حيث أن حكاية المدينة هي جزء من تاريخ صار امتداده في المستقبل معروفاً.


   يستقر الطفل مع أخيه الأصغر وأمه في غرفة منعزلة من بيت الجد. يعانون من قسوته وظلمه، يذهب الابن الأصغر إلى مدرسة للأيتام ولاحقاً يموت. أما الطفل الأكبر بطل الفيلم، فيلتحق بالعمل كأجير في محل صغير لتنظيف الملابس يطل على شارع شعبي. من هذا الشارع تتفتح عيونه على مشاكل المدينة وعلى التغيرات السياسية والانقلابات المتتالية. يتحمل الطفل إذن مسؤوليته تجاه العائلة عن طريق عمله، يراقب بأسى كيف تخلت أمه عنه بعد أن أقنعتها إحدى النساء بالزواج من رجل ثري، وكيف عادت باكية بعد أن اكتشفت أن هذا الزواج لم يكن إلا احتيالاً من نوع زواج المتعة. وعلى مستوى الحي يراقب الطفل حركة الحي وشخوصه المختلفين. رجل انتهازي صاحب محل لبيع اللحم يصفق لكل انقلاب جديد، شاب يؤمن بالقومية العربية ويدور بين الناس يطرح أفكاره الحالمة العامة، شاب فتي يحلم بالسفر إلى إحدى دول الخليج طمعاً في الثراء، أعمى يحلم بالعلاج في موسكو، شاب وطني خارج من المعتقل ،شقيقان أحدهما خياط يطعن شقيقه في الشارع حتى الموت. ويصور المخرج محمد ملص هذه العلاقات باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية لهذا الحي.


    يتم ضمن هذا الوضع تقديم بعض المشاهد الخاصة بحياة الطفل لحظة أن تزوره في محله فتاة من عمره فيكوي لها حزام فستانها في لحظة فيها الكثير من الحب الطفولي البريء الجميل، أو لحظة مشاهدته لوالدته الشابة وهي تسمع أغنية "المغنى حياة الروح" في المذياع وتغني معها فرحة فتشترك العائلة معها في هذا الفرح.. حيث تبدو الأم طفلة بريئة وربما أكثر طفولة من ابنها الصغير.


يوازن المخرج بين مثل هذه المشاهد الإنسانية الخاصة وبين المشاهد العامة للحياة في الحي، ليقدم فيلماً مزدوج الهدف. فمن ناحية، هناك القصة الخاصة التي استقاها المخرج من سيرته الذاتية (هذا وقد سبق للمخرج أن أخرج هذه القصة في فيلم قصير أثناء دراسته للسينما قبل سنوات وبعنوان مشابه هو "حلم مدينة صغيرة").

 وهناك من ناحية ثانية قصة المدينة والوطن. على المستوى الشخصي ينتهي الفيلم بمشهد الطفل وهو يحاول مهاجمة الرجل الذي أغوى أمه وخدعها كنوع من البرهان على نضج شخصية الطفل وسط الحياة. وعلى مستوى المدينة ينتهي الفيلم وبعد انقلابات عديدة في الحكم بمشهد قيام الوحدة بين سوريا ومصر واحتفالات الناس بها وفرحهم بها.


   هذا المشهد الاحتفالي يجرى على خلفية نشيد يسيطر على القاعدة ويستمر حتى تعتيم الشاشة مع العناوين الأخيرة للفيلم. هذا النشيد هو الأغنية التي اشتهرت في حينها والتي تقول كلماتها "وحدة ما يغلبها غلاّب.. يباركها وحده أحباب". وكأن المخرج يشير بهذه الخاتمة التي تبدو متفائلة إلى سلسلة الاحباطات السياسية وتصدع الآمال، وكأنه يريد بهذه النهاية المعلقة المفتوحة أن يشير إلى عدم الثقة بالحاضر والمستقبل أو إلى التخوف من إحباطات وانتكاسات شديدة جديدة.فالوحدة التي اختتم بها الفيلم أحداثه وبدت فيه كخاتمة الآمال، سرعان ما أحبطت في الحقيقة والواقع، وحلت بعدها عهود متوالية واحد إثر الآخر. صوّر محمد ملص فيلمه بطريقة واقعية وسط أحياء دمشق العتيقة الأمر الذي جعل الصورة تتسم بشكلها التاريخي وقت وقوع الأحداث.