"القرى والبلدات الفلسطينية المدمرة 1948" يوثق جرائم العصابات الصهيونية

1716820331427714000
غلاف الكتاب-(من المصدر)
عمان- صدر عن وزارة الثقافة الفلسطينية كتاب بعنوان "القرى والبلدات الفلسطينية المدمرة 1948"، الجزء الأول: للمؤلف د. شريف كناعنة وآخرين، حيث يوثق الكتاب ثلاث عشرة قرية ومدينة تم تدميرها على يد العصابات الصهيونية في العام 1948.اضافة اعلان
د. شريف كناعنة في تقديم الكتاب يقول: أثناء الفترة التي عملت بها مديرا لمركز أبحاث جامعة بيرزيت، عملت على توثيق ما حدث لعدد من القرى الفلسطينية التي تم تهجير أهلها وتدميرها من قبل الإسرائيليين أثناء حرب 1948، ونتج عن ذلك المشروع نشر "13" كتيبا، وكنت قد اخترت تلك القرى بحيث امتدت من قرية هوج في جنوب فلسطين وحتى كفربرهم على حدود لبنان في شماله.
وأضاف، قمنا في إطار ذلك المشروع بتجميع سير حياة حوالي "15" شخصا من كبار السن من كل من تلك القرى، ودونا تلك السير وقمنا بتبويبها وربطها ببعضها بطريقة تحفظ للأجيال القادمة صورة حية ومباشرة عن أسلوب الحياة في القرى الفلسطينية في النصف الأول من القرن العشرين، وما حدث لتلك القرى ولأهلها أثناء حرب 1948، وما بعدها حتى ثمانينيات القرن الماضي.
وهذه المجموعة من الكتب هي الوحيدة من نوعها في تاريخ القضية الفلسطينية، فأصدرنا في حينه "500"، نسخة من كل من هذه الكتب، جرت طباعتها على الآلة الكاتبة ثم تصويرها وتوزيعها بشكل رئيسي في إطار الجامعة ولم يصل منها إلى أيدي أفراد المجتمع الفلسطيني والعربي، إلا نسبة ضئيلة نتيجة لقناعتي بالقيمة التاريخية والوطنية لهذه الكتب فقد توجهت إلى وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف بالطلب لإعادة نشرها بشكل يضمن تداولها بشكل أوسع وحفظها للأجيال القادمة، وقد استجاب وتم إصدارها من قبل وزارة الثقافة بهذه الصغية الجدية والعملية التي هي بين أيدينا، آمل أن نكون بذلك قد أدينا خدمة ولو بسيطة لأهلنا ولوطننا".
وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف كتب كلمة يقول فيها: "طوال آلاف السنين عاش الفلسطينيون في البلاد التي حملت اسمهم وحملوا اسمها وبنوا فيها وشيدوا الحضارات وساهموا في إنتاج المعرفة والثقافة التي عمت بلادهم والبلاد المجاورة. ولأهميتها ظلت فلسطين محط أطماع كل القوى الاستعمارية في التاريخ. ودفعت البلاد التي شهدت ميلاد الأبجدية والتوحيد وكانت أقرب نقاط الالتقاء بين السماء والأرض، فاتورة باهظة جراء هذا التميز في الجغرافيا والمكانة والحضور، فاتورة جعلتها تواجه المستعمر تلو الآخر ويفد إليها الغزاة من البر والبحر ومن السهل والصحراء، وظلت طول الوقت تقاوم لا تستلم وتنهض من الرماد كالعنقاء".
ويشير أبو سيف إلى أن الغزاة كانوا في كل مرة لا يحاولون أن يسرقوا الأرض فقط بل أن يستوطنوها ويغيروا معالمها ويسرقوا كل ما فيها حتى أسماء الأماكن والجبال والمزارات. ما حدث خلال عملية التطهير العرقي التي تمت في العام 1948، من عمليات قتل وتشريد وتدمير وسرقة البلاد هو استعادة لجرائم أخرى بشعة في تاريخ البشرية، إضافة لكونه جزءا من الحروب التي كانت تشن على البلاد من زمن لآخر.
ويرى أبو سيف أن فكرة "النكبة"، قامت على إفراغ البلاد من أهلها وتحويلها إلى بلاد أخرى بالتوازي مع قتل الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني وتذويبه في المحيط العربي وفقدانه لخصوصيته كشعب أصيل. ولأسباب كثيرة فإن النكبة لم تحقق أهدافها. صحيح أن مئات القرى تم تدميرها وهدم بعضها على رؤوس ساكنيها، وصحيح أن دولا أخرى أقيمت على خراب البلاد، وصحيح أن سكان تلك المدن والبلدات والقرى تاهوا في فيافي الأرض، إلا أن الصحيح الآخر أن الشعب الفلسطيني لم يذب ولم ينته ولم يصبح نسيا منسيا، والصحيح الآخر أن الأبناء ظلوا متمسكين بحقهم وبذاكرة آبائهم رغم مرور السنين.
وفي فرادة لافتة فإن أهل البلدات والقرى المدمرة قاموا بتأليف الكتب عن بلداتهم ومدنهم وطباعتها في مشاريع فردية وجماعية للحفاظ على الذاكرة وتمرير حكايات الآباء إلى الأبناء والأحفاد. كان ثمة شعور بضرورة الحفاظ على المكان حتى لو تم تدميره وتجريفه وبناء بيوت للغرباء عليه. كانت تلك المهمة مسؤولية خاصة وفردية شعر بها كل فرد  وكان يتحملها بكامل اليقين. نتج عن ذلك مئات الكتب عن تلك القرى والبلدات والمدن، حتى أن بعضها صدر عنها أكثر من كتاب وفي بعض السياقات كانت العائلات المهجرة تتقاسم تكاليف طباعة تلك الكتب، إضافة لذلك بذلت مراكز الأبحاث والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني مجهودا كبيرا في هذا المضمار، حيث تم تأليف عشرات الكتب عن تلك القرى في مساهمة جادة للحفاظ على الذاكرة والسرديات الوطنية، ولعل أبزر المحاولات ضمن هذا النسق كان ما قام به البروفسور شريف كناعنة في تسجيله مع آخرين تاريخ وحياة ثلاث عشرة قرية ومدينة تم تدميرها على يد العصابات الصهيونية، ونشرتها جامعة بيرزيت في ذلك الوقت في ثمانينيات القرن العشرين.
وأطلقت الحكومة الفلسطينية في العام 2020، برنامجا وطنيا لتعزيز الرواية الوطنية يهدف للحفاظ على الذاكرة الجمعية وتأصيل السرديات الوطنية والتاريخية واستعادة الموروث الثقافي وترويج المحتوى الرقمي، كل ذلك من اجل إسناد حق شبعنا في النضال من أجل بلاده وحريته وعودته لها واستقلاله وتجريم العدو وفضح ممارسته وتفنيد مزاعمه، جزء من هذا البرنامج يعمل على كتابة التاريخ والكتابة عن الجغرافيا وتأصل ما حدث في الجغرافيا من أحداث تاريخية.
وبإعادة طباعة مؤلفات البروفسور كناعنة عن القرى المدمرة، فإن الوزارة تصبة لإطلاق مشروع كامل متكامل لتأريخ المدن والقرى والبلدات المدمرة خلال مذابح النكبة، حيث يشمل هذا التعريف بها إنتاج مواد سمعية وبصرية عنها وتعميمها عبر كافة الوسائط، وهو مشروع لابد أن يشمل التأريخ للمكان وبجوانبه كافة، إننا نسعى إلى توفير محتوى معرفي فلسطيني يعتمد على السردية الوطنية كما عاشها أهل البلاد ورووها جيلا عن جيل من أجل أن تظل روايتنا قائمة تزيل قناع الوهم الذي يحاول الغزاة إقناع العالم به عبر التزوير والتلفيق والتظليل.
النكبة لم تنته، وهي فعل مستمر طالما بقى الغزاة، جزء أساس من الصمود في وجه الطوفان المستمر، هو عملية التوثيق التي تضمن استمرار حضور الرواية والسرديات من جيل لآخر حتى تظل فلسطين فلسطين، وحتى تظل مدننا وبلداتنا وقرانا وجغرافيا البلاد كلها حاضرة في وعينا وذاكرتنا حتى تود البلاد إلى أهلها، وستفعل.