الكركي: عاشق قديم يرى في الشعر مغفرة

الكركي: عاشق قديم يرى في الشعر مغفرة
الكركي: عاشق قديم يرى في الشعر مغفرة

 د.مهند مبيضين

إنْ في العدنانية مسقط الرأس، أو في دمشق قبلة الروح، او في لندن حيث الذكريات المكونة للمنهج العلمي، صوته الأجش وتقاطيع وجهه التي لا تخفي غضبه او حزنه او فرحه، تجدها كما هي، لن تغيير بينما تغير الكل ممن أحاطوا به في أزمنته الرحبة.

اضافة اعلان

سنة الاستقلال 1946 كان خالد عبدالعزيز الكركي يبصر النور في العدنانية جنوب غرب الكرك، بلدة من مضارب الغساسنة القديمة والحالية تسكنها عشائر الضمور والعضايلة والبنوي، أهلها كأنهم رجل واحد في الغضب والحب والصفح، قلبهم تقرأه في وجوههم، قليلو الدهاء، سريعوا الغضب بيد أنهم عُشاق ضاربون بالوجد، وبيوتهم تدخر أفضل ما فيها للقادم في أي لحظة.

عاشق قديم، من أبناء سفوح مؤاب الجنوبية، لكنه جعفري الروح، حيث المشهد ليس بعيدا عليه في المزار، وكأن أرواح الشهداء كانت ظله الذي يفيء إليه كلما تبعثر الرفاق، او غادروا قوارب الحب التي كانت تقلهم في المسافة التي ظل قلبه يرتد إليها، وهي مفازة ممتدة بين الكرك وحلب مرورا بدمشق وياسمينها المعتق.

ليس العشق خيارا في قلبه، بقدر ما يملأ عروقه، فهو الذي اختار عام 1986 ان يخاطب المؤتمر الثقافي الوطني الثالث بقصيدة للشاعر يوسف الصايغ معلنا ان الحب صار رهانه الأخير، في زمن كانت فيه الأمة تقترب من دخول باب الوحشة وجاء فيها:

"ما تبقى هو الحب، هذا رهاني الأخير

زهرتان على القلب ذابلتان

وعشر شموع تنير الضمير

وانتم خذوني بطيبة قلبي

فإن المحبة طيبة القلب

والشعر مغفرة

وزمان المحب جد قصير"

كانت الدراسة في ثانوية الكرك أول الستينات بداية الخروج الأول، وكان وديع صوالحة خريج الجامعة الأميركية القادم من مدرسة دار المعلمين بطلب من داوود المجالي قد وجد في خالد الكركي نباهة فريدة، فهو يفيد أنه " كان من طلابي المميزين... لقد مرّ زمن طويل أكاد لا المح غير خالد من طلبتي..".

ثم كانت الرحلة لعمان في النصف الثاني من عقد الستينات، آنذاك كانت الجامعة الأم خصبة بشباب تملؤهم العروبة، لكن النكسة صدت الروح، غير أنهم لم يأبهوا بشيء، فبعد ان شهد الكركي النكسة أتمّ الماجستير على يد من أحبه جداً البروفيسور محمود السمرة عام 1977، إذ وجد السمرة فيه نقاء وحماسة كبيرة، ثم طار إلى لندن وهناك كان الجيل الأول والثاني من مبعوثي الجامعات الأردنية، ممن زاملهم خالد ومنهم جاسر أبو صفية وعبدالكريم الحياري وصلاح جرار وغيرهم. ومن العرب المؤرخ اليمني حسين العمري. يقول العمري: " أتذكر خالدا جيدا، آنذاك كنا كل ليلية احد نذهب إلى منزل البرفسور سرجنت، أما خالد فكان لا يحب السهر بقدر ما يرغب بالكتابة والقراءة الطويلة سواء بليل عطلة ام غيره، كان مكبا على التراث..." كان ذلك السلوك غير مستغرب في شخص خالد الذي أحب المعرفة والعلم، وربما كان لأستاذه الصعب الذي تخرج عليه عام1980 وهو البرفسور سرجنت أثرا في ذلك.

ثم قفل الكركي آيبا نحو مؤاب والروح التي كانت تحوم بين الكرك والجامعة الأردنية، فعمل مساعدا لعميد كلية الآداب للشؤون الثقافة والإدارية، ورئيسا لتحرير المجلة الثقافية، وبين عامي 1985-1987 صار رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين ثم توالت المواقع التي شغلها رئاسة او عضوا من لجنة الشعر في جرش إلى عضوية مهرجان عرار الشعري الأول، وبعدها وزيرا للثقافة 1989-1991 ثم وزارة الشباب وزارة التعليم العالمي ثم رئيسا للديوان الملكي ومستشارا للملك الحسين رحمه الله ومن بعد بين عامي 1995-1996 صار نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للإعلام ثم رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة الصحفية الأردنية الرأي، ومن بعد عودة لباب العلم الذي ما انقطع بحثا في الروح المؤابية في كل مواقعها، لا بل انه حاول دوما أنسنة الأمكنة التي يعمل بها، ثمّ كانت العودة للجامعات في مقرّ الرئاسة في جرش الأهلية ثم الجامعة الأردنية.

في مواقعه الحياتية أبا وأستاذا ومديرا ورئيسا لجامعة، كان الكركي ومايزال مراهنا على حلم ويقين، مفاده ان روح الأمة لا تنطفئ وإن لم تسرج قناديلها أو شح الزيت قليلا، وهو وإن قال البعض ممن ضاقت رؤاهم انه افسد الكثير من الطلبة، فهؤلاء رأوا انه عاث بعقولهم لأن حساده كانوا يرون ان الأستاذ الجامعي أب بطريركي، بينما هو يرى الطلبة اصداقاء معرفة، يختلف معهم ويختفلون عليه وهو يقبل بذلك، ومن هناك كان له جيله الذي اثر به ومنهم حبيب الزيودي وجريس سماوي وموسى برهومة وغيرهم يقول حبيب:" هو صاحب ذائقة يتجاوز العادي وساهم في تكوين ذائقتي ووعي واعتقد انه شكل علامة فارقة ليس في فن واحد بل في الحركة الثقافية كلها".

ومع كل ذلك التفرد، تظل العيون الضيقة في نظرتها له على حالها، فمن كان يحسده على حب طلبته له، وإن قسا عليه، ليسوا بعيدين عن روح الكراهية التي تحوم في أروقة بعض مباني الأردنية اليوم، هذه الروح التي تريد للجامعة من يديرها بمنطق شيخ قبيلة أو رئيس مخترق قد يهزه شرطي مرور أو هاتف سفير دولة كبرى أو وسطى أو صغرى، فهؤلاء يتضيقون بمبدع صلب وعروبي لا يأبه أكون مدعوا على ولائم السفراء الكبارأو لا.

يتسع قلب وعقل خالد للخلاف، لكنه مليء بالوفاء لمن عمل معهم أو كان لهم فضل عليه، الأسد والسمرة وغرايبة، وغيرهم، كما انه وفي للرفاق، وللمفردة الأردنية وهويتها من دون ان يلغي ذلك نظرته العروبية، وهذا ما يستدعي الحفاظ عليه، في مواجهة أزمنة التسويات الكبرى، فهو لا يزال يرى العراق محتلا وفلسطين عنده فردوس شهادة، وكذلك الحال مع السودان وربما غيرها، وهو ضد كل المطبعين واخوانهم وعليه مهمة استعادة الحصانة والصورة الممانعة للجامعة الأم التي نجح البعض في تلويث حرمها قبل رئاسته.

كثيرة هي الكتب التي أطل بها الكركي ومنها الرواية الأردن وبغداد لا غالب إلا الله مرورا بترجمته لبيتر جوبسر للسياسة والتغيير في الكرك، والصائح المحكي وسنوات الجمر، وغيرها الكثير من الأدب والشعر والنثر والقراءة التراثية. مما جعل هذه الروح مسافرة دوما في دنيا غطى السراب دروب الكثيرين فيها إلا درب مؤاب فهي كما يقول الكركي:" قلت: ليتني أعانقها وأبكي.. فأنا أخشى على مؤاب ان غابت، أنها السيدة الوردة، والسيدة المحراب، والسيدة الممتدة في عروق دالية تقطّر الغناء لعشاق مؤاب منذ ألف سنة وتزيد.. فكيف لي ان اجمع عطرها ونبيذها وبنفسجها وكفيها وإيقاعها وكحلها في نص صحراوي حيث لا ماء ولا خيال ولا مآذن ولا حبر ولا كلام!!" وتظل مؤاب والشام خياره حتى في مخاطبة المعشوقة فهو الذي يقول:

"وأقرأ في صمتها ما الذي خبأته مؤابْ

ألم شظايا الفتي الكنْته قبل خمسين عاما

وما في يدي غير رجع العتاب".

يأخذ الكثيرون على الكركي طول صحبته للمتنبي، فيما هو غير آبه بهم، ويحاول البعض ممن لا يصلون قامته الادبية والمعرفية، الوقوف كثيرا عند كتبه التي تطغى عليها روح ادبية جامحة، هي الروح التي قد تجعلك إن كنت من محبيه أن تضع يدك على قلبك حين يتطلب الموقف قول فصل منه، فما بين قلبه وعقله روح لا تكل عن الجموح، روح يحملها في كفه أّنّا سار، من دون أن تحمله الرياح في أكفها. ويكفيه من حساده انهم يخشون كلاميته قبل ان يدخلوا مجلسه، او يسمعوا قوله، ومنهم من يدعون الله ان لا يجاوروه في مجلس او منبر لفقر خزائنهم اللغوية.

[email protected]