الكركي يعاين انبعاث "الرونق العجيب" لشعر أبي الطيب المتنبي وقيمته الفنية العالية

الكركي يعاين انبعاث "الرونق العجيب" لشعر أبي الطيب المتنبي وقيمته الفنية العالية
الكركي يعاين انبعاث "الرونق العجيب" لشعر أبي الطيب المتنبي وقيمته الفنية العالية

في محاضرة له في منتدى شومان

 

عمان-الغد- قال د. خالد الكركي إن قصائد المتنبي تغري من يتلقاها بإعادة لما تبعثه من "رونق عجيب", ودهشة لا يجد احيانا تسويغا نقديا لها في سياق المعرفة الأدبية التي تشكلت لديه.

اضافة اعلان

وأضاف الكركي في محاضرته التي نظمها منتدى شومان أول من أمس وقدمه خلالها

د.عبد القادر الرباعي أن شعر المتنبي هو المتنبي: قلقه وروحه وكبرياؤه وحدسه, وثقافته, وفلسفته في الحياة, وتجربته مع السلطة والثورة,والكبار والصغار, في زمن لم يتراءى له منه سوى أن أهله صغار "وان كانت لهم جثث ضخام".

وأشار الكركي أن القراءة النقدية الجادة منحازة في الأصل أي الى سلطة النص,وقريبة من التصور النقدي الذي يتحدث عن موت المؤلف,بل وعن موت الناقد عند حديثنا عن شعر المتنبي.

وتطرق الكركي الى الذين عكفوا على شعر المتنبي بين حاسد,وغاضب,ومتهم له بالسرقة, لم يملكوا جميعا أناة القاضي الجرجاني,ولا صبر بلاشير, وفي أحيان أخرى لم يملكوا أدوات نقدية عالية تمكنهم من النفاذ الى أسرار قصيدته.

وبين الكركي أن الدراسات التي انصبت على شعر المتنبي مفيدة باعتبارها مقدمات في النظر اللغوي والنحوي الذي شكل شعره الكثير من الاسئلة في سياقه, لكنها لا تقرأ شعره من حيث هو قيمة فنية عالية, ومعرفة حدسية, ورؤية أخذت شكلها العالي من الفن والحدس والرؤية والايقاع والصورة, بل ومن صلة هذا كله بالحياة التي يشكل الفن أرقى محاولات الدهشة أمامها, ثم فهمها, ثم اعادة صياغتها على الوجه الذي يجعلها تبدو أكثر نبلا وصدقا وجمالا.

وقال الكركي إن الجاحظ قد افتتح "البيان والتبيين" بقوله: "اللهم انا نعوذ بك من فتنة القول..." وقرأنا قوله الدال: "والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى,وهتك الحجاب دون الضمير, حتى يفضي السامع الى حقيقته, ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان"

وأضاف أما ابن طباطبا فقد جعل الشعر في باب "السحر والغواية" فيما لم يتجاوز قدامة بن جعفر القول بأن "الشعر تجويد للمعاني" ولما كان الشعر عند الفلاسفة العرب وعند نفاده ايضا عدولا عن المألوف من طرائق اليقين,واخراجا للقول غير مخرج العادة, فإن المتنبي نفسه صاحب فكرة في الخروج عن المألوف في حياته وشعره, "سواء اهتزت أوتاره كل الاهتزاز لتعاليم القرامطة", أو في شعره الذي حمله روحا من التحدي لكل ما هو قائم سواء من حكام زمانه,أو من مبدعيه:

" لا تجسر الفصحاء تنشد ها هنا

بيتا ولكني الهزبر الباسل"

ولفت الكركي أن هذه الاضاءات جاءت بعنوان هذه "الكتابة" عن شعر المتنبي, فهي محاولة لتفسير "الدهشة" التي يتلقاها القارئ لشعره أو "المباغتة" التي تتشكل من "كسر التوقع", وخلخلة المرجو,والخروج عن المألوف.

وأضاف أن في شعر ابي الطيب فتنة تغري بالتأويل على وجوه مختلفة,وانه لا مجال لقبول الحديث عن غامض, ومستغلق, وغير مفهوم, فهذه حجة الذين لا يملكون مستوى من الثقافة يجعلهم قادرين على التلقي, لذلك يفرون الى رفضه كله واتهامه بالتقعيد والاغراب, أو يعربون عن امتعاضهم من مدحه لهذا او ذاك, حتى لو قيل لهم ان النقد والتلقي يذهبان الى اسرار "الصياغة" أو "الصناعة" أو "البنية" أو "النظم" الذي جاء النص عليه.

ووصف الكركي قصيدة المتنبي بالبناء الفخم تشبه قلعة الحدث الحمراء التي أبدع في وصف علوها وقلقها وجنونها, وحاجتها الى التمائم حتى تهدأ, وفي كل منهما حرب وخوف, وخفاء, لأن كلا منهما "خلقة عجب", تبعث على الاستغراب, وتثير في القادمين إليها "الذعر الجميل", وهذا الذعر أمام النصوص العالية حالة إنسانية متوقعة, لأن مفاجأة الابداع لوعي التلقي الذي يعرف آفاق الادب والنقد نابعة من لحظة صدام خاصة بين تشكيل النص وبين رؤية الشاعر, وكأنه واقف عند نص النفري:"وقال لي: اذا جئتني فألق العبارة وراء ظهرك,وألقِ المعنى وراء العبارة,وألقِ الوجد وراء المعنى".

ورأى الكركي أن شعر المتنبي ميدان واسع للنقد الجاد, على أن ندرك اننا نتعامل مع سلطة النص الشعري لا مع حضور المتنبي وطغيان شخصيته وسواء سعينا من الزوايا الشكلانية أو الاسلوبية أو السيميائية, فإن المرجعية التي نستند اليها هي الشعر العربي نفسه الذي طلع النقد الشعر العربي من معلقاته وحماساته,ومختاراته,ودواوين شعرائه,وما من حديث عن التشكيل الشعري أو الابداع البلاغي,أو بناء القصيدة إلا وفي هذه المرجعية سؤال عنه ومحاولة للاجابة عن ذاك السؤال.

وأضاف الكركي أن هذه الحوارات الاولى قامت في زمن جمع اللغة والشعر حول النظام اللغوي أو النحوي للقصيدة,أو حول جمالياتها, وها نحن نقترب من التحليل النصي للكشف عن جوهرها واسرارها,والتمتع بمشاهد الألق والرونق في ايقاعها وصورها,بل ومحاولة الوصول الى النص الغائب الذي خبأته في ثناياها.

وأكد الكركي أن المتنبي قد تغلغل في الحياة قلقا واسئلة وفكرا وثقافة,ووقف في المنطقة الرمادية الفاصلة بين عالم خيالي يتراءى له, وعالم محسوس مضطر للتعايش معه, وكان يبحث عن معنى المعنى, مدركا أن الحياة موت, لذلك نواجهها, وأن عالم الفنان مجاز, وأن الزمن غير منصف, وأن رحلة الشاعر مغامرة قلقة, وأن قصيدته هي معبدة, وايقاعها موسيقي ذلك المعبد,وأهل التلقي هم رهبان المعبد,والمنشدون ندمانة,وكم كان في زمانه من خراب في النخبة من أهل السياسة والثقافة, وهم الذين استحقوا هجاءه كما فعل "ت.س. اليوت " بأهل زماننا الذين صاروا في قبضة صيرورة لا قدرة لهم على ردها عن حريتهم وخبزهم وحياتهم وكتابهم الجديد.

وتساءل الكركي ماذا في شعر المتنبي حتى استحق هذا الحب كله وهذه الكراهية كلها؟

وقال "لعل ما فيه هو عبقرية التشكيل,واشعاع فني يبعث نشوة ذاتية في روح المتلقي, ويوقد السؤال في عقله حتى يعيد تمثل التجربة كما صاغها المتنبي للمرة الاولى أو أن الأمر في المغزى الفكري الذي يشير النص اليه أو في العمق والخفاء اللذين يجعلنا النص خائفين أمامهما, ومن تأويل بغير دليل أو انه هذا كله: الايقاع والموسيقى والنشيد, والرموز, والاساطير, والصور, والمجاز, والعلامات, والمغزى, والرؤية.

ورأى الكركي في شعر المتنبي ظمأ للحقيقة العليا,وأزمة وجودية خانقة رافقته حيث كان, حين عجز من انقاذ العالم بالشعر كما تمنى في زمانه المثقل بالتحولات والانهيارات.