المسيري يسرد الكفاح والصمود في كتاب "من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية"

غلاف الكتاب-(من المصدر)
غلاف الكتاب-(من المصدر)
 يرى المفكر المصري العربي الدكتور عبدالوهاب المسيري "أن كفاح الشعب الفلسطيني نجم ساطع في زمن الكذابين والمزيفين والوثنيين (الواقعيين، الانهزاميين)، وهو نجم بدد كثيرا من الظلمات والأكاذيب. وقد أثبت الفلسطينيون مقدرة فائقة على الصمود والمثابرة والإبداع والكفاح من أجل شرف أمتنا وكرامتها ومصالحها وأمنها. ونرجو ألا يكتب عنا أننا تركنا هذه اللحظة التاريخية النادرة تفلت من أيدينا".اضافة اعلان
جاء ذلك في كتاب "من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية"، الذي رصد فيه المسيري انعكاسات الانتفاضة الفلسطينية على المجتمع الصهيوني من الداخل ويكشف مدى ما أحدثته هذه الانتفاضة التي صارت حرب تحرير شاملة محددة الأهداف والاستراتيجية على بنية هذا المجتمع، وعلى دعائم الفكر الصهيوني ذاته.
غلاف الكتاب الصادر ضمن سلسلة "كتب القدس 12"، الذي يصدره "مركز الإعلام العربي"، يحمل "رسام كاريكاتير للفنان الشهيد الفلسطيني ناجي العلي"، يقدم فيه المسيري صورة من داخل الكيان الذي أفقدته الانتفاضة عوامل بقائه الذاتية، فصار يقف فقط على ساقي الدعم الأميركي والغربي ومصالحهم المتشابكة معا.
المسيري صاحب الموسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية"، إلى جانب العديد من الكتب التي تتحدث عن الصهيونية واليهودية يمتلك في جعبته الفكرية من الوثائق والرؤى ما يحقق لرصده العمق والمصداقية، وجاء هذا الكتاب مدعوما بالاستشهادات والإحصاءات التي تجعل القارئ يرى رأس الكيان الصهيوني وهو يئن تحت وطأة الانتفاضة الباسلة، كما يلمس القارئ بنفسه حجم ما زرعته في الذات اليهودية من مخاوف وما غيرته من قناعات كانت بالنسبة لهم من البديهيات.
يتناول الكتاب انتفاضة الأقصى والاستقلال، أو بالأحرى، كما يشير المسيري، حرب تحرير الأقصى وفلسطين، وأثرها على الكيان الصهيوني، ويبين أن هذه الانتفاضة تنبع من أنبل الدوافع الإنسانية لإقامة العدل في الأرض وتحرير الوطن من المغتصب والقضاء على الاحتلال، ويشير إلى أن مصدر هذه المقاومة هو الأمل والمقدرة على التضحية بالذات، وليس اليأس والرغبة في تفجيرها، وإلى أنها تعبير عن امتلاء إنساني وأخلاقي حقيقي، يجعلها تستمر.
ويؤكد المسيري أن كفاح الشعب الفلسطيني هو نجم ساطع في زمن الكذابين والمزيفين، والوثنيين و(الواقعيين) الانهزاميين، يبدد كثيراً من الظلمة والأكاذيب. ويثبت مقدرة الفلسطينيين الفائقة على الصمود والمثابرة والإبداع والكفاح، من أجل شرف أمتهم وكرامتها ومصالحها وأمتها، ويدعو إلى عدم ترك هذه اللحظة التاريخية النادرة تفلت من الأيدي.
كما يتحدث المسيري عن المستوطنين اليهود الواقعيين بين الاعتدال والتطرف، وتصاعد أوهامهم وسقوطها، وسوء الوضع الاقتصادي في إسرائيل، وفقدان الصهاينة الإحساس بالأمن ومعرفة الاتجاه الصحيح، ويبين معدلات الخوف، وسقوط الإجماع بخصوص الاستيطان. ويشرح الطرق الالتفافية، ورفض الإسرائيليين الخدمة العسكرية، وفرارهم منها، وميلهم إلى الهجرة والنزوح، واندلاع الغضب العالمي لمعرفة المنتصر من المهزوم. ويوضح حقيقة حرب التحرير الفلسطينية في نهاية إسرائيل، ووهم النفوذ اليهودي، ويبين أثر الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي.
وفي خاتمة الكتاب، يدعو المسيري إلى حشد طاقات الجماهير العربية وتنظيمها حتى يتحول هذا الغضب والحماس إلى مقاومة فعالة، وكذلك يدعو المسيري إلى أهمية مقاطعة البضائع والمنتوجات والشركات الإسرائيلية والأميركية، لتحل محلها بضائع من دول صديقة للقضية الفلسطينية، وهناك أشكال من المقاومة، مثل تسعير النفط بكل من اليورو والدولار وتحويل بعض الأرصدة العربية من المصارف الأميركية إلى المصارف دول صديقة.
كما دعا المسيري إلى عقد مؤتمر يدرس أشكال المقاومة الأخرى للاستعمار الصهيوني الذي تسانده الولايات المتحدة، لافتا لوجود بعض المحاولات لاختراق المقاومة والالتفاف حولها باسم محاولة وقف العنف والعودة إلى مائدة المفاوضات، وما شابه ذلك من دعاوى استسلامية مصقولة تتجاهل مكاسب المقاومين الفلسطينيين الميدانية، بدلا من دعمهم عن طريق تفعيل العمق الاستراتيجي العربي والإسلامي على جميع المستويات الرسمية والشعبية، وبدلا من طرح مبادرات سياسية يساندها ضغط عربي وإسلامي.
ناشر الكتاب "المركز الإعلام العربي"، كتب كلمة يشير فيها إلى أن "الأمن والعنف هما وجها العملية الصهيونية منذ أن جسدت إسرائيل أفكار (تيودور هرتزل)، المنظر الصهيوني، ولكن ليس حتى اليوم، فمنذ اشتعال الانتفاضة المباركة، اختلت موازين الأمن الصهيوني، وفقد المستوطن اليهودي إحساسه بهذا الأمن، وانتماءه لإسرائيل، وهو ما عبر عنه أحد المستوطنين بقوله (كيف أحب إسرائيل بينما يطلقون النار في كل مكان)".
ويرى المركز، أن الانتفاضة حطمت نظرية الأمن الإسرائيلي التي هي أحد أعمدة الأيديولوجية الصهيونية. وردت بقوة على الوجه الثاني للعملة، وهو العنف الذي يمارسه الكيان الصهيوني دفاعا عن أمنه المزعوم، لافتا إلى أن المراقب للمجتمع الصهيوني من الداخل، ومنذ اندلاع الانتفاضة يمكنه يرصد جملة من (الانقلابات) -إن صح التعبير- في بنية هذا المجتمع وقناعات أفراده من المستوطنين وكذلك في انتماءاتهم.
ويؤكد المركز أن الانتفاضة زرعت الرعب في المستوطن الصهيوني-وزعزعت أمنه وجعلته يلزم بيته ولا يجرؤ- على الخروج الاضطراري بعد أن صارت الأسواق والمطاعم والحافلات والملاهي وكل تجمع صهيوني هدفا لعملية استشهادية. وهزت الانتفاضة فكرة الاستيطان ذاتها، وخلقت لدى الإسرائيلي قناعة بأن المستوطنة ليست الشكل الأمثل للتعبير عن الوجود الصهيوني في فلسطين، ومن ثم انضم كثيرون ممن كانون مستميتين في الدفاع عن هذه الفكرة إلى صفوف معارضها.
وبعد أن كان الانضمام إلى (الهاجاناة)، أو العصابات الصهيونية المسلحة رمزا للشرف اليهودي، أصبح رفض الخدمة العسكرية اتجاها شبه عام بين من هم في سن التجنيد، إذ صار الشباب اليهودي يرى الخدمة العسكرية مرادفة للموت، ويدرك أنه بمجرد أن يجند سيصبح في مرمى الأهداف الفلسطينية والعمليات (الإرهابية) على حد التعبير الغربي والصهيوني.
ويؤكد المركز أن فلسطين لم تعد عند معظم المستوطنين رمزا للوطن القومي، بل مكان محاصر بالمخاطر والمخاوف التي جعلت المستوطن لا يتردد في الهجرة من إسرائيل ولا يخجل من الاعتراف بأنه حريص على حياته أكثر من وطنه وأن مصلحته هي بلده الحقيقي، كما أن قناعات المستوطن اليهودي بجدوى الاستيطان أو جدوى البقاء في معقل الخطر الفلسطيني، أسفرت الانتفاضة عن تغيير الذهن الصهيوني -بعضه وليس كله- فيما يتعلق بموقفه من الكفاح الفلسطيني المسلح.
ويشير المركز لما نشرته الصحف الصهيونية من شهادات لمفكرين واستراتيجيين وعسكريين يهود لصالح الانتفاضة؛ حيث تراجعت عن وصفها بالإرهاب وتراها حرب تحرير شاملة، مما يعني نجاح المقاومة الفلسطينية في كسب أنصار من الصهاينة الذين ظهرت في صفوفهم هجرات مضادة خارج فلسطين وأفكار معارضة للبقاء الاستيطاني واتجاهات رافضة تماما للتجنيد.
وخلص المركز إلى أن الانتفاضة الباسلة فرضت نفسها على الإعلام الغربي وكسرت حصاره على الشعب الفلسطيني وهدمت بعض حواجز التحيز المقروء والمرئي والمسموع ضد هذا الشعب، فبدأ واضحا أن هذه الانتفاضة ليست دفاعا مشروعا عن العقيدة والوطن فحسب، وإنما مخطط مدروس ودقيق لنسف فكرة إسرائيل الكبرى من أساسها.