بدر: اسعى لتدمير الاسطورة الاسرائيلية بأخرى مقابلة

بدر: اسعى لتدمير الاسطورة الاسرائيلية بأخرى مقابلة
بدر: اسعى لتدمير الاسطورة الاسرائيلية بأخرى مقابلة

روائي عراقي يكتب اول رواية عربية عن القدس

 

حاوره: زياد العناني

   عمان- بعد روايته الأولى "بابا سارتر"، ثم  "شتاء العائلة" و "صخب ونساء" و"كاتب مغمور" يتجه الروائي العراقي علي بدر الى كتابة رواية جديدة نشر جملة منها في الصحف العربية، وهي رواية "مصابيح اورشليم" التي تتحدث عن المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد والقدس معا ضمن تركيبة من الاحداث الثقافية والاجتماعية والاخلاقية التي تشكل في هذه الرواية مواجهة مع السائد عن تلك المدينة التي يراها الروائي موطنا لكل المنفيين، كما يرى انها المنفى والفردوس وهي الحرب والسلام اضافة الى انها المدينة الجاذبة.

اضافة اعلان

   "الغد" التقت الروائي العراقي في هذا الحوار الذي يتطرق فيه الى رواية "مصابيح اورشليم" وكذلك الحدود، والمشردين واللاجئين، والمعنى الذي اراد تأطيره في هذه الرواية الاشكالية التي تتمثل افكار ادوارد سعيد خصوصا في مفهومين: المنفى والهجنة.

* بعد رواية بابا سارتر والطريق الى تل المطران وصخب ونساء وكاتب مغمور ما هو جديدك الآن؟

- ارى رواية جديدة بعنوان "مصابيح اورشليم" من المؤمل نشرها العام المقبل، تتحدث هذه الرواية عن ادوارد سعيد وزيارته الى القدس، فالبطل هو ادوارد سعيد، والاحداث هي احداث ثقافية وسياسية واجتماعية واخلاقية وتاريخية تجري امامه في مدينة القدس.

* لماذا القدس ولمذا ادوارد سعيد تحديدا؟

- القدس لأنها لم يكتب عنها عربيا، كل ما كتب من روايات عن القدس كتبه روائيون يهود، وهذه اول رواية عربية تدور جميع احداثها في مدينة القدس، اما لماذا ادوارد سعيد، فأظن لأني قريب منه فكرا ونفسا ان شئت، فقد اثر بي كثيرا من جهة نشأتي ومن جهة اخرى كنت منفيا مثله، فأردت تطابق المنفيين، وما شعرت به ان القدس هي المدينة الجاذبة لكل منفى، فهي المنفى وهي الفردوس، هي الارض وهي السماء،هي المليء وهي السخي، هي الحرب وهي السلام، هي الظلام المخيم وهي الضياء، وفي كل لحظة اشعر بأني منزوع بالقوة عن وطني واشعر بأني منفي، اشعر بحنين الى ارض بعيدة تعيد لي توازني وهذه الارض هي القدس، فكانت كتابة رؤية عن القدس هي المعادل الموضوعي لاختراع وطن، واللجوء الى ارض، وطرح القلق، والشعور بالعناء والهروب من الاضطراب والتلكؤ.

* لكأنك تؤمن بتعايش المنفيين بشتى ميولهم ودياناتهم في هذه المدينة التي جرى توصيفها على لسانك بالفردوس؟

- طيب ، كتبت روايتي صخب ونساء وكاتب مغمور عن وهم الحدود، فالوطن سرد ، والهوية سرد والتاريخ اختراع ، والحدود هي هذه القوة المفروضة من السلطات لتشكيل ما يطلق عليه اليوم بالدولة، حسن انا ضد الحدود ، ضد الاوطان ، ضد القوميات ،ضد الهويات ،وما اؤمن به حقا هي البداوة المعممة، هي هذه الحشود من الناس الذين يحرقون الخرائط ويدمرون سلطة الحدود ويهربون بعيدا عن الجمارك وحرف العملة وحرس الحدود والجوازات والضبط والخ.... المنفيون واللاجئون والمشردون هم الذين يصنعون التاريخ، انظر الى اوروبا الهندي والعربي والافريقي هم كتابهم العظام من ادوارد سعيد الى هومي بابا وغياتري سييغاك من يهتم هذه الايام بتأسيس وتشييد السجون الكبيرة لحبس الناس،والكل يريد ان يهرب ، يريد ان يسافر كي يرى وجه الشمس.

* ولكن الحديث عن القدس هنا يتمظهر في اكثر من بعد سياسي, هل تلمح الى فكرة التعايش بين العرب واليهود كمنفيين في مكان واحد؟

هذه نقطة حساسة بالتأكيد ونحن لا نملك اجوبة واقعية عنها لأن اجوبتها تاريخية او هي تلك التاريخ، كما ان جوابها لدى من يعيش فيها او مطرود عنها مثل ادوارد سعيد، انا اكتب رواية ذات طابع ثقافي، ودعني اشرح لك فكرة الرواية :

اولا: شيدت الرواية على فكرة ادوارد سعيد الجوهرية عن الكولينالية وهي (نقل الملكية) ، فالقدس تغيرت تحت ضغط سياسي وثقافي كولينالي حتى اصبحت غريبة عن السكان الاصلانيين، وهذا هو مفهوم الاغتراب عند ادوارد سعيد ومن جهة اخرى اخذت شخصيات روايات يهودية كتبت عن القدس روايات عاموس عوز، عاموس كنان, ديفيد شاحور، وجعلت شخصيات هذه الروايات الاشكالية تعيش مع ادوارد سعيد في المكان ، حيث يعيد ادوارد سعيد سرد حياة هذه الشخصيات من وجهة نظر مختلفة عما سردها كتابها انفسهم، وهذه هي فكرة ادوارد سعيد عن التاريخ والتي اخذها من هايدن وايت؛ حيث التاريخ هو اختراع يتم سرده طبقا الى مصالح جماعات بعينها، وبالتالي يتم تدمير الاسطورة باسطورة مقابلة. في الجزء الثالث من الرواية جعلت ادوارد سعيد يعيد فكرته عن الهجنة والمنفى، وهو تحول العالم تحت ضغط الامبريالية الكبير الى هجين ثقافي واجتماعي، واسست لهذه الفكرة مشهدا مأخوذا من فيكو وهو الفكر الايطالي الذي اعجب به ادوارد سعيد كثيرا، حيث يخرج ادوارد سعيد مع حشود من المنفيين واللاجئين والمطرودين من اوطانهم والذهاب بهم بصورة كورالية الى القدس.

* ما هو المعنى الذي اردت تأطيره في هذه الرواية؟

- المعنى هو كتابة رواية مضادة للسرد الاحادي الذي كتب به اليهود عن القدس، ونقض اسس الملكية التي قامت عليها الروايات الاسرائيلية، هذا يعني اني معني بما هو ثقافي، لا بما هو سياسي على السطح، معني بكتابات الكتاب، والروائيين والمثقفين والشعراء، فالرواية تقول ما لا يقوله التاريخ. هنالك جوهر لا يقترب منه احد، ولكني معني بما هو سياسي من حيث اني اعتقد ان السياسي ينبثق من الثقافي،اسرائيل بدأت بفكرة ادبية، بيوتوبيا، باطروحات مثقفين ومن  السخف ان تبقى هذه الكتلة الثقافية المنتشرة والممتدة دون تفكيك او تهديم . المثقف العربي ساذج وتابع للسياسي وليس له اي دور ثقافي حقيقي، فهو خائف وعاجز ومضطرب ومتلكئ وجاهر ولا يريد ان يقترب من الاشياء الحساسة.

* لماذا والحال هكذا لم تجمع ما بين السياسي والثقافي ضمن رؤية واحدة؟

- انا ارى العكس تماما، ان ما هو ثقافي هو سياسي بالضرورة. لقد اخذت هذه الفكرة من التوسير ، فكل ما هو ثقافي واجتماعي وشعبي وحياتي وسوقي ومبتذل يشكل البنية العميقة المحركة لكل ما هو سياسي على السطح، ولذلك ابتعدت كثيرا عن السياسي الفج، فأنا اظن ان السياسي محرك بصورة اساسية من الثقافي.

* من اجواء الرواية يظهر انك تعالقت مع الحركتين الاجتماعية والسياسية الا انك الآن لا تجزم بشكل سياسي يحدد ما هو الهدف من هذه الرواية تحديدا وما هي الفكرة التي تطرحها بخصوص هذه المدينة دون ان تلجأ الى تلبس ادوارد سعيد كشخصية تتحرك بأفكارها ضمن هذا الاطار؟

- بالتأكيد لا يمكن الحديث اليوم عن رواية غير مقروءة ، الرواية لم تنشر بعد ولا يمكن تلخيصها. ففيها الكثير من المعاني الاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية والتاريخية ، فمن سنتين وانا ابحث عن كل نص كتب عن القدس، من رحلات المستشرقين الى النصوص التاريخية، لقد درست المدينة من كل جوانبها، لم اترك نصا دون ان اعود اليه ،لقد عدت حتى الى الاعلانات السياحية، الى الخرائط ، الى العملات ، الى المقابر، اسماء الساكتين واسماء الموتى، دفاتر التلفونات، الشوارع الحديثة، الازياء الاسواق، مراكز الشرطة، اليوميات، كل هذا من اجل ان اكتب نصا عن مدينة القدس، وعن ادوارد سعيد.

ما يهمني كذلك افكار ادوارد سعيد وحياته وافكاره،اذا تريد ان تبحث عن معنى سياسي في الرواية، فإني لم اخرج عن المعنى السياسي الذي التزمه ادوارد سعيد طوال حياته، وهذا المعنى اتبناه انا، وتتبناه الرواية، ولكني اشك ان احدا قد قرأ ادوارد سعيد "الا القليل طبعا" ليعرف بالضبط المعنى السياسي الكامن في فكر ادوارد سعيد وحياته.

* دعنا نختصر للناس المعنى السياسي الكامن في فكر ادوارد سعيد كما تراه الآن؟

- من الصعب استخراج معنى واحد من فكر وحياة ادوارد سعيد المملوءة بالمعاني والدلالات الثقافية والفكرية ومع ذلك ان شئت فقد شيد ادوارد سعيد منذ كتابة الاستشراق مدرسة وتيارا هو ما بعد الكوليتالية في الثقافة الغربية والثقافة اللامثالية كما كان يطلق عليها ، ولكن لم يتأسس في العالم العربي اي رد فعل لافكاره وهذه حقيقة ، غير ان ادوراد سعيد تأثر هو الآخر بأفكار تبناها تيار ما بعد الكوليتالية يمثل مفهوم المنفى والهجنة ،والهجنة هنا هو ما يهمني الهجنة معناها نهاية الثقافة الواحدية، نهاية المدينة التي يملكها الواحديون والطهرنيون والذين يطردون منها ما يخالفهم دينا او عرقا او شكلا او هوية، الهجنة هي تدمير كل لوغوس، نهاية كل صفاء، بتر لكل نقاء، وتأسيس مجتمع الهجنة من المنفيين واللاجئين والمطرودين وبالتالي يتحول العالم كله الى ساكن ومنفي، الى متجذر ومقلوع ، ولكن يختفي فيه العرقية والطائفية والعنصرية.

* لماذا تمر الهجنة هذه عبر القدس ولماذا لا تمر في المدن الغربية الكبرى؟

- بالعكس المدن الغربية الكبرى هي المهددة اصلا بالهجنة تاريخيا وثقافيا واجتماعيا، وتاريخيا. اصبح الشك بملكيتها منذ كتابات هايدون وايت ثقافيا اصبح الشك بصفائها منذ ظهر ادوارد سعيد اجتماعيا، اصبح الزنجي والاسيوي هو الممثل لاوروبا في الرواية وكرة القدم وفي السياسة ايضا. اما القدس هنا فببساطة لأن ادوارد سعيد من القدس ولأن اليهود يأسسون لما اطلق عليه اسرائيل شاحاك نقل الملكية النصية لعرق او قومية.

* ولكن الهجنة التي تحدث في لندن لها مرجعية انجليزية حتى عند الزنجي اما الهجنة التي تحدث في القدس فهي سياسية بالدرجة تهدف الى تدويل المدينة والقضاء على حق الشعب الفلسطيني؟

- بالتأكيد ما تقوله صحيح، ولكن من جهة اخرى ان هذه المرجعية القائمة اليوم هي مرجعية مهددة غدا، العولمة التي هي شرط ضروري لنمو الرأسمالية العالمية تقوم على تقويض الدولة القومية، الغرب مهدد اليوم بنمو ديمغرافي اسلامي حقيقي ومن داخله ايضا هذا امر يخشاه السياسي ويحاول تقويضه ولكن المثقف يدركه ويغيره امرا تاريخيا نهائيا، اسرائيل لا مستقبل لها بالصورة التي هي عليه اليوم ببساطة، لأنها تنتمي بأفكارها الى عالم قديم الى عالم الدولة القومية والتي لن تستمر مطلقا في المستقبل.

   العالم سيتغير عما تصوره كانط للدولة القومية، وبالتالي فإن الحدود ستتلاشى، والجماهير ستهاجر، والثقافة سترقد حتما فيما ما يطلق عليه جاك اتالي القارة السابعة، طبعا هالك من يقاوم هذا الانفتاح التاريخي الجبار، وهناك من يقف ضده ولكني اعتقد ان العالم يسير اليوم الى البداءة المعممة والتي ستنهي اي ملكية عقارية لأرض او لأمة او لثقافة.

* لكأنك تطالب بوجوب التوقف عن ممارسة النضال السياسي لتحرير فلسطين بانتظار نذر العولمة وانهيار الدول والانفتاح التاريخي للجبار المنتظر؟

- عليك ان تعرف اولا انا احلل ولا التزم موقفا، ولكن من جهة المقاومة، فإن كل سلطة تفكر من جهة امكانياتها لا من جهة تحققها وبالتالي تغفل شرط المقاومة، نعم المقاومة ستحدث لأنها لا بد لها ان تحدث هنا او هناك او في اي مكان في العالم كما تقول "برباره هارلو" المقاومة تعيق السلطة ولكنها تطيح بنفسها وبالسلطة التي تقاومها ايضا، وهذا هو مفهوم العائق النضالي لا يقيم نفسه وحده ولكن من خلال السلطة ايضا، وهو بهذا لا ينتهي من حيث ابتدأ بوصفه الشكل المعكوس والمضاد انما المتطابق في جزء منه، وهكذا حركة الرفض تتحول الى نظام ثم تتحول الى بنية الى شكل ، ومن ثم تنهار بعد ان تولد ما ينقاضها والنضال يتبع حركة التاريخ ولا وجود لنضال معزول عن هذه الحركة وفي كل ما تقوم بهه لكن لو تسألني بصراحة هل النضال السياسي هو الذي يحرر فلسطين ويحررنا بالاحرى ، سأقول لك لا، نحن سنتحرر بفعل الرفض الدائم الذي ننتجه يوميا ضد الطغيان، والقبول الدائم الذي ننتجه لقبول حركة التاريخ والحداثة والحياة، لا وجود لحركة رفض دائمة استطاعت ان تحقق ديمومة رفضها الا ووصلت الى الخراب وقبول الحياة والحداثة والكلام المحرر هو الذي يحررنا.

اما عن حركة الثقافة الدائمة والحرة والاصلية من وجهة نظري هي التي ستستثمر هذا التحول التاريخي، ولكن المشكلة ان السياسي في عالمنا لا يتبع الثقافي، وهنالك مشكلة حقيقية في الثقافي، فكلا السياسي والثقافي يتبعان الجماهيري، وهي القوة العارية عن الثقافة والسياسية، وهذه مشكلة حقيقية.