جون باسكال دوبايول: الحكاية الشعبية تحدثنا عن حياتنا الجوانية

الكاتب جون باسكال دوبايول - (أرشيفية)
الكاتب جون باسكال دوبايول - (أرشيفية)

مدني قصري

عمان - يرى أن الحكاية الشعبية تحدثنا عن حياتنا الجوانية، وتجسد سيرورات نفسية يختبر الكائن البشري نفسه من خلالها، ويتطور بها نحو تحقيق الذات الكامنة. كان دائماً يؤكد أن الحكايات الشعبية الأسطورية تندرج ضمن أغلى كتب الحكمة في الغرب... اضافة اعلان
لكن هذه الحكايات لم تستقر على الورق إلا منذ عهد قريب على يد مؤلفين أمثال غريم Grimm. وهنا يضيف "لكنّ إلهام هذه القصص يعود إلى العصور الغابرة، وهي تتناول كل المواضيع الأسطورية الإنسانية الكبرى. لكن هذا ليس كل شيء. ففيما وراء الحكايات الشعبية الآسرة (وهي شرط أساسي لضمان ديمومة التقليد الشفوي) نلاحظ أن الحكاية الشعبية التقليدية مبنية وفقاً لنموذج واحد ثابت.
والحال أن هذه البنية نفسها منسوخة عن النفس البشرية العميقة. إن الحكايات الشعبية تحدثنا عن حياتنا الجوانية، فهي ليست سوى تجسيد لعمليات نفسية يختبر الكائن البشري نفسه من خلالها، ويتطور في سعيه لتحقيق الذات الكامنة. ولمّا كانت هذه الحكايات تصف سيرورة الكمال (تحقيق الذات) فهي تبدأ بداية سيئة أو مشؤومة، وتنتهي نهايةً سعيدة. 
إنه جون باسكال دوبايولJean-Pascal Debailleul الكاتب الأديب المتخصص في الحكاية الشعبية الأسطورية، وهو محلل نفسي، ورجل قانون، وصاحب طريقة في تحويل الذات الكامنة (المكبوتة) بواسطة لُعبة تضم مجموعة من 52 حكاية شعبية نمطية قام باختيارها بعناية فائقة. فهو يعلّمنا منذ 15 عاماً كيف ننتقل من القصة الشعبية إلى الواقع، وكيف نترجم هذه المعرفة في حياتنا اليومية بواسطة تمارين مستوحاة من الحِكَم الشعبية الأسطورية التقليدية القديمة، ومن علم النفس المعاصر.
أصدر جون باسكال دوبايول كتاباً يشرح فيه طريقته، تحت عنوان "كيف نعيش سحر الحكايات الشعبية الأسطورية"، وكتاباً عملياً آخر عن طريقة تطبيق "التزامن" synchronicité بواسطة الحكايات الشعبية، تحت عنوان "تحقيق الذات عن طريق سحر التزامنات"، وكتاباً ثالثاً "نفَس ذهبي" عن لعبة الوسائط الروحية تحت عنوان "لعبة طريق الحكايات الشعبية". ومن رهانات هذا الباحث وصاحب الرؤى أن تطبيق هذه اللعبة على حياتنا تساعدنا على رؤية ذواتنا الكامنة بوضوحٍ. وهناك على ما يبدو بنية مشتركة ما بين كل الحكايات الشعبية، وهذا ما يوضحه لنا الباحث إذ يقول "تتضمن هذه البنية أربعة عناصر أساسية". ففي الحكايات الشعبية نجد المَلِك، أي وعْينا الأعلى الذي يقترح تحدياً أو تقصياً قد يبدو على العموم، أمرا متعذراً تحقيقه (قتْل التنين الذي يزرع الرعب في المنطقة، مثلا). ثم يأتي البطل الذي يمثل وعينا اليومي بشكوكه، والذي يمثل أيضاً قلبنا (في صورة كُبّى اللعبة)، وهو أساسي، لأن البطل في الوقت الذي يقبل فيه بالشروع في البحث والتقصي بكل ما يملكه قلبه (في صورة الكُبّى) من قوة وإصرار لا رجوع فيه، قلت في هذا الوقت تحديداً يلتقي هذا البطل في أعماق ذاته بالإمكانات التي لا حد لها، ممثّلَةً في الجنّيات الساحرات اللواتي يمثّلن العنصر الثالث في هذه البنية. والحال أن هذه الجنيات اللواتي يجعلن كلّ شيء ميسوراً وكأنه المعجزة، يمثلن في واقع الأمر نموذجنا في تحقيق الذات، وبرنامجنا في النمو النفسي الجواني: نتصور، مثلا، أننا حبات البلوط، في حين نحن شجر البلوط نفسه الذي ليس له من رغبة سوى أن ينشر أغصانه وثماره. فإنْ نحن لمسنا هذا النموذج حقاً من خلال قراءتنا لهذه الحكاية الشعبية فإن أحداثاً كثيرة سوف تظهر لتساعدنا على تحقيق الذات التي نصبو إليها: اللقاءات، الصّدف السعيدة، التزامنات. أما العنصر الرابع أخيراً فهو الكلّ المتكامل، أي الكون في صيرورته الشمولية. لأننا لسنا وحدنا على هذه الأرض، وهو ما يعني أن إشكاليتنا الشخصية مرتبطة بإشكاليات آخرين كثيرة. فكما هو الشأن في الحكايات الشعبية فإن مغامرتنا الشخصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا "المملكة" التي نعيش فيها، ومرتبطة بالمصلحة العامة. وحين نصل إلى تحقيق الذات هذه فإننا في الواقع نكون قد أتحنا للحياة بأن تحقق أهدافها الإبداعية من خلالنا. ولهذا السبب نرى مجموع الكون مهتماً ومعنياً بنجاحنا، وعلى استعداد لأن يقدّم لنا يد العون والمساعدة. فهذه الفلسفة تحديداً هي التي تتناولها الحكايات الشعبية الأسطورية، وتقترحها على الإنسان منذ القدم. فهي بذلك نموذج للكمال (تحقيق الذات) تُعِدُّه لنا إعداداً صارماً".
إذن نلاحظ أن الباحث يُحوّل النموذج الأسطوري إلى طريقة للاستكشاف، ويحوّل هذه الطريقة إلى لعبة بسيطة، ويوضح لنا هذه الحقيقة قائلا: "في كتابيّ الأول والثاني رحت أستكشف الحكايات الشعبية، وأتدبر الكيفية التي يمكن أن نطبّق بها الحكاية الشعبية على حياتنا. كتابُ "لعبة الطريق إلى الحكايات الشعبية" يقترح ببساطة أن نواجه حياتنا، وأن نعيشها على نحو ما يعيش بطل الحكاية الشعبية حياته. كيف؟ بالإفصاح عن مساءلاتنا وانشغالاتنا الحالية، وبدفعها نحو التطور، مع إخضاعها لبنية الحكاية الشعبية الشاملة، في مراحلها الأربع".
فمن خلال هذه اللعبة التي تضم كما رأينا مجموعة من 52 حكاية شعبية نمطية تكون البداية في البحث والاستكشاف، إذ يقول صاحب هذه اللعبة المثيرة في هذا الشأن "البداية تكون بسؤال نطرحه ليجيب عنه "وسيطُ الحكاية الشعبية". أما عمليا فتتلخص لعبة الاستكشاف في الخطوات التالية: يطرح أوّلا السؤال ثم يجري السحب الذي يمنحنا واحدة من الحكايات الاثنتين والخمسين. ومن خلال هذه الحكاية نتعرّف على رسالة الحكمة فيها، الموجهة إلينا. فعند هذا الحد ترتبط الرسالة بالمستوى الأول من الحكاية، وبمستوى سؤالنا الشخصي، إذ يكون الأمر في غالب الأحيان مرتبطاً بأمنية محددة، أو بنقصٍ ما، أو بشيء نتمنى تغييره (ويحب أن لا ننسى هنا أن الحكايات تبدأ دائماً بشؤم). ثم، ننتقل بعد ذلك إلى المستوى الثاني من الحكاية، لكي نكتشف، بعد سحْب ثانٍ للورق، الرهان الحقيقي الذي يقف وراء سؤالنا المطروح: ما هو نموذجنا الشخصي في النمو؟". ولعلنا نتساءل هنا أي نوع من الأسئلة ينبغي طرحها في هذه اللعبة حتى نستفيد من دروسها، وهنا يجيبنا الباحث بالقول "إنه بالإمكان أن نطرح أي سؤال قوي نحتاج فيه إلى حكمة معينة. فكل الأسئلة مقبولة شريطة أن تكون صادقة وصريحة". ذلك لأن مثل هذه الأسئلة في الواقع ليس سوى التعبير عن أسئلة أخرى أوسع وأعمق، ونموذجٍ لأسئلة كامنة في أعماقنا تتصل مباشرة بتحقيق ذواتنا الكامنة الكاملة، وتنتظر جواباً منا". وفي هذا الصدد أيضا يضيف الباحث موضحا: "اللعبة مرآة تقودنا، من خلال توعّيات متتالية، إلى ذلك البعد الأساسي الذي يمنحنا القدرة على مسك خيط تاريخنا الذاتي الحقيقي الكامن في أعماقنا، ذلك البرنامج المتضمن تحقيق ذاتنا الكامنة، أي ذلك الكمال الشخصي الذي تحدثنا عنه آنفاً. وعلى غرار بطل القصة، سنتوجّه، خطوة خطوة، نحو ذلك الكمال، أي إلى تحقيق الذات الكامنة فينا". لكن هناك بالتأكيد موقف جواني مطلوب في مثل هذا الغوص في أعماق الذات، وهذا ما يؤكده لنا الباحث قائلا: "في البداية ثمة إيمان (يقين) أساسي أقول فيه: سألتزم باللعبة كلياً، وألتزم بأن أكون صادقاً، وعل استعداد لأن أعيد النظر في الأشياء عند الضرورة. منذ هذه اللحظة ينشأ عندي نوع من "الإصغاء" يجعلني أدخل في حالة من البحث والاستكشاف. وعندها أتلقى مقدّمات أجوبة عن أسئلتي المطروحة. لكنْ، ومنذ أن نبدأ في تعميق أسئلتنا إلى حدّ مساءلة تاريخنا الحقيقي سنصطدم بالعديد من الكوابح اللاشعورية، إذ ستطفو على السطح، أي على مستوى ذاتنا الواعية، المخاوف المكبوتة فينا (ممثّلة في أغوال الحكاية الشعبية)، وتظهر تصورات الذات والعالم التي تقيّدنا.. فنواجه، ذهنياً، كلّ ما يسعى في داخلنا لأن يمنع نموذجنا الحقيقي في النمو من أن يظهر ويطفو. إنها الاختبارات التي تحدد معالم مسار بطل الحكاية الشعبية، ومسارنا نحن على السواء".

[email protected]