حوار مع المخرجة اللبنانية سهام ناصر

حوار مع المخرجة اللبنانية سهام ناصر
حوار مع المخرجة اللبنانية سهام ناصر

مخرجة لبنانية ترى أن "المبادرات الفردية صنعت المسرح في لبنان"


ناصر: اشكالية الكاتب والمخرج في العمل معركة القرن الماضي والحاضر

اضافة اعلان

 

        كوكب حناحنة

عمان-  ترى المخرجة اللبنانية سهام ناصر ان اشكالية الكاتب والمخرج في العمل المسرحي هي معركة القرن الماضي والحاضر،معتبرة ان العمل المسرحي في محصلته النهائية هو نص الخشبة، لافتة الى رغبة المخرج في الاستئثار بالعملية المسرحية بمجملها من حيث صياغة السينوغراف وغيرها من العمل المسرحي.

    وتؤكد انه ورغم وجود تحد يواجه المسرح اللبناني يتلخص بعدم وجود فرق مسرحية، وعدم رعاية الدولة للفعل المسرحي بشكل جدي، إلا أن المبادرة الفردية صنعت مسرحا في لبنان يواكب ما يعرض في العالم، مشيرة ان الحالة المسرحية في لبنان متفردة.

المخرجة اللبنانية ناصر زارت الاردن مؤخرا وشاركت في ندوة"مستقبل النص المسرحي" التي اقيمت مؤخرا ضمن فعاليات مهرجان عمان الثقافي الاول بورقة عمل حملت عنوان"نحو فعل مسرحي رؤيوي"، "الغد" التقتها وكان معها هذا الحوار.

      ترين ان ثمة فجوة بين التحصيل الاكاديمي والعمل المسرحي على ارض الواقع ، باعتقادك كيف يمكن تجسير هذه الفجوة؟

 دراستي في الجامعة الاميركية الكاثوليكية والتي كانت في مجال الاخراج صقلت موهبتي بشكل حقيقي، فطريقة التدريس في الجامعة واسلوبها الذي يعتمد العمل والانتاج والتحليل لمجمل العملية الاخراجية باعتقادي هو من قادني الى اتخاذ خط ومسيرة مختلفة في الفن المسرحي، ولذلك وعند عودتي إلى لبنان قررت ان اتأنى في مواصلة مشواري العملي، سواء كان اخراج عمل مسرحي بشكل فردي أو بالاشتراك مع مخرجين آخرين، كان بداخلي اسئلة كثيرة فالواقع اللبناني الذي نعيشه على الصعيد السياسي لا يمكن الاجابة عليه سواء في مسألة الانتماء أو موضوع الديمقراطية، فيما بعد اخترت ان اقوم بعمل يقترب من المختبر أو ورشة عمل مع الطلبة الذين اقوم بتدريسهم في الجامعة اللبنانية، واشتغلت معهم على المستوى الكلاسيكي، وباعتقادي هذا مهم للتعرف على واقع المسرح لنقرر ماذا سنعمل، وجاء قراري بالاشتغال على الممثل وكونت منهجي لاعطي للطالب المسرحي امكانية استعمال طاقته على اقصى درجة ومن هذا المختبر دخلت الى العروض الخارجية.

* ماهو العمل الذي كان فاتحة اعمالك في لبنان وكيف اشتغلت على النص والاخراج؟

اول عمل قمت بالاشتغال عليه كان في العام 1992 بعنوان"الجيب السري" وهو عن رواية "الحلزون العتيد"  للكاتب الجزائري (رشيد بوجدرة) الذي  يعيش في فرنسا، واعتبره نقاد لبنانيون انه اهم عمل قدم خلال 25 عاما في الشرق الاوسط، اشتغلت فيه على كتابة نص المسرحية عن الرواية، وشدني اليها الموضوع الانساني المتجذر، الذي يرسم دواخل الانسان العربي البسيط؛ هذا المواطن الذي يحمل بين ثنايا روحه الخوف الى درجة الهوس من الآخر، هذه الثيمة شدتني لارتباطها بتجربة حرب عشتها اعواما طويلة ولدت خوف من الحدث ومن الآخر، رغم انها لا تحمل مفردة لغوية واحدة عن الحرب، لكنها تحكي تفاصيل هذه المعاناة، وضاعفت بطل هذه الرواية البسيط مرات عديدة،فيما اعتبره اخرون يقارب النوتة الموسيقية متعددة الاصوات.

    كانت هذه هي التجربة الاولى بعد الدراسة فهل فتحت افاقا جديدة في عالمك الاخراجي؟

بعد هذه المسرحية قررت وحتى لا اكرر نفسي، ان انتظر فترة من الزمن حتى اقدم عملا اخر، كان ذلك لسببين اولهما التحضير للعمل من ناحية ومن ناحية اخرى لاؤمن انتاج العرض الجديد، فجاء عرض"ميديا.. ميديا" عنوانه يحمل التكرار ومتنه ينطق بالتكرار، وذلك لفتح افق غير واقعي لدى الجمهور، لان الواقعي ملموس، والفن يذهب للمجاز بلغة مسرحية حتى نفتح اذن وعين المتلقي ليكون متحفزا لمتابعة العمل.

    وعرض"ميديا.. ميديا" عصري وتجريبي بطلته امراة من عائلة مالكة، تقع في حب رجل من سلطة معادية هو"ريبوروس" وتترك الملك من اجله، وتصبح مجرد امراة له وتوهبه كل حياتها، ولكنه يقرر ان يكون صاحب سلطة فيخونها ويتزوج باميرة، غضبها عليه يقودها للقصاص منه بقتل اولادها.

    الهدف من وراء الحكاية الذهاب إلى حذافير الحكاية لكسر السرد الذي حصل في عرضي السابق "الجيب السري".

* كيف يمكن للمخرج ان يكون مجربا ويعتمد في الوقت ذاته على نصوص من المكتبة العربية؟.

من وجهة نظري ان كل فنان تجريبي لفترة زمنية معينة، فالمسرح حوار مع عامة الناس وليس للنخبة فقط، وأتمنى ان تكون هذه رسالة كل فنان لنحقق جمهورا للمسرح، فالمعاني التي نقولها هي ذاتها والحكايات ذاتها بالحالات الانسانية المختلفة، وبالمحصلة لا يهمني المرجع الذي استند عليه في تكوين رؤيتي للعرض سواء كان هذا المرجع رواية عربية أو أجنبية، والمسرح كتابة فيها بحث فني تتناول المادة من اليوميات وحكايا الناس ممكن ان تؤخذ من مقال بالجريدة ممكن تولف عليها او مرجع واحد او عدة مراجع، شكسبير كان يعود لعدة مراجع ومن مصادر متعددة يستقي نصه المسرحي.

    في العمل الاول لك" الجيب السري" رسمت طريقا اخراجية، هل واصلت هذا النهج في عروضك الاخرى؟

في آخر عمل قررت أن أكون عنيفة لكسر توقعات الجمهور وتشكل للاخر صدمة، فأي عمل جديد هو طريق ثاني، اشتغلنا انا ومجموعة كفريق واحد، كل منا ذهب لمرجع واتفقنا على الثيمة الاساسية للعمل؛ لان الهدف عمل كتابة لها علاقة بخشبة المسرح للوصول إلى نص مغامر، فالظروف في كثير من الاحيان تدفعك لان تثوري وان تعبري عنها، كلنا اشتغلنا على هذا المستوى وخلال جمع هذه المادة اصبحنا نعمل الحبكة ورسمنا البداية والنهاية، ويدور العمل"كلون هون" الذي تناولناه حول وحشة الانسان بهذا الزمان الصعب دون الحديث عن هذا الواقع بشكل مباشر،والمسرحية نابعة من تساؤلات كل فرد منا، والاساس الذي اعتمدنا عليه كان لنصوص متعددة لـ"صموئيل بكيت" شاعر المسرح والهموم والمعاناة الانسانية، وذهبنا فيه للموروث العربي، من خلال الايقاع الموسيقي وبالذات رصيد الراحلة ام كلثوم، واحتضن توثيقا صوريا لكوارث بشرية حقيقية ولبعض رجالات السياسة الذين أوصلونا ألى ما نحن فيه في هذا الزمن الصعب صورة مارلين مورنو وجدت فيه لتحكي ان فعلها اجمل من الكثيرين من رجال السياسة، ولغياب امكانات عرض المسرحية في لبنان فقد تم عرضها ولاول مرة في افتتاح الدورة السادسة عشرة لمهرجان القاهرة وحصل على جائزة افضل عمل.

هذه التجربة كانت مهمة للغاية كونها تجمع "نتف" من حكايات الناس وقساوة العيش، وكان الشغل على الايقاع الجسدي هو بمثابة الهيكل العظمي لهذا العمل، النص جسد والحركة بالفضاء فعل .

يدور الحديث منذ فترات طويلة على الساحة المسرحية العربية حول فكرة المؤلف ورؤيا المخرج، الى أي مدى يمكن للمخرج ان يفرض رؤيته على حساب النص؟

ان نص المؤلف ونص المخرج هي معركة القرن الماضي والحاضر، والنص الاصلي اخذ يحمل نصا جديدا هو نص خشبة المسرح، واصبح المخرج هو السينوغراف والكاتب لهذا النص طامعا في السلطة بلا منازع، اصبح الاطار وعاء يلعب دور العناصر الاخرى وغدا كنص يحمل معه هويته ونصيبه من المعاني، من هنا بدأت تتحرر كافة العناصر المكونة للعرض بدءا من النص والفضاء والاداء، منطلقة من التلقي ليكون المشاهد فيها هو حجر الزاوية ليسد الثغرات او يخفف الامتلاءات الزائدة لتغدو "المسرحانية" هنا تساؤلا حول المعنى بقدر ما هي انشاء له. اننا نعيش عصر العولمة الذي اصبح فيه المجتمع غير مهتم بالمثالية وليس للاسطورة أي معنى، ان النص المسرحي المعاصر كانما هو "هو في انتظار جودو" .

في ظل الظروف التي عايشها اللبنانيون ما هو الواقع الذي يمر به المسرحيون في لبنان هذه الايام؟

المسرح في لبنان قابل للتطور، في فترة الستينيات اعتمد رواد المسرح اللبناني على الريبرتوار العالمي وكان شغلهم اقتباس،وتكمن الاهمية في هذه المرحلة انهم خلقوا جمهورا جديا يرتاد دور العرض في المدن، واثناء الحرب اشتغلت مع اخرين بأكثر من عمل لنحافظ على بقائنا في المعنى الانساني، وقمنا وبناء على فكرة د. رئيف كرم وعادل فاخوري بعمل طواف مسرحي شارك فيه200 فنان ومؤد وراقص، ونحات، وكلنا اشتغلنا بورشة عمل لصنع احجام ضخمة  لتعبر عن استيائنا  من بشاعة الحرب في بيروت، سرنا في هذا الطواف وبالشوارع المجاروة لعمليات حربية، وكانت تجربة هامة وكنا سعيدين بالمشاركة فيها،وقمن باخراج أول عرض تشكيلي وتجريبي يحدث في لبنان والعالم العربي، الشغل فيه لغة جديدة تكاد تكون متطرفة، اردنا العمل بلغة نابعة من تجربتنا في زمن الحرب، وحمل عنوان"تقاسيم في فصول الحرب" واسمه الشعبي"شاشة طايسة" ويحكي في مشاهده المختلفة عن يوميات الحرب وبشاعتها باسلوب متهكم وساخر.

المسرح بعد الحرب كان لجيل جديد من الشباب وكان معظمهم خريجين من طلابنا في معهد الفنون الجميلة، خلقوا لغة جديدة فذهبوا من التقليد والكلاسيكي باتجاه ايجاد لغة عصرية تعبر عن طموحاتهم الشبابية، ورغم وجود تحد يواجه المسرح اللبناني، يتلخص بعدم وجود فرق مسرحية، وعدم رعاية الدولة للفعل المسرحي بشكل جدي، إلا أن المبادرة الفردية صنعت مسرحا يواكب ما يعرض في مسارح العالم، والحالة المسرحية اللبنانية باعتقادي انها متفردة، ومشاركاتنا في لبنان وخارجه أكبر دليل على ذلك، المشكلة التي تواجهنا الآن هي غياب الفرق المسرحية.