حوار مع محمد العامري

حوار مع محمد العامري
حوار مع محمد العامري

 يطرح الشاعر والتشكيلي محمد العامري في هذا الحوار جملة من القضايا الفنية والجمالية التي تتعرض لها عملية الابداع ،مركزاً على ان الابداع يعاني من مجموعة من الرقابات المركبة مثل رقابة البيت والمجتمع والمؤسسة الدينية ،وصولاً الى المؤسسة السياسية. الامر الذي يجعل المبدع وكأنه يتحرك في حقل مليء بالالغام والمحرمات.

اضافة اعلان

ويرى صاحب مجموعة "قميص الحديقة" ان ادوات المنع موجودة في كل مكان بوصفها وصية على الاخلاق الوهمية التي لم ترد اصلاً في النص الديني لافتاً الى انه سبق ورسم اعمالاً فنية تتحرك ضمن دائرة توظيف  المرأة في اللوحة "كموديل" ولكنه لم يستطع عرضها في الصالات العربية.
 
*دعنا نتحدث بداية عن اعمالك الفنية ومجموعتك الشعرية الاخيرة "قميص الحديقة" ...

    مجموعة "قميص الحديقة" هي امتداد طبيعي لمجموعة "بيت الريش" ولكن بصورة اكثر صفاء وخبرة في التقنية الشعرية ،وهي جزء من اخلاصي الحقيقي لفكرة المكان الاول. بالنسبة لي شخصياً  اعتقد أن ضميري الشعري هناك ،حيث القرية والبيوت الملتحية بالعشب، ورائحة الطين واصوات الحيوانات ،والمشاهد البصرية المفتوحة .لذلك اجد بأنني غير مهتم بايقاع المدن، ويبدو لي انها الحوار الدؤوب بين فكرة العين المفتوحة والعين المغلقة واعتقد ان القرية ساهمت في انتاج روح البرية التي لم تتصالح ابداعياً مع غابات الاسمنت والايقاعات السريعة ،حيث تتحرك هذه المجموعة عبر اجواء تأملية للارض الممتلئة بالحديقة ،وهذا الامر هو ارتباط قديم تشكل عبر علاقتي مع الارض .والارض هنا تظهر كتحولات متنوعة عبر فكرة المرأة والام والعشيقة والكون المؤنث.


     اما بالنسبة للاعمال الفنية فكانت اللوحة هي الجناح الاخر الذي احلق به عبر الخط واللون، وقد اخذت موضوعات القرية مساحة مهمة في اعمالي الفنية ،بعيداً عن المنطق التسجيلي وقريباً من الجانب التعبيري في مفرداتها. فالقصيدة واللوحة مساحتان من اللذة تتبادلان التعبير في حالات مختلفة حيث تأتي القصيدة غالبا في فصل الشتاء كما لو ان الشعر مرتبط بالماء. اما اللوحة فتظهر في مساحة الشمس اي الصيف ،وهذا المزاج اصبح سياقاً خاصاً في تجاربي الفنية والشعرية.


*برأيك لماذا جاءت مجموعة قميص الحديقة اكثر خبرة من مجموعة بيت الريش?

     انا اعتبر كل ما افعله هو عبارة عن مختبرات في منطقة اللغة والصورة ،وانا لا اقدس كل ما اقوم به طموحاً مني بانتاج شيء مخالف ويمكث طويلاً في الارض الابداعية. واعتقد وحسب رحلتي مع قميص الحديقة بأنني قمت باختبارات عديدة لهذه المجموعة، عبر المحو والتمزيق والاختزال كتمرين ثقافي محكوم بالنقد الذاتي الصارم ،الذي يؤسس لجدوى ما لطباعة كتاب او اقامة معرض. واحس ان هذه المجموعة استطاعت ان تعبر بصورة اكبر عن قدرتي الشعرية من حيث عمارة القصيدة وتثوير موضوعاتها بصورة ابداعية معقولة.


*كشاعر وفنان هل تعتقد انك الان ضمن حياة المبدع الخلاق في حرية ما تقول وما ترسم?

     انا مثل اي مبدع في عالم عربي يعاني من مجموعة من الرقابات المركبة رقابة البيت والمجتمع والمؤسسة الدينية  وصولاً للمؤسسة السياسية كما لو اننا نتحرك في حقل مليء بالالغام والمحرمات, ونستطيع ان نلمس ذلك في صحافتنا  اليومية العربية حول صدور اخبار عن منع كتب من الصدور وتقديم مبدعين للمحاكم الدينية التي توجت نفسها وصية على الاخلاق الوهمية التي لم ترد اصلاً في النص الديني الاصلي.


فقد سبق لي وان رسمت اعمالاً فنية تتحرك ضمن توظيف المرأة في اللوحة كموديل، ولكنني كبقية زملائي لا استطيع عرضها في صالات عربية الا من خلال مؤسسة اجنبية لها حمايتها الخاصة, هذا الامر الذي ينطلي على كليات الفنون, فطلاب كليات الفنون ينهون دراستهم دون التعرف على فكرة الموديل وحساسياته الجمالية, وكأننا نمارس ابداعاتنا على حافة الاشياء دون الدخول في جوهرها.والشيء الاهم ان مجموعة التراكمات الاجتماعية والدينية استطاعت ان تقصف دواخل الانسان، عبر انتاج رقابات خاصة ساهمت في تطويق العقل وانفتاح النص على افق الحياة ،ونقدها بصورة موضوعية. القضية لها علاقة بتركيبة المجتمع والمؤسسة الثقافية التي لم تدخل حتى الان الى حافة المغامرة في انتاج حالة مناخية مناسبة لاطلاق الحريات, فنحن نتكلم عن الحرية لا في الحرية, لذلك نحن نعيش كموتى نتحرك عبر اطواق من غير المسموح لمسها او مناقشتها .علينا ان نفتح باب الحرية على مصراعيه لاعطاء فرصة التفكير والفعل الانساني الخلاق, على خلاف ذلك سنبقى نتحرك داخل منطقة (الشبه) والشبهات الزائفة.
   
     فقد شعرت بالحرية الكاملة اثناء وجودي في المانيا, حيث المجتمع المسالم المفتوح على الحياة دون ريب او شك, واستطعت ان اقدم ما اريد على صعيدي الكتابة والرسم, فقد اتيح لي رسم مجموعة من الموديلات التي كنت احلم برسمها هنا, وفي قراءتي التي نظمتها دار الاداب في ميونيخ كنت المدافع عن صورة الانسان العربي وكثير من الاحيان كانت اجوبتي مشفوعة بالامل بالتغيير واللحاق بركب الحضارة لفعل شيء في هذا العالم, الى جانب ذلك هناك تقصير واضح من وسائل الاعلام العربية والسفارات في اعطاء صورة حضارية عنا. والاستفادة من استعدادات الغرب لبناء ذلك الحوار, فلم اجد في المانيا كلها مركزاً ثقافياً عربياً يعطي فكرة ولو بسيطة عن ما نفعله هنا, وعندما اقارن بين حياة المبدع هنا وحياته هناك اجد الفارق الشاسع بين طرائق تفكيرنا وطرائق تفكيرهم, حيث تقوم المؤسسات الثقافية هناك بعمل دؤوب لتوسيع فكرة الابداع والتعريف بالمبدع وافكاره, فالمتأمل للمشهد العربي في الغرب يلحظ بشكل جلي الفارق الخطابي بين الخطاب السياسي التسويقي وبين واقع الصورة, فنحن ظاهرة كلامية كما يقول الجابري. والملاحظة الاخرى ان المثقف العربي المقيم في الغرب اصبح يشكل مادة سبابية جديدة تجاه الخطاب العربي, فأصبح عبئاً جديداً على الصورة المشوهة اصلاً للعربي, فلم المس انتماء حقيقياً من قبل المثقف الغربي من اصل عربي تجاه قضايانا, كما لو ان هذا المثقف قام باعادة انتاج ولاءات جديدة, غير مطالب فيها.

 

*دعنا نتحدث عن المدونة النقدية ولماذا برأيك اغفلت جيل التسعينات?

      منذ البوادر الاولى للحركة النقدية في الاردن كانت تلك الحركة كمثيلاتها في العالم العربي حيث تهتم بصورة الكاتب  النجم لان نصه يشكل فضولاً نقدياً ولذة من نوع خاص, واعتقد ان ذلك مبرر الى درجة معينة, ولكننا نعاني من متابعات النقد للاسماء الجديدة حتى لجيل الثمانينيات والتسعينيات واعتقد ان السبب يعود الى عدم وجود خطاب نقدي مغامر للنظر في تلك النصوص وغالباً ما تأتي الكتابات من قبل كتاب عرب, دون اغفال بعض الاسماء المهمة نقدياً في الاردن امثال الدكتور خليل الشيخ وفخري صالح وآخرين, لكن ذلك غير كافٍ, الانتاج حالة نقدية متابعة ،ومراقبة لتطور النص ووضع حد لانتشار النصوص الرديئة, كذلك استطيع ان اتعرف على تلك الحالة من خلال المبدع نفسه الذي نصب نفسه في كثير من الحالات كشيخ عشيرة ليضع حول ابداعه طوقاً صلباً كخط دفاع عن ذاته, وقد حدث ان مثقفاً قد هدد بعشيرته ناقداً حاول ان يضيء مناطق الخلل في نص ذلك المبدع, اذن المسألة اكبر من النقد, المسألة تتعلق بالحالة الصحية ذاتها وتقبل النقد اي التحرك عبر فضاء الفعل الديمقراطي بعيداً عن المسائل الشخصية, حيث يفهم النقد كانتقاص من قيمة الشخص نفسه لا قيمة النص فهناك خلط بين الشخص المنتج للنص والنص ذاته, مما جعل كثيراً من النقاد يتراجعون عن تناول الكثير من الكتابات دون اغفال التقصير في هذا الجانب فالناقد مناضل حقيقي يجب ان يدفع ثمن نقده تماماً كالمثقف الخلافي في اي مجتمع. واذكر تماماً ان الناقد فخري صالح قد قام بنقد بعض الروائيين الشباب فقاموا بمهاجمته في الصحف والمجالس الثقافية, كما لو ان المبدع يطالب وبشكل خفي بنقد يصب في خانة المدح والاطراء.


* ماذا تقول في دعم المثقف الاردني.. وخطط النشر وترجمة الابداع الاردني في الخارج?

       - اعتقد ان موضوعة دعم المبدع والابداع قد سبق طرحها في ندوات ومؤتمرات ثقافية كثيرة ولكننا مازلنا نمكث في المنطقة التقليدية لهذا الدعم, والسؤال الاكثر اهمية هو كيف تستطيع وزارة الثقافة ان تدعم مثقفا وهي تعاني من شح في الميزانية, فالمسألة لها علاقة بقرار الحكومة وجديتها في التعامل مع الثقافة واهميتها, وقد لمسنا في الحكومات المتعاقبة ان الثقافة آخر الاولويات لدى الحكومات, فوزارة الثقافة مثلاً تقوم رغم امكاناتها القليلة بدعم النشر والمشاركة في المؤتمرات والانشطة الخارجية وهذا غير كافٍ, ولا ننسى دور امانة عمان الكبرى ودارة الفنون (مؤسسة خالد شومان) ومؤسسة عبدالحميد شومان والمتحف الوطني الاردني للفنون الجميلة وبعض المؤسسات الاهلية الاخرى, من هنا اقترح ان يكون هناك تنسيق في مناطق الدعم بين تلك المؤسسات وان لا تقوم مؤسسة بتكرار الانشطة التي تقوم بها مؤسسة اخرى كحل مبدئي فمن اولويات الدعم باعتقادي هو انجاز دار نشر وطنية للترجمة وتسويق الاعمال الفنية بصورة مختلفة عما يجري, فقد اقترحت على دولة رئيس الوزراء باصدار قرار خاص تقوم الوزارات جميعها باقتناء اعمال فنية من الفنانين وصولاً للسفارات الاردنية في الخارج وقد بدت تلك البوادر بالتطبيق حيث تشرف على الموضوع الان وزارة الثقافة ورابطة التشكيليين ونتمنى ان تتوسع تلك الظاهرة لتطال المؤسسات الاقتصادية الاردنية من شركات وفنادق وبنوك فالمسألة لها علاقة بفكرة الاستثمار في الثقافة وهذا موجود في العالم حيث انتج هذا التوجه مصطلح "الاقتصاد الثقافي" بمادة معرفية تسهم في السياحة الثقافية, الى جانب ذلك لا بد من التعامل مع الفعل الثقافي بشكل جدي من خلال الايمان به وتنويره  داخل المنهاج المدرسي لتربية اجيال ذات انتماءات ثقافية واعية.


*هل ترى اي دور لمساهمة المؤسسات الوطنية في دعم الثقافة?

- اعتقد ان الاحساس العام لدى كثير من المؤسسات الوطنية بأن الثقافة لها تخصصاتها واماكن دعمها, واصبحت الثقافة مقرونة برابطة الكتاب والتشكيليين ووزارة الثقافة, وهذا فهم خاطىء جداً فالثقافة فعل يتحرك في جميع جوانب الحياة اليومية وكل مؤسسة مطلوب منها ان تسهم في تطوير هذا الفعل الخلاق بصورة تتناسب معها, فمثلاً وزارة التربية والتعليم هي المؤسسة الاكثر اهمية في بناء جيل ثقافي وعلينا ان نعيد النظر في المنهاج المدرسي بصورة حرة بعيداً عن الضغوط الظلامية التي تحدد صلاحيات اصحاب القرار بهذا الشأن, فوجود الانترنت يجب ان يدفع تلك المؤسسات بتغيير النظر تجاه المنهاج المدرسي والعمل على تطويره بما يتلاءم وتطور الحياة, فاذا نظرنا في المنهاج المدرسي مازال الطالب يدرس الاشعار الجاهلية وبعض النصوص التقليدية, انا مع ذلك ولكن يجب ان يكون بجانب تلك النصوص نصوص اخرى حداثية مغايرة لتلك النصوص حتى يتسنى للطالب معرفة جميع المدارس الشعرية, فالمنهاج منهاج موجه عبر افكار لا تتناسب والحياة ذاتها وصولاً لحظوظ حصة التربية الفنية اليتيمة في الاسبوع فهناك حلقة ناقصة بين المنهاج والحصص المدرسية والتخصصات الجامعية, اذن لا بد من دخول مغامرة التغيير والدخول في حركة العالم كفاعلين لا متفرجين.


      والعبء الواقع على مؤسسة رابطة الكتاب والتشكيليين عبء كبير جداً خصوصاً وانهما يعانيان من نقص دائم في الميزانية لاعتمادهما على دعم قليل من جهة واحدة, مما يحد من قدرة الرابطة على القيام بمهامها الثقافية, وانا كرئيس رابطة سابق كنت المس المسؤولية الكبيرة والمعاناة الدائمة من قلة الموارد وصولاً لعدم التفاف الاعضاء حول مؤسستهم .كل ذلك ساهم بانتاج حالة عميقة من الاحباط واللاجدوى, وللخلاص من هذا العذاب لا بد من ايجاد مؤسسة سبق وان طالبت بها رابطة الكتاب تحت عنوان( قرش الثقافة) او صندوق الثقافة لحل المسألة المالية لدى المؤسسات الثقافية وعلى خلاف ذلك سنبقى نتحرك في دائرة المشكلات ذاتها.


*ذكرنا حرية الكلمة وحرية الرسم ماذا تقول في الرقابة على الابداع بكل انواعها?

- نحن نعاني بشكل منظم من رقابات مركبة تستهدف حرية الانسان الحرية التي منحت له منذ حياته الاولى,  ورغم انفتاح الحياة وتطورها الاتصالاتي مازلنا نرزخ تحت وطأة التيارات الفكرية المشفوعة بالنصوص الدينية القاسية والتي لا تنتمي غالباً الى جوهر الدين ذاته, لقد اصبحت المؤسسة الدينية بمثابة مؤسسة رقابية نصبت نفسها دون رقيب, تماماً كما يحدث الان في مؤسسة الازهر الان رغم ان الازهر في بداياته  خرج منه العلامة مصطفى عبدالرازق الذي اعجب بفرنسا وحياة اهلها, فكان ازهريا متفتحاً على خلاف ما يقوم به الازهر الان في منع الكتب وتهجير المثقين من بلدانهم عبر التهديد بسيف الدين, وقد واجه بعض المثقفين في الاردن تلك السلطة مثل الشاعر موسى حوامدة, فبدت الظاهرة تتزايد حتى اصبحت سيفاً يسلط على التيارات المجددة والانفتاحية, ومازالت تلك القوى تمارس ضغوطها على طبيعة المناهج وكليات الفنون الجميلة في الجامعات علماً بأن النصوص الدينية قد جاءت لتشجع الابداع الخلاق ولم يرد نصاً صريحاً بتحريم ممارسة الفنون, وخطورة ذلك ان الاعراف الاجتماعية  قد ساهمت في تكريس مثل هذه الافكار بحجة المحافظة على القيم, فالمبدع يعاني من رقابة مركبة, رقابة المنزل ورقابة المجتمع والدين والجماعات العصابية واعتقد ان هذه الرقابات قد نتجت غالباً من باب خوفهم من الحوار ومناقشة الحياة وتجلياتها الانسانية, فكم من فنان وشاعر ما زال يمكث في الخوف ويغلق على نصوصه ورسوماته الحرة من سلطة تلك التيارات  التي ما زالت تؤمن بالثأر والقتل, واعتقد انه حان الوقت لاطلاق الحريات عبر الفعل والممارسة ومواجهة تلك القوى الظلامية في منطق الحوار والحياة وصولاً لدفع الثمن الابداعي لذلك, ونحن الان في زمن لا يقبل التواطآت والخذلان ولا بد لنا من اطلاق الحيوات الحرة لترميم الحياة من كآباتها وظلمها عبر قلة من الظلاميين. والسؤال هنا كيف يقبل هؤلاء الحرية داخل شاشة الانترنت والتلفزيون ولا يقبلونها في الممارسة تلك مفارقات تدعو للضحك والبكاء.


* كيف تلائم بين القرية والمدينة في لوحتك وفي شعرك واين تجد البصمة الاولى؟

    يبدو لي ان مسقط الرأس او مسقط ظل الكائن يشكل بصمة روحه الى الابد, كما لو ان الولادة تتعمد في رائحة المكان لتستقبله الحواس والجوارح ويصبح اسم الروح مستلباً لندائه الاول, فأنا من اولئك الذين تعمدوا في طين القرية, القليعات وهواجسها الخضراء, فقد ولدت هناك وألبسني اهلي قماش مقام عامر بن ابي وقاص كنذر لتواجدي في الحياة, انها العلاقة السحرية بين الغامض في الروح والواضح في شمس المكان, فالقرية واجواؤها مازالت تمكث في وتشكل سطوة عالية وحادة في اشعاري وكثير من رسوماتي, حيث احس بصدق اكثر عند الكتابة عن اجواء تلك القرى الرابضة في ابط الجبل.


* هل انت مؤمن بمسألة التداخل بين اللوحة والقصيدة?

     منذ ثلاثة الاف سنة في تاريخ الادب في الشرق والغرب وهناك علاقة وثيقة بين ما هو بصري وما هو شعري حيث يقول الشاعر الاميركي عزرا باوند:
(ان العمل الفني المثمر حقا هو ذلك الذي يحتاج الى مائة عمل من جنس ادبي اخر, والعمل الذي يضم مجموعة مختارة من الصور والرسومات هو نواة مائة قصيدة) فتداخل اللوحة والقصيدة حالة انسانية قديمة يتم عبرها التبادل بين النص الشعري والنص البصري والعكس, حيث اوحت كثير من اللوحات  المشهورة بقصائد كبيرة ونجد ذلك جلياً في قصيدة  الشاعر دومينيكوس لامبسونيوس في وصف لوحة (اغواء القديس انطونيوس) للفنان هيرونوموس وكذلك نص اخر للشاعر الفرنسي يتوفيل جوتييه في قصيدة له عن لوحة (بروميثيوس) للفنان خوزيه ريبيرا, الامثلة كثيرة على تداخلات الشعري والبصري, اما بخصوص تجربتي فهي مرهونة بالحالة النفسية والانفعالية تجاه التعبير عن تلك الحالة اما بنص شعري او لوحة فنية, وغالباً ما اجدني انحاز للشعر في فصل الشتاء حيث الاضاءة القليلة اما في فصل الصيف فانحاز للرسم اكثر ويبدو لي ان القصيدة بحاجة الى قليل من الظلمة واللوحة تحتاج الشمس, انها معادلة مرتبطة بقانون فيزياء الضوء والظل دون ريب, فقد سبق لي وان قدمت معرضاً كاملاً بعنوان فضاءات شعرية تناولت بلوحاته مجموعة من الاسماء الشعرية الاردنية ،وكذلك تجربتي مع الشاعر الراحل محمد القيسي في مشروع (لقاءات) فكما تعلم فالشعر داخل في السينما والمسرح واعتقد ان صنوف الابداع تتبادل فيما بينها كمتخذ متجرد يعطى حياة لكل فن، وقد لاحظت بان بعض قصائدي جاءت لتعكس تأثير البصري في الصورة الشعرية، واجد  ذلك في شعرية لوحاتي.


*كفنان هل لك ان تحدثنا عن مشاكل كليات الفنون في الاردن, ونضالها داخل الجامعات ومعاناتها من تدخل التيارات الحزبية في فهم فكرة الفنون?

    هذا سؤال مثير ومهم فأنا على دراية تامة  لما تتعرض له كليات الفنون في الجامعات الاردنية من مضايقات بل اضطهاد فكري من قبل التيارات المتزمتة التي تذهب الى تحريم الفنون واعتقد ان هذه الكليات تقوم بدور كبير في ايجاد مساحة في تثقيف الاجيال بموضوع منطق الصورة وجمالياتها وضروراتها وانا اجد ان طالب الفنون ما زال يرزح تحت وطأة ذلك الاضطهاد فلم يجد الفرصة المناسبة لممارسة عمله الفني على اصول تعارفت عليها كليات الفنون في العالم اجمع, فالموقف المأزوم الذي تتخذه التيارات الحزبية المتزمتة تجاه مادة الفنون تنطلق من وعي وهمي وغير صحيح فقد قرأت ابحاثا كثيرة تدلنا على عدم تحريم هذا الفن وصولاً للتشخيص وعلى رأس من كتبوا في هذا المجال الدكتور عفيفي بهنسي, فلا بد من كسر هذا الطوق والعمل على تنوير الطاقات الشابة للدخول في هذا المجال, حيث نتحرك الان في عالم الصورة سواء بمنطقها الجمالي او السياسي وصولاً لتسويق السلع التجارية, ونذكر هنا دور البوستر السياسي في روسيا واستنهاض الهمم للدفاع عن الوطن, فالفن يحمل رسالة خلاقة لا مجال لاغفالها, وانا دائماً اتبع فكرة الامل, ففي الجامعة الاردنية تحديداً كلية الفنون والتصميم بدأ المجتمع الاردني بالتفاعل مع هذه الكلية واعداد الطلبة في ازدياد دائم,  ونتمنى ان يدرك المجتمع اهمية هذه المادة بدءاً من المنهاج المدرسي وصولاً للمنهاج الجامعي. فمعظم حضارات الشعوب القديمة تقرأ وتفسر عبر الرسومات التي تركتها, انها مسألة في غاية الاهمية.


*كيف تنظر الى مسألة تسويق العمل الفني في الاردن?

     حين نتكلم عن تسويق العمل الفني يتبادر لذهني مباشرة المجتمع المدني بكل تجلياته, فلم ينم العمل الفني الا في مجتمعات منجزة, فنحن هنا في الاردن بدأنا عبر جهود مشتركة في اشاعة العمل الفني من خلال المتحف والمؤسسات المعنية بالفنون والفنادق والبنوك ولكننا بحاجة جادة الي ايصال رسالة الى الناس لتكون اللوحة ضمن تطلعاتهم لاقتنائها في البيت, لان حياة اللوحة على جديد يؤسس لثقافة بصرية جديدة وواعية ولا بد من توسيع رقعة المقتنين للعمل الفني.


واعتقد ان الوزارات الحكومية والسفارات عليها ان تتوجه لتجميل جدرانها باعمال فنية مهمة وكذلك المؤسسات الوطنية الاخرى, على خلاف ذلك سنبقى نتحرك في رقعة ضيقة لا تجدي ولا تغني من جوع, ومن اهم اسباب تسويق العمل الفني هو اشاعة الوعي الفني اولاً لينعكس ايجاباً على طبيعة الاقتناء ونوعه, فما زالت كثير من المؤسسات متخوفة من الاستثمار في العمل الفني, وهذا يحتاج الى قناعات جديدة لتطوير تلك الفكرة والطريق امامنا طويل جداً.