دراسة جدبدة تعاين خسارة الإخوان في الانتخابات وتدعوهم إلى تبني استراتيجية "الاحتواء"

دراسة جدبدة تعاين خسارة الإخوان في الانتخابات وتدعوهم إلى تبني استراتيجية "الاحتواء"
دراسة جدبدة تعاين خسارة الإخوان في الانتخابات وتدعوهم إلى تبني استراتيجية "الاحتواء"

عمان- يرى الباحث محمد أبو رمان أنّ هنالك اسباباً متعددة وراء خسارة الإخوان في الانتخابات النيابية الأردنية 2007، حيث حصلوا على (6) مقاعد من (110). وإن كان من الصعوبة بمكان تحديد نسبة أو حجم تأثير كل منها في النتيجة النهائية، إلاّ أنه يصعب استبعاد أي منها، سواء ما ارتبط بتدخل الحكومة أو دور عوامل مرتبطة بالجماعة ذاتها.

اضافة اعلان

ففي دراسته التي صدرت قبل أيام عن المؤسسة الألمانية فريدريش أيفرت بعنوان "الإخوان المسلمون في الانتخابات النيابية الأردنية 2007: "نكسة سياسية" عابرة أم تآكل في الشعبية". يرى أبو رمان أنّ الإخوان ارتكبوا أخطاءً كبيرة في قراءة المعادلات الانتخابية، ولم يراعوا في اختيار المرشحين التقسيم الديمغرافي والحساسيات المرتبطة به، وافترضوا أن شعبيتهم مستقرة وناتجة عن تأييد خطابهم، مع أنّ الواقع يثبت تداخل عوامل متعددة في هذه الشعبية وعدم استقرارها.

ويحيل أبو رمان أحد هذه الأسباب إلى دور الحكومة التي دعمت مرشحين آخرين وسهلت لهم عمليات بيع الأصوات ونقلها، لتقليص نتيجة الإخوان المسلمين، وتقوية تيارات معينة في المقابل. لكنه يرى أنّ هنالك أيضاً أسباباً أخرى أدت إلى هذه النتيجة في مقدمتها الصراع داخل جماعة الإخوان والذي ظهر بصورة كبيرة على الإعلام وأدّى إلى التأثير على التأييد الجماهيري من ناحية، وعلى نشاط وفعالية قواعد الإخوان من ناحية أخرى، بخاصة في ظل الاتهامات الخطيرة التي وجهها التيار المتشدد لقيادة الجماعة والتيار المعتدل.

ويضيف أبو رمان إلى الأسباب السابقة عوامل سياسية أخرى كأحداث غزة وورطة حركة حماس هناك، وضحالة البرنامج الانتخابي للجماعة وعجزها عن تجديد خطابها بصورة لافتة، كما يشير إلى انخفاض كبير في عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو الإخوان الذين كانوا اعضاء في البرلمان السابق، ما يؤكد عدم اقتناع الناخبين بأداء كتلة الإخوان في البرلمان السابق.

وتتطرق الدراسة بصورة تحليلية إلى محاور أساسية في مقدمتها تطور العلاقة بين الدولة والإخوان وانتقالها من مرحلة التحالف إلى الأزمة ثم نذر المواجهة، ويقف الباحث محللاً ذلك في سياق تغير الظروف التاريخية والأدوار السياسية التي حكمت العلاقة سابقاً ولاحقاً.

ويحلل الباحث الخطاب السياسي والفكري للإخوان ليجد أنّ القضايا الإقليمية والمسائل المرتبطة بالقضية الفلسطينية تحتل نصيب الأسد فيه، من حيث النسبة والعدد، مما يؤكد أنّ الشأن المحلي لا يحظى بالمساحة المطلوبة من الحركة من ناحية، ويؤكد – من ناحية أخرى- إلى المكانة المحورية التي تحتلها القضية الفلسطينية نتيجة عوامل متعددة منها حضور الجماعة الكبير في الأوساط الأردنية- الفلسطينية.

وينهي الباحث دراسته بتقديم تصور للمرحلة القادمة وسيناريوهاتها من خلال ثلاثة متغيرات؛

المتغيرالأول هو تطور الصراع داخل جماعة الإخوان، بالتحديد بين تيار الوسط الذي يتنبى الاستقلال التنظيمي عن حركة حماس ومنح القضايا الوطنية الأولية والمحافظة على المعادلة السياسية التقليدية مع الدولة، وتيار حماس الذي يمتلك علاقات وثيقة بالمكتب السياسي لحركة حماس ويصل في مواقفه إلى تحدي الحكومة دعماً لحماس، ويدعو إلى بقاء القضية الفلسطينية مدار الاهتمام لدى الجماعة.

ويرى أبو رمان أن نتائج انتخابات الشورى في جماعة الإخوان التي تجري حالياً (بعد إعداد الكتاب) ستؤثر بصورة واضحة على هوية الجماعة ووجهتها وعلى علاقتها بالدولة.

المتغير الثاني هو تطور العلاقة بين الجماعة والمجتمع؛ ويشير الباحث هنا إلى استراتيجية "المواجهة غير الرأسية" التي اتخذتها الحكومة مع الحركة، والتي أتت على شبكة العمل الاجتماعي والمدني لها (محاصرة الحركة في المساجد والجامعات والجمعيات الخيرية ولجان الزكاة والعمل التطوعي) وأخيراً بسط سيطرة الدولة على جمعية المركز الإسلامي التي تشكل العصب المالي والحيوي للجماعة.

المتغير الثالث هو العلاقة بين الجماعة والدولة، ويرى أبو رمان أنّ هنالك ثلاثة سيناريوهات رئيسة. ولعل أبرز السيناريوهات المطروحة في هذا السياق هو: سيناريو الاستئصال والتحجيم "المواجهة غير الرأسية"؛ وربما يرى أنصاره أنّ الانتخابات النيابية أثبتت نجاحه وقوة تأثيره، ما سيؤدي إلى تراجع قوة الجماعة وحضورها الشعبي. إلاّ أنّ خصوم هذا الاتجاه يرون أنّ الجماعة في مصر عانت من الحظر والتهميش والإقصاء سنوات طويلة لكنها ازدادت قوة وحضوراً في الشارع وتجذّراً، وتمكنت من استثمار المعاناة والظلم والاضطهاد وبناء صورة "الضحية" لدى الشارع مما زاد تعاطفه معها، واستطاعت تحقيق نتيجة كبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة 2005.

وسيناريو الحظر أو المواجهة الرأسية؛ يعتبر السيناريو الأسوأ، ومبني على فرضية أنّ الجماعة ستفقد السيطرة على "ردود فعلها" أو على أفرادها وربما تؤدي الاحتكاكات المتتالية، في حال جرت تطورات إقليمية أو داخلية مرتبطة بالشق السياسي أو الاقتصادي، إلى زيادة التوتر وسيناريوهات تراجيدية تؤدي إلى اعتقالات كبيرة أو على مستوى عال من الحساسية وربما إلى حظر الجماعة أو الحزب أو كليهما.

وسيناريو الاحتواء والإشغال؛ يقوم هذا السيناريو على فرضيات متعددة: إمّا بروز نخبة داخل مؤسسة الحكم تعيد النظر في استراتيجية الإقصاء، أو متغيرات جديدة تعيد الاعتبار لاستراتيجية الاحتواء والتعايش، ويمثل النموذج المغربي حالة ماثلة على نجاح هذا السيناريو وفعاليته، فالحل الاستراتيجي الأضمن للتعامل مع حركة الإخوان أو حركات الإسلام السياسي (التي تتبنى اللعبة السياسية عموماً) هو احتواؤها وإشغالها بقضايا العمل السياسي واليومي.

يواجه سيناريو الاحتواء والإشغال معارضة شديدة من النخبة النافذة في مؤسسة الحكم، بدعاوى عديدة: أنّ الظروف السياسية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة والتي تفرض على الأردن معادلة "السياسة في رعاية الأمن". وعدم الوثوق في مصداقية هذه الحركات ونواياها كما حصل بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية (اثر فوز حماس) وأحداث غزة (لكن يتناسى الاتجاه الأمني أنّ الحصار الدولي والإقليمي لعب دوراً كبيراً في دفع حماس إلى خيارات التيار المتشدد). وأنّ المعادلة الديموغرافية في الأردن لا تسمح بالمضي خطوات واسعة في الإصلاح السياسي، ولا في احتواء حركة الإخوان التي تمثل "الأكثرية الفلسطينية"، والمطلوب في المرحلة القادمة "شراء الوقت" إلى حين نضوج خيارات وتيارات سياسية داخلية قادرة على منافسة الجماعة، وإلى حين اتضاح صورة التسوية السلمية على المسار الفلسطيني.

ويرد دعاة سيناريو الاحتواء بالمقولات التالية: أنّ الضمانة الحقيقية للأمن ليست في تحييد السياسة وإنما إعمالها، وأنّ المعادلة الاستراتيجية الأكثر ضمانة هي "الأمن في رعاية السياسة" وليس العكس، فالحل الأمني مطلوب، لكن في سياق رؤية سياسية استراتيجية تضعه في حدود وقوالب فاعلة، أما الاعتماد عليه فإما أن يؤدي إلى ترحيل الأزمات وتجذيرها أو التحول إلى دولة "بوليسية". أنّ الأردن يمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية متينة، والإخوان جماعة سلمية تعتمد العمل السياسي المدني السلمي، وتعلن التزامها بقواعد الديموقراطية، وهذه بحد ذاتها تشكل حدودا وضوابط وضمانات لعدم خروج الإسلاميين على قواعد اللعبة، ويمكن الاستفادة من النموذج التركي "الديموقراطية العسكرية"، من خلال فرض شروط سياسية واضحة على النشاط السياسي للإسلاميين تضمن احتواءهم واستمرار نظام الحكم وقواعده الرئيسة.

وفي تعليق على نتائج الدراسة ومخرجاتها أشار أبو رمان أنّ الدراسة أعدت قبل انتخابات الشورى الحالية في الإخوان وأنها تنبأت بالعديد مما يجري حالياً وسيجري مستقبلاً، ورأى أنّ الحل الأمثل هو بناء جسور من الحوار المتين والعميق بين الدولة والتيار المعتدل في الإخوان لتكريس سياسة الاحتواء والتفاعل الإيجابي بين الطرفين، ولضمان عدم خروج معادلة العلاقة عن الخطوط التي تخدم الإصلاح السياسي في الدولة.

وأوضح أبو رمان أنّ هذا الكتاب بمثابة العدد الأول من سلسلة كتب حول الحركات والجماعات الإسلامية في الأردن، وأن الكتاب القادم سينشر خلال هذا العام من خلال مؤسسة فريدريش أيفرت التي ستتولى الإشراف على هذه السلسلة الدراسية.