دُفنت أشعاره بسرعة دفن جسده.. جان سيناك ابن وهران المشاكس

الكاتب الجزائري جان سيناك
الكاتب الجزائري جان سيناك

"لا تجمّدوا أبداً شاعراً في بيته الشعري. الشاعر متحرّك، ووهجه يمتد من القيثارة إلى الأحشاء". جان سيناك (1926-1973)


"يظهر الشعر والمقاومة كحواف حادة لذات النصل، حيث يشحذ الإنسان كرامته بلا كلل. فلطالما ساندنا الشعر في مرادنا لنيل الحرية. وفي قلب المعركة، يراقب الشعر البؤر الاستيطانية، ويعيش الشاعر من نَفَس شعبه، ويترجم تنفُّسَه، مضطهدًا أو مقاوماً متألقاً"، هكذا يخِطُّ جان سيناك عن نفسه في روايته "الشمس تحت الأسلحة"، لُيعطنا لمحةً عن عمله كثوري مقاوم، "شاعر جزائري بإملاء فرنسي"، كما يكتُبُ عن نفسه، أو كما يُطلق عليه أحياناً: يحيى الوهراني. 

أحبَ جان سيناك الجزائر كما لم يحبها أحد، لكنها ظلت جاحدة تجاهه: " ملعونةٌ هي تلك اللحظة التي انبجستُ فيها، مطبوعًا بطابع الهامشيّة". (1) يكتب سيناك. فتراه يغادرها ليعود إليها دائماً حيث لا يقوى على العيش في مكان آخر، لتبقى موطناً له حتى عندما يعلم بأن حياته فيها باتت في خطر؛ إذ اغتيل في الجزائر العاصمة عام 1973 عن عمر يناهز 47 عاماً، لتظل ظروف وفاته الغامضة، مقتولاً بخمس طعنات في قبو شقته، تثير تساؤلات عدة: ماذا فعل ابن وهران المشاكس، ذلك "الرجل الذي حمل طفولته على وجهه مثل الوحوش، وأحب أصدقاءه، وبلاده»، كما وصف نفسه في شعره؟

مجهول النسب ملتصق بالجزائر

ولد جان سيناك في الـ29 من نوفمبر عام 1926 وهو كاتب جزائري يعود أصله لمنطقة بني صاف بمدينة وهران، لأم إسبانية مهاجرة وأب مجهول الهوية. كان سيناك شاعراً فرنكوفونياً منخرطاً في صفوف «جبهة التحرير»، دأب لتأسيس "جمعية الكتاب الجزائريين" عام 1947، وترجمت أعماله إلى العربية سنة 2003 تحت عنوان "شموس يحيى الوهراني" لمحمد بوطغان.

اضافة اعلان

 

ظل سيناك ملتصقاً بجزائريته على الرغم من الهجرة إلى فرنسا في أعقاب حرب تحرير بلاده، وكانت قصائده أغانٍ للثورة، فهو الذي كتب عشية الاستقلال: "أجمل كُتب الثورة هي جدران مدينتي”. 

ترتبط أسباب تهميش سيناك في الأدب الفرنسي والجزائري بالظروف السياسية للحرب والثورة، وسياسات شعره التي أدانت في نفس الوقت الاستعمار الفرنسي والحكومات العسكرية بعد الاستقلال، حيث اعتقد أنها خانت شعبه الجزائري، كما كان الأمر الأكثر إثارة للجدل هو مثليته الجنسية الصريحة في الشعر الذي كتبه بعد عام 1965، حيث ربط تحرره الجنسي الشخصي بالتطلعات الأساسية للثورة الجزائرية، مما جعل جبهات المواجهة تتسع ضده، فكتب معترضاً: «هذا الجسد المسكين أيضاً يريد حربه من الاستقلال».

سيناك وكامو.. صديقان جمعتهما الجزائر وفرقتهما

 


 

كانت علاقة سيناك طويلة الأمد مع الكاتب الفرنسي الجزائري المولد والحائز على جائزة نوبل الأدبية ألبرت كامو، حيث استمرت من عام 1947 إلى عام 1958.


كان هذان الرجلان يبحثان دائما عن الأب؛ إذ فقد كامو أبيه ولم يكن يعرفه حق المعرفة، لكن سيناك لم يكن لديه أباً على الإطلاق، فلاحظ كامو حساسية خسران الأب في حياة سيناك، فأطلق عليه بالإسبانية لقب «mi hijo»، بمعنى «ابني»، حيث كان كامو يكبر يحيى الوهراني بـ13 عاماً.


تزامنت صداقة الكاتبين مع الصراع المتصاعد بين فرنسا والجزائر، فسلطت رسائلهما الضوء على صراع عاطفي لرجلين أديبين على شفا حرب.


نأى كامو بنفسه عن التمرد الجزائري حيث وصفه بالعنيف، بينما اعتنق سيناك سياسة التمرد المسلح لجبهة التحرير الوطني وحق الجزائر في الاستقلال والحرية، وعلى إثر هذا الشرخ في التبني السياسي، قطع سيناك في أبريل عام 1958 علاقاته مع ألبرت كامو في رسالة قاسية تلومه على إلتزامه الصمت إزاء إعدام شاب جزائري، يدعى طالب، بسبب أنشطته السياسية ضد الفرنسيين. مرة واحدة بعد الخصام بعث كامو برسالة جاء فيها: لقد قرّرت التزام الصمت فيما يتعلّق بالجزائر، لكي لا أزيد في محنتها ولا في الحماقات التي تُكتب عنها”. فمزق الابن رسائل أستاذه بسخط ولم يتواصلا بعد ذلك أبداً. 

أعداء من كل الأطياف

لم يغفر الفرنسيون لسيناك كونه عضواً في جبهة التحرير خلال حرب الاستقلال، ولم تستطع الحكومة الجزائرية تحمل مواقفه المعادية للنظام البيروقراطي القائم، فجرى دفن أعماله وأفكاره بنفس سرعة دفن جسده. 

كان جان سيناك رجلاً غير مرغوب فيه تماماً؛ حيث أزعج القوة الاستعمارية الفرنسية والبيروقراطية الجزائرية. وبحسب شهادة أحد أصدقائه: "كان سيناك فضيحة دائمةً". مما خلق حوله أعداء من كل الأطياف التي ذمها في كلماته، ولربما لم يكن قتله أمراً مستغرباً، لدرجة أنه تنبأ باغتياله قبل عامين من الواقعة عندما كتب: "حانت ساعتكم لصرعي، ولقتلي". "يجب علي أن أرحل بعيداً عن منازلكم الباردة.. السعادة مستحيلة.. القصيدة خيانة.. والدم يصدأ على الطاولة".

قتل جان سيناك، وكان إغراء الرغبة في نسيانه هو ما جعله رمزاً من رموز الأدب الجزائري الفرانكفوني حتى بعد أكثر من ٥٠ عاماً على اغتياله ووعورة الطريق المؤدي إلى أعماله، وقاتله على حد سواء.  


"لقد التهمت أوهامي الصغرى الواحد تلو الآخر، أما الكبرى، فسأحتفظ بها، كي تضيء قبري كلآلىء". يكتب سيناك في قصيدته الأخيرة (٢). 

 

**********************

(1) أرشيف الشارخ. عنوان المقالة: قصيدة جان سيناك الأخيرة (شعر) بقلم: عبد اللطيف اللعبي

(٢) قصيدة إلى ثيرنودا. ترجمة: رشيد بوجدرة
‏Jean Sénac intime || Maison de la  poésies 

‏Jean Sénac, Un cri que le soleil dévore. 1942-1973. Carnets, notes et réflexions

‏Albert Camus - Jean Sénac, de l'admiration à la rupture

 

 

 

اقرأ أيضاً: 

فلسفة سارتر عن الحب.. تناقض واستحالة

الانتحار يلقي بثقله على الشباب الغزّي.. الشاعر النجار آخر ضحاياه

نابوكوف.. صائد الفراشات يشاهد الموسيقى ويلوّن الأصوات

في ذكرى رياض الصالح: الشاعر الوسيم و"التراكتور المعطوب"