راشد عيسى يحاضر عن جدلية الشعري والفلسفي

د. راشد عيسى ود. أحمد ماضي في رابطة الكتاب أول من أمس -(الغد)
د. راشد عيسى ود. أحمد ماضي في رابطة الكتاب أول من أمس -(الغد)

عزيزة علي

عمان- رأى الشاعر والناقد د. راشد عيسى أن الشعر يقوم على الفتنة اللغوية وسحر الكلمات، واللغة هي هدف جمالي رئيس، بينما تحتاج الفلسفة من اللغة ما يكفي لإيصال المقصود، ومنبع الشعر وجداني شعوري، ومنبع الفلسفة ذهني يميل إلى الفكرنة.اضافة اعلان
واضاف عيسى في الندوة التي اقيمت أول من أمس في مقر رابطة الكتاب ضمن التعاون بين رابطة الكتاب الأردنيين، ومركز "تعلم واعلم" للأبحاث والدراسات بعنوان "جدلية الشعري والفلسفي"، الشعر ينفلت من سلطة العقل ومن ثبوتية الغيب التي يجبلها الدين، لأن طبيعة الشعر متحركة بصفته نوعا من احلام اليقظة بحسب "باشلار".
وبين عيسى في الندوة التي أدارها د. أحمد ماضي أن الفلسفة متفلتة من سلطة العقل الديني وانحازت إلى ديناميكية الفكر الحر المشغول بالقياس والبرهان والمنطق واقامة المعرفة على قواعد الاستدلال العقلي الخالص، بينما يرضخ الشعر للتلميح والتشبيه، لا يعنى بالحقائق بل يتبعه الكذب، ويستشهد المحاضر، بمقولات لشكسبير وهي "الشعر يغني عن صدقه كذبة"، "احسن الشعر أكذبه"،" وأصدق الشعر اكثره شطحا"، في حين ان الفلسفة تصر على البحث عن الحقائق والتجليات الكونية.
ورأى عيسى أن الفلسفة والشعر ممكن ان يلتقينا حيث ان الشعر يستعين بالفلسفة استعانة جذرية لأنه إذا أخذ مقادير زائد فسد سحره وتخشبت لغته وبات ممجوجا، في حين يمكن للفلسفة أن تطور خيال الشاعر إلى أفكار قابلة للتفكيك والدراسة، والشاعر مسكون بالقلق الفلسفي ويستمتع بالقلقه، بينما يسعى الفيلسوف إلى تبريد القلق الإنساني من اجل تأكيد ضرورته الحتمية.
واستشهد المحاضر بالفيلسوف ابن سينا الذي استعان بالشعر عندما قال في قصيدته :"هبطت إليك من المحمل الأرفع/ورواء ذات تغزر وتمنع"، من اجل ان يؤكد موقف من صيرورة الروح التي هبطت للجسد وعاشت  شهوانيته ثم خرجت، ومع ذلك غلبت على ابن سيناء صفة الفيلسوف، بينما بقى "أبو العلاء المعري"، حاملا صفة الشاعر على الرغم من لقطاته  الفلسفة في شعره فيما يخص مبدأ الإنسان ومصيره وقدم رؤاه بشفافية ساخرة ذاكرة جدوي الحياة.
واشار عيسى إلى أن نيتشه وهو شاعر وفيلسوف إلا ان شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كشاعر، فنادى بتطهير الفكر الإنساني من الغيبيات المقدسة مقتربا من التصوف الوجودي في كتاب هكذا تكلم زرادشت.
واعتبر المحاضر ان الشعر والفلسفة يلتقيان في بعض الاحيان لأن القضايا الفلسفية كالأخلاق والزمن والقلق وسائر الأسئلة الوجودية هي ملاعب للشعر، كما هي للفلسفة، فالفيلسوف لا يستغني عن الشعرية مستعينا بالخيال وبقدرة اللغة على التعبير الوجداني المؤثر، لأن صياغة العقلانية الخالصة ثقيلة على الاستيعاب وتخلو من المتعة الجاذبة.
واستعرض عيسى العديد من الفلاسفة الذين كانوا يكتبون الشعر مثل "ماركس"، حاول مبكرا ان يكتب الشعر فلم ينجح، وكذلك جاك دريدا اراد الاعتبار لماركس ضد افكار اعلنت عن موته وحشد دريدا في "بيان الاطياف" صورة شعرية مستدعيا وليم شكسبير وهاملت عاقدا مقارنة بين الطيفين.
بينما يصر نيتشه بحسب المحاضر، على العودة إلى الوجدان والعاطفة وعدم الاعتماد على الفكر فقط الوجدان للشاعر والفكر للفيلسوف، بينما مارتن هايدغر يعتبر الشعر تأسيس للوجود بواسطة اللغة فجعل من الشعر أسمى تعبير عن ماهية الوجود.
واوضح عيسى الخصام بين الشعر والفلسفة مجرد خدعة، كذبة، مبينا أن الشعر يستعين بالفلسفة ليحول شعره إلى مادة خيالية انفعالية والفيلسوف يستعين بخيالات الشعر وتأملاته وصوره الفنية ليحولها إلى مادة فكرية.
واشار المحاضر إلى اهتمام هايدغر الكبير بالشعر مثل الشعراء "فريدريش هولدرلين، اوريكا"، فكان يعتبر أن الشعر هو منقذا من الخطر، خطر نيسان الوجود... يرى ان الشعر – على عكس ما يراه افلاطون- لا يحمل أية نرجسية، لأنه تقاس عظمته بقدرة صانعة على الاختفاء وراء أثره. وخلص عيسى إلى أنه إذ حملت الفلسفة اسلوب الشعر في التعبير الكلي ذهبت هيبتها الخفية، لافتا إلى قدرة كل من الشعر والفلسفة على التنكر لجميع التعريفات كل له ماهية منزلقة، فالشعر فن والفلسفة فكر، كل فلسفة فكر وليس كل فكر فلسفة، ومهمة الشعر تشويش الحواس بلذة فنية، كما ان مهمة الفلسفة تدريب العقل على إدراك الحقائق الوجودية وطرح الأسئلة بلذة ذهنية.