رام الله تسيّر الشموع برحيل درويش

 يوسف الشايب

رام الله - ما إن التقطت آذانهم نبأ فاجعة رحيل الشاعر الكبير محمود درويش، الذي لطالما أحبوه، وسار شعره في شرايينهم عطراً ودليلاً، حتى تجمع العشرات من أهالي رام الله، وبشكل عفوي، عند دوار "المنارة"، يحملون الشموع، والدموع تنساب على وجنات نالت من بعضها التجاعيد، وماتزال الأخرى مشدودة.

اضافة اعلان

الذهول كان سيد الموقف بامتياز.. كثيرون ممن تجمعوا حتى ما بعد منتصف الليل، لا يصدقون أن درويش، الذي كان بينهم قبل خمسة أسابيع، يشاركهم بـ"لاعب النرد"، وغيرها، احتفالهم بمرور مائة عام على تأسيس بلدية مدينتهم، في قصر رام الله الثقافي، مطلقاً في أمسية ساحرة فعاليات "وين ع رام الله"، لن يتمشى بعد اليوم في شوارع المدينة التي أحبته وأحبها، ولن يحتسي فنجان قهوته في مكتبه بمركز خليل السكاكيني الثقافي، أو في شرفة منزله في حي الطيرة بالمدينة، التي وجدت أن إطلاق اسمه على أحد الميادين الرئيسة فيها، أقل ما يستحق.

المتوافدون إلى "المنارة" بشموعهم ودموعهم، أكدوا أنهم، ومنذ تضارب أنباء الرحيل القاسي، ومن ثم توحدها على "ترجل الفارس الذي ترك الحصان وحيداً"، يعيشون حالة من فقدان التوازن، والغياب عن الوعي.

مسيرة الشموع والدموع، جاءت بمبادرات فردية من محبي درويش، وأصدقائه، كتعبير عن شعبيته، ورمزيته الكبيرة لدى الفلسطينيين، وتقديراً لمكانته في وجدان الشعب الذي طالما تغنى له وفيه صاحب "عصافير الجليل"، و"أثر الفراشة".

محبو درويش، كانوا في هذا المساء الحزين، كانوا على موعد عفوي، لسرد الحكايات الجميلة، والذكريات التي لا تنسى عن الشاعر الذي لطالما تغنى بالحياة، ولها، وعن بعض خصاله الشخصية، وعن أمسياته المتنوعة في رام الله، التي شهدت في الخمس سنوات الأخيرة ثلاث سهرات شعرية لا تنسى، واحدة منها في مسرح وسينمات القصبة، واثنتين في قصر رام الله الثقافي، الذي شهد آخر أمسياته في الثاني من تموز الماضي.

لكل حكايته مع درويش، أو أشعاره، أو أمسياته.. هذا يتذكر كيف زاره في مكتبه، وهذه تتذكر كيف دخلت بحراسة أقاربها لحضور أمسية لدرويش في عمّان، حين كانت حاملاً في شهرها الأخير، وذاك يسرد حكاية أو لقاء معه، أو آخرها.. كل يراه رائعاً، وإن اختلفت المواقف والزوايا.. كثيرون حاولوا التقاط "كمشة" تفاصيل من هذه الحكايات، أو ترديد شيء من أشعاره، إلا أنهم سرعان ما تلعثموا بماء العين المتساقط إلى الحلق، ليعود الصمت سيد الموقف.

في الصباح، كان البعض يعتقد أن الشمس لن تشرق على رام الله، لكنها لم تفعل، لربما باتت على قناعة أن غياب درويش أشد قتامة من غيابها.. الحداد الرسمي ثلاثة أيام، والشعبي أكبر بكثير، وستبقى في القلب غصة.

سائق التاكسي يصرخ بعد أن سمع الخبر صباحاً "لم يعد هناك من نبكي عليه بعد درويش".. طالبة الثانوية العامة ارتدت قميصاً يحمل صورته، وكانت تردد بشكل هستيري وصديقاتها، قرب مدرستهم غير البعيدة عن نافذة مكتبه، مقاطع من "أحن إلى خبز أمي".. بائع الكعك يطلق العنان لمذياعه، كي يصدح بآيات قرآنية على "روح درويش"، أما أصدقاؤه فمايزالون غير قادرين على الكلام.

رام الله التي عاشت مع درويش، وعاش معها، الكثير من الحياة، تبدو حزينة، لكنها تعج بالحياة أيضاً.. صحيح أنها تستعد لتأبين أحد عظمائها، لكنها لم تتشح بالسواد، فهي تودع اليوم من أوصى بأن "نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً".