رواية "أزواد" لأبو سليم ترصد حياة "قناص وادي الحرامية"

جانب من توقيع الرواية-(من المصدر)
جانب من توقيع الرواية-(من المصدر)
عمان- وقع الروائي أحمد أبو سليم أول من أمس، رواية "أزواد"، التي استوحى أحداثها من عملية "قناص وادي الحرامية"، التي نفذها "القناص" ثائر حماد ضد حامية الحاجز العسكري الصهيوني بين مدينتي رام الله ونابلس، في 3 من آذار(مارس)  من العام 2002، وقتل 10 إسرائيليين.اضافة اعلان
وشارك في الحفل الذي أقيم في مساحة ليوان، ونظمه الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين. ومجموعة "أكثر من قراءة- الأردن"، دعما لصمود شعبنا في فلسطين، كل من: الدكتورة رزان إبراهيم، الدكتورة أماني سليمان، الناقد مجدي ممدوح، وقرأ الشاعر صلاح أبو لاوي قصيدة بعنوان "الخضراء"، وأدارت اللقاء سماهر مروج.
الروائي أبو سليم قال: "في زمن الهزائم تطمس البطولات الفردية، لذلك على الأدب أن يسلط الضوء على هذه البطولات، لأنها جزء من تأسيس واقع مختلف، واقع النهوض من الهزيمة التي حملناها على أكتافنا طوال هذه السنوات، فوظيفة الأدب ليست عكس الواقع، وأنما التأسيس لواقع مختلف، والتأسيس لوعي من أجل إرجاع الواقع من انحرافه عن المسار إلى المسار الصحيح".
وأضاف ابو سليم، لقد حاولت من خلال رواية "أزواد" أن أقدم فلسفة لمعنى البطولة، ماذا تعني البطولة بالضبط، فإن كان المختار بطل الرواية هو امتداد طبيعي لجده، وللعياض، ولثورات الشعب الفلسطيني عبر مائة عام، فإن ذلك التناقض بين موشيه وبن هارون الإسرائيليين.
يبين فكرة البطولة والبطل، الذي عليه أن يحمل مجموعة من السمات، أهمها السمة الإنسانية، إنه صراع بين الصبر والبصيرة، بصبر موشيه الخارق الذي تحول فيما بعد إلى قدرات بن هارون ومن خلال منظار بندقيته المعجزة، بصيرة العياض، ومن بعده المختار.
أستاذة النقد الأدبي الحديث في جامعة البترا د. رزان إبراهيم أشارت إلى أن رواية "أزواد"، توقظ فعلا بطوليا لبطل فلسطيني يشكل أنموذجا لأسماء بطولية تحلت بالصبر والبصيرة والإرادة القوية أمام آلة جبارة من مثل؛ الشهيد إبراهيم النابلسي، يحيى العياش، وباسل الأعرج وغيرهم ممن وفرت أفعالهم شحنة رمزية عالية حري بالأدب أن يستغلها ويقدمها بما يليق بها، حيث نبقى مع (المختار) الراوي البطل الذي يحكي لنا حكايته، وحكاية أجداده من قبله، وهو الولد المعجزة، الفارس الملثم، الذي لا يظهر إلا في الليل، يستهدف رؤوس الجنود بطلقة واحدة في الرأس، الفتى الذي مضى قدما نحو فلسطين التي باتت تتحدث عنه ليلا نهارا، متحديا كل الطرق المسدودة التي بناها اليهود.
وترى إبراهيم، أن قيمة البندقية تتحدد بمن يحملها، ولماذا يحملها، لذلك تتساوى بندقية بسيطة مع أخرى خارقة، بل وظلت البندقية والحصول عليها محور صراع مستمر في الرواية، بدءا من العياض الذي غنمها من اليهود، وانتهاء بالمختار الذي غنمها من القناص بن هارون، وكأن الماضي يعيد نفسه. أما كلمة (المائة) التي يتواتر حضورها في الرواية، فتبقى تلف في مدار(البندقية)؛ ذلك أنها تحيل إلى عدد المربعات الفارغة داخل جدول دوري مستوحى من آخر كان رسمه أحد علماء الكيمياء، كان طموح المختار أن يملأها واحدا واحدا مع كل مرة يقنص فيها إسرائيليا كي يشفي غليل الجد المقهور على ابنه الأمين.
وتابعت إبراهيم حديثها: "تتشابك أو تتعالق المائة مع فكرة الوصول إلى الرقم 1948 وفقا للوزن الذري للقتيل الإسرائيلي ما بين عقيد، رقيب، ملازم، لكنها في نهاية الأمر تتسع، فالجدول يفتح فاه مثل وحش كاسر من أقصى شمال فلسطين وحتى جنوبها، ومن شرقها حتى غربها، حتى وإن لم يملأها هو، سيأتي من بعده من يفعل، لنخلص إلى أن "المائة هي إسرائيل"، وهو ما يأتي منسجما مع جدول ماندليف الدوري الذي جاء من بعده من ملأ مربعاته جميعها.
وتابعت إبراهيم: أما عن الفرس والفارس، فيتحدان ليكونا جسدا واحدا بقلبين، فسمات الفارس من سمات الفرس، فهي تعطيه عنادها، وعنفوانها، ليبقى لافتا أن للخيل نبوءات لا أحد يعلم من أين تأتيها. غني عن الذكر أن هذا الإكبار للخيل هو امتداد لإرث ثقافي عربي إسلامي؛(أقسم الله بالخيل، الخيل معقود بنواصيها الخير).
وخلصت إبراهيم إلى أن أهمية الرواية هي أنها أمعنت في تأمل الماضي مانحة متلقيها فرصة تأمل التاريخ الكاذب الذي حوله الاحتلال إلى حقيقة لا تقبل الجدل وبنى عليه الحاضر بقوة السلاح، أضف إلى ما تقدم أن "أزواد" تعيد رواية الرواية، تكتبها رغم محاولات المحو المستمرة، فحين محا الجنود ما كتبه المختار في السجن، كان يقول: "الرواية هنا في رأسي، ولا أحد بوسعه أن يقتلعها منه إلا باقتلاعه، وحتى مع اقتلاعه ستنمو الرواية فوق القبر". ولعل هذه الرواية وأمثالها تعيد للأدب الفلسطيني دوره في مشروع التحرر ومواجهة الدعاية الصهيونية.
من جانبها قالت الناقدة الدكتورة أماني سليمان: "إن رواية "أزواد" ترتبط بالبطل الفلسطيني "ثائر حماد"، حيث تكتسب الرواية بعدا واقعيا وضربا من السيرة الغيرية المتخيلة التي تمنحها نوعا خاصا من التلقي وطبقات متعددة من التأويل، واستنادا إلى العملية التي قام بها ثائر حماد، يحاول الروائي بشكل ما أسطرة البطولة الفلسطينية بشكل عام، وأسطرة الإنسان والبطل الفلسطيني بشكل خاص؛ لقدرته -ضمن شروط قاسية وظروف صعبة وإمكانيات محدودة - على وضع سبل متعددة للصمود والمقاومة أمام عدو متغطرس مدعوم ومجهز.
ورأت سليمان أن رواية "أزواد" تأتي لإماطة اللثام عن عمق الوعي الصهيوني المنبثق عن هذه النصوص الكاذبة، فتجردها وتقف بصلابة قبالتها مدافعة عن الحق الفلسطيني في الاستمرار في المقاومة التي تملك عمقها التاريخي وتتصل بالماضي منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين، الذي شكل مظلة وحاضنة لليهود انتهت بتسليمهم فلسطين أمام أعين مفتوحة للغرب وبمباركة منه. إنها رواية ضد المحو، وضد العتمة، وضد الوعي المغلوط والأدمغة المغسولة.
وأضافت سليمان، أن الرواية ترسم درب النصر محفوفا بالمغامرة والمخاطرة والمثابرة والشغف بفكرة الانتصار مهما كلف الأمر، ولا تقدم هذا الدربَ "على طبق من ذهب"، فهي تمنح مشاهد تترسم خطى نلمسها واقعا يوميا من أرض فلسطين وحركة أبطالها، فهم بشر يعانون، ويبكون، ويحلمون، ويتحدون، وينكسرون، وينهضون، ويقضون أشطارا متطاولة من حيواتهم على سطح الأرض حينا وفي الأنفاق أحيانا، في هواء من الحرية حينا، وفي مكاره الزنازين حينا آخر.
وخلصت سليمان، إلى أن أبو سليم وظف الخيل وما يمكن أن تحمله للرواية من طبقات دلالية، ويستحضرها كمتلازمات للبطولة، فالدهماء تلازم العياض، والخضراء تلازم المختار، ويرسم الروائي كذلك أقدارا متقاربة في مفاصل محددة من حياة البطلين، في إشارة إلى أكثر من دلالة منها تجدد الفعل البطولي عبر الأجيال، ومساهمة المكونات الوجودية من إنسان وحيوان في فعل البطولة وإنجازه.
سميت فرس (المختار) باسم: الخضراء (والعرب تطلق على الفرس ذي اللون الأبيض اسم الخضراء في إشارة إلى الخصب والنماء وتجدد الحياة وهو من باب التفاؤل، وفي السيرة الهلالية كان اسم فرس ذياب بن غانم (الخضرا)، ومن الأمثال الشعبية (كل الخيل للخضرا توابع)، فاختيار اللون الأخضر لتسمية الفرس به، إنما يشي بأن الفلسطيني بكل الأسى الذي يعيشه ما يزال يحمل وجها من التفاؤل وحب الحياة والإقدام .
من جانبه رأى الناقد مجدي ممدوح: أن أبو سليم يخضع في روايته "أزواد"، للصراع العربي الصهيوني كمنطلق للرواية، حيث يحاول أن يكتشف المغالطات المنطقية التي قام عليها هذا الصراع، ويظهر من خلال الرواية أن الكيان الصهيوني يسير عكس منطق التاريخ وكما يظهر في النقاط الآتية: إن التاريخ المعاصر اتجه لتصفية البؤر الاستعمارية في العالم والانتقال لحقبة الهيمنة. وفي الوقت الذي تتم فيه تصفية الاستعمار ينشأ الاحتلال كيانا استعماريا استيطانيا جديدا يكبر ويكبر عكس اتجاه التاريخ.
وتابع ممدوح: في الوقت الذي تتم فيه تصفية الكيانات السياسية وإنشاء كيانات قومية منذ القرن السابع عشر بعد حرب الثلاثين عام الدينية، يتم إنشاء الاحتلال دولة دينية صريحة، في الوقت الذي تنبثق فيه الدول من داخل مجتمعات ممتدة في التاريخ، حيث إن المجتمعات هي التي تشكل الدول، فإن الاحتلال قام كدولة ثم قام بتشكيل وصناعة مجتمعاته عن طريق صهرهم في الهوية الدينية.