رواية "اعترافات" لربيع جابر: نظرة عميقة مختلفة إلى حروب لبنان

 

بيروت - صحيح ان القارئ قد يجد نفسه يتعامل مع ربيع جابر في القسم الاول من روايته الاخيرة "اعترافات" بطريقة ما اسماه العرب القدامى "المدح في معرض الذم" فيأخذ عليه انه عندما "يشبه غيره" يصبح نتاجه اقل جمالا.. غير انه مع نمو الرواية واقترابها من نهايتها يكتشف انها عمل فيه كثير من التفرد.

اضافة اعلان

فبطل رواية ربيع جابر هذه تسكنه نظرة خطيرة ومختلفة الى الحروب التي سميت الحرب اللبنانية وكان مسرحها "البلد الصغير" ارضا -ونفوسا الى حد ما- بين العام 1975 والعام 1990.

وكان ربيع في اعمال سالفة له قد تميز عن كثير من الكتاب اللبنانيين الذين تناولوا موضوع الحرب اللبنانية في انه في بعض الاحيان وإن باختصار غاص عميقا وبصراحة في هذه الحرب ولم يقع في التسطيح والتبسيط في تناوله اسبابها ونتائجها كما لم يقع في شرك كتابة "تاريخ مزور" عبر ما عرف تقليديا بأنه تكاذب متبادل اشتهرت به السياسة اللبنانية بتغطية الواقع بنيات طيبة مصطنعة وعدم التجرؤ على الصراحة والتكاشف وهما اهم اسباب "الشفاء" الجماعي.

وقد صورت الحرب عند كثيرين من هؤلاء الكتاب من خلال وصف اهوالها ووفقا لمخطط بدا كأنه "لأزمة" تكررت عند عدد كبير منهم.

ويمكن اختصار هذ المخطط أو هذه الصيغة التي تكررت في صور مختلفة بما يلي -أو بما يشبهه- "ظلمونا فظلمناهم ثم ندمنا جميعا... لقد فاجأتنا الحرب.. لعن الله من تسبب في خلافاتنا نحن الابرياء". وبتبرئة الذات هذه بدت الحرب هنا اقرب الى حدث طبيعي لا يد للانسان فيه انما هو ضحيته العاجزة.

إلا أن ربيع في روايته الاخيرة "المقلقة" لم يركز على اسباب الحرب فلم يحمل الى القارئ تأريخا ولا تحليلات اجتماعية بل سيكولوجية. لقد اعتمد ما يمكن وصفه بأنه "ميكروكوزم"... يبدو من حيث التشبيه اقرب الى قول ابي العلاء المعري عن الانسان "وتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر".

فبطل ربيع جابر هنا هو انسان فرد يمثل افرادا كثيرين وجماعات ايضا ويتحول على يدي الكاتب رمزا يمتلئ "لا وعيه" بكل آلام الحرب وويلاتها ولا معقوليتها. يتحول الامر عند ربيع الى تصوير حالة من الارتياب تسكن النفس فيصبح الانسان مسكونا بخلل قتال. القاتل منقذ والقاتل قاتل وقتيل ايضا.. وجوه الناس حولك لا تشي بمن عاش منهم على الدم ولا بمن جبل بالطيبة والبراءة. الكل مدان اذن ولا يمكننا هنا ان نقول انه مدان الى ان "يثبت العكس" فلم يعد هناك مجال لإثبات من هذا النوع. انت اذن محكوم عليك اما بالاخذ بظاهر الامور أو بالجنون أو بالتوصل الى طريقة للتوازن النفسي الشخصي وللتعايش من ثم مع الآخرين وللنسيان.

رواية "الاعترافات" التي وردت في 142 صفحة متوسطة القطع صدرت بصورة مشتركة عن "المركز الثقافي العربي" و"دار الآداب".

يطرح جابر في الرواية قصة تشبه فواجع متعددة عرفت في الحرب إلا انه يحولها الى حالة رمزية رهيبة وصارخة حتى في هدوئها. وربما اخذ عليه القارئ هنا انه في بعض وصفه للاحداث والحالات بدا كأنه يشبه آخرين في التكرار والتفصيل وإن كانت الغاية سعيا الى تركيز ما يريده في ذهن القارئ. إلا ان عمله ككل هو بين اعمال اخرى تناولت الحرب الاكثر غوصا في النفس الانسانية.

موضوع الرواية، الذي يشبه وقائع عرفت خلال الحرب، تناول فترة سوداء وربما الاكثر سوادا في تلك الحرب.. انها فترة الخطف والقتل على الهوية. عائلة كانت تنتقل من القسم الغربي من بيروت. ضل الاب السائق طريقه ووصل الى حي في القسم الشرقي حيث واجهته مجموعة على رأسها اب خطف "الطرف الآخر" ابنه الطفل ثم قتله. انه يريد انتقاما لا يشبع. اطلقت النار على ركاب السيارة فقتل جميع افراد العائلة باستثناء ولدها الصغير. وفي جو ضبابي من حيث وصفه يكتشف الاب المفجوع الطفل الذي كان في عمر ابنه القتيل فلا يقتله بل يأخذه الى بيته ويربيه. في عمق اعماق الحقد رأى فيه طفله البريء الراحل. جميع الاطفال متشابهون كما يبدو بل كما يجب ان يكون الامر. نشأ الولد في البيت واحدا من العائلة. عومل بمحبة الا انه كان دائما يشعر بغرابة في النظرات وبعض التصرف. انه هنا بعد ان كبر يتذكر امورا غائمة ويصف لنا ايامه.

يقول عن ابيه الجديد.. "ابي كان يخطف الناس ويقتلهم. اخي يقول انه رأى ابي يتحول في الحرب من شخص يعرفه الى شخص لا يعرفه. هذا اخي الكبير. اخي الصغير لم اعرفه.. اعرف صورته.. اعرف وجهه.. يشبهني في الصور -كان يشبهني- اكثر مما يشبه اخي الكبير. اسميه اخي الصغير وكنا كلنا في البيت نسميه.. في رؤوسنا نسميه.. حتى من دون ان نذكره ونحن نحكي. كانت صوره تملأ البيت. ماذا كنت اقول.. اسميه اخي الصغير ولم يكن اخي الصغير ولكنه الصغير لأنه ظل صغيرا.. لأنه لم يكبر.. لأنهم قتلوه وهو صغير".

وبعد موت الوالد يقوم الاخ الاكبر الذي كان قد تحول الى مقاتل في الحرب بمصارحة اخيه الاصغر بحقيقة ما جرى. وكان الاخير قد صار طالبا في الجامعة الاميركية في بيروت. كان هذا الاصغر طوال سنوات يشهد فيما ظنه احلاما.. صورا ووجوها تأتيه فلا يفهم منها شيئا ولم يكن يدري انها ذكريات عن عائلته الاولى.

في هذا القسم اي من وفاة الوالد ومعرفة الشاب قصته الحقيقية تتخذ كتابة جابر دفعة حياة جديدة مؤثرة عميقة وموحية تغور في اعماق النفس بشكل افضل مما عرفناه في القسم السابق. يقول البطل عارضا لنا بعض ما كان يمر فيه "احيانا كنت ارى امي في المنام. أرى امي الاولى وأرى امي الثانية. كنت ارى امي التي ماتت وهي تبكي وتمسك بيدي وانا اجلس جنبها على سريرها.. اذكر الصبي الذي كان انا كان يتقافز حول السرير.. ارى ايضا امي الاخرى الام التي خرجت من بطنها والتي افكر دائما انها ماتت وهي تحميني انا واخوتي من الرصاص الذي حطم السيارة".

وفيما يبدو حالا من حالات انفصام فرديا ووطنيا ان شئنا التعميم يتابع هذا الشاب حياته بعد حالات من المرض كادت تقضي أن عليه وقيل له انها حالات نفسية. انه محكوم بالحياة في نمط او انماط معينة منها.

حاول ان يكتب "مناماته" لكنه لم يوفق في نقلها. الا ان على الحياة ان تستمر. و"صرت ارى منامات اقل وأرى منامات لكنها لا تتعلق بزمن الطفولة. مرت السنوات وبيت الذاكرة تكاثرت غرفه. ذكريات جديدة ترقد فوق ذكريات قديمة.. طبقة تدفن طبقة. مناماتي تغيرت".

أما كيفية تحول شخص من هذا النوع بفعل الحياة هذه فنقرأ عنها بلسان البطل واصفا عمله في الجامعة وحياته في محيطها واصدقاءه القليلين "لم اعد صغيرا. ادنو من الاربعين واشعر بالسنوات التي عشتها. على جوازي وعلى بطاقة هويتي مكتوب 29 ايلول 1971 لكنني حتى اليوم لا اعرف تاريخ ميلادي... لم اتزوج لكنني اشعر بالراحة. كانت هناك مراحل وجدت فيها صعوبة في البقاء وحدي. الآن تعودت على هذا... انني منذ زمن بعيد لا احب ان احكي كثيرا. لا احب الكلام. افضل ان انظر من هذه النافذة".

"اعرف من نظرتك ماذا تفكر. لكني حقا لست شخصا كئيبا. سأخبرك شيئا قبل سنوات خطر لي ان احتفل بعيد ميلادي. اعرف ان هذا التاريخ اعتباطي".

ذهب "مارون" بطل الرواية الى باتيسري "دفعت الباب ودخلت فوجدت الهواء باردا طيب الرائحة. ارتحت ساعة دخلت. كان المكان فارغا... ووراء براد الجاتوه فتاة شابة... اصغر سنا من طلابي... ابتسمت وهي تسألني عن حجم القطعة... طلبت القطعة التي احبها ولم احدد الحجم.. طلبت القطعة الكبيرة وذهبت. جلست الى طاولة جنب الزجاج. كان المكان هادئا والاصوات من الخارج خافتة... نظرت الى السيارات وفكرت في أشياء متباعدة وعندما شعرت بها تنحني وتضع الصحن على الطاولة التفت. ابتسمت لي. قلت شكرا... قالت لي شيئا لا اعرف ماذا بالضبط... كلماتها لا اذكرها لكن اذكر صوتها. كانت لطيفة شابة لطيفة... ثم عادت الى مكانها. هذا كل شيء. لكن شعورا حلوا ملا نفسي... هدوء غريب خيم علي وأنا انظر الى القطعة في الصحن ثم التفت وانظر الى الخارج. السيارات تمر. رجل يعبر الرصيف يحمل كيسا. رجل آخر يمر وهو يكرج امامه عربة فها طفل. امرأة تخرج من سيارة وتحاذر لئلا تقع بسبب الكعب العالي.. بوق سيارة... لكني اسمعه خافتا... حملت الشوكة وأكلت النصف الثاني من القطعة. كانت اطيب قطعة جاتوه اكلتها في حياتي. اكلت القطعة الكبيرة كلها وجمعت الفتات بالشوكة وأكلته ايضا. اكلت القطعة كلها وشعرت بالسعادة".