ريتا عوض تخط "الشعر والنبوة - أبو الطيب المتنبي بالشعر"

غلاف الكتاب-(من المصدر)
غلاف الكتاب-(من المصدر)
 صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، للباحثة والناقدة الفلسطينية الدكتورة ريتا عوض؛ كتاب بعنوان "الشعر والنبوة- أبو الطيب المتنبي بالشعر".
في كلمة على غلاف الكتاب تشير الباحثة عوض، إلى أن تراث الشعر العربي ينفرد بوجود شاعر يعد شاعر العربية الأكبر، ويحمل لقبا مرتبطا بالنبوة، وأن أبا الطيب يقول: "إنه لقب بالمتنبي لأنه أول من تنبأ بالشعر. ولم يجد ذلك التفسير للقب "المتنبي"، الذي يجمع بين قولين: شعري ونبوي، ما يستحق عناية دراسي المتنبي وشعره، قدماء ومحدثين ومعاصرين، إن الجمع بين الشعر والنبوة في وصف المتنبي لإبداعه الشعري، وتجليات التعبير الفني الجامع بين القولين الشعري والنبوي في شعر أبي الطيب المتنبي، من القضايا التي تعنى بها هذه الدراسة النقدية: "الشعر والنبوة أبو الطيب المتنبي بالشعر".اضافة اعلان
وتوضح الباحثة عوض في الكتاب، أن تراث الشعر العربي ينفرد بوجود شاعر يعد شاعر العربية الأكبر، يحمل لقبا مرتبطا بالنبوة. وقد أثار لقب "المتنبي"، الذي عرف به أبو الطيب، اهتمام الناس بمستوياتهم كافة في عصره، بعد أن ذاعت شهرته في البلاد وتناقل شعره الناس في أرجاء الدولة العباسية المترامية الأطراف، واستمر ذلك الاهتمام عبر ما يزيد على عشرة قرون من الزمن إلى يومنا هذا. وكان أبو الطيب نفسه يسأل عن سبب لقبه "المتنبي"، ليعرف إن كان ادعى النبوة في مطلع شبابه أم لا، مما وصلنا أخبار سجلتها كتب التراث. وباستثناء رد واحد موارب بدا أقرب ما يكون إلى شبه إقرار بأنه ادعى النبوة في حداثة سنه قال فيه: "إن ذلك الشيء كان في الحداثة أو جبته الصورة".
وتقول: "إن المتنبي كان يفسر لقبه بأمرين: أولهما، أنه سُمى المتنبي لأنه تشبه بالأنبياء في إحدى قصائده، وثانيهما، أنه تنبأ بالشعر أو كان أول من تنبأ به". وقد رأى البعض في إجابتي المتنبي هاتين عن السؤال الذي كثيرا ما كان يُطرح عليه، تهربا من الإجابة وإنكار الادعاء بالنبوة، ورأى البعض الآخر أنهما لا تحملان نفيا صريحا وقاطعا بأنه لقب بالمتنبي لأنه ادعى أنه نبي. وظل السؤال الذي شغل من كتب عن لقب أبي الطيب المتنبي هل ادعى أبو الطيب النبوة ولذا لُقب بالمتنبي.
وتبين المؤلفة، أنها في هذه الدراسة طرحت عددا من الأسئلة لمناقشة ما تثيره مسألة العلاقة الملتبسة بين الشعر والنبوة من إشكالات، والبحث فيما يحمله الجمع بين القولين الشعري والنبوي من دلالات: ما وجه الشبه بين الخطابين الشعري والقرآني رغم الاختلاف الجلي والكبير بينهما، مضيفة، أنها تناولت هذه الأسئلة بالتحليل والنقد شعر المتنبي الذي حقق فيه حلم النبوة الذي فاته تحقيقه في مغامراته الخطيرة في زمن حداثته.
وترى عوض، أن المتنبي أبدع في رسم صورة فنية لذاته المتعالية اتحد فيها الشاعر والنبي، وعبر في لغة شعرية وصفت "بالإعجاز" عن رؤية شعرية كاشفة في واقع عصره الاجتماعي والسياسي، وعن وعي حضاري وتاريخي نادر في زمنه، وتأمل في شؤون الحياة والناس، وتفكر بأسرار الكون والوجود البشري. وقد عادت المؤلفة إلى أقدم ما وضعه العلماء من شروحات لديوان المتنبي وقيل: "إنها زادت على الأربعين شرحا".
وتقول المؤلفة: "إنها تناولت في هذه الدراسة ديوان المتنبي لبحث مسألة العلاقة الملتبسة بين الشعر والنبوة في التراث الثقافي والديني الإنساني عامة، وفي التراث العربي خاصة، وعرض ما وصلنا من أقوال القدماء ورواياتهم حول ادعاء المتنبي النبوة ومناقشة تلك الأقوال، وما قاله النقاد وشراح ديوانه في شأن ما وصفوه بطريقته المخترعة في الشعر".
وألقت الباحثة الضوء في دراستها، على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العصر الذي عاش فيه المتنبي عامة، وفي البيئة التي نشأ فيها خاصة، وهي أوضاع كان لها الأثر الكبير فيما تطلع إلى تحقيقه سواء أكان في ادعائه النبوة. لأن صورته الشعرية مبتدعة، أم في شعره ذي الصوت النبوي. وإننا نأمل أن تكون هذه الدراسة محفزا لمزيد من التأمل والبحث في إبداع شاعر بدا كأنه اختصر الشعر العربي بأسره، وجسد روح تراث أمته الشعري، وامتلك لغة يؤمن أبناؤها أن بها تغييرا.
وتحت عنوان "في بلاط سيف الدولة: شفاعة المتنبي في بني كلاب"، تشير المؤلفة إلى أن تعلق المتنبي بالبادية والأعراب في شعره في حلب اتخذ صيغة مختلفة تماما عن تلك التي تجلى بها حبه لها ولأهلها في المراحل المختلفة الأخرى من مسيرته الشعرية، بخاصة بكل من مصر وفارس. فإذا كان تغزل المتنبي بالمرأة البدوية في تينك المرحلتين خاصة، وهو بعيد عن البادية وأهلها، وسيلة فنية للتعبير عن احتفائه بالبادية بوصفها رمزا لانتمائه القومي الوثيق في عصر تنامت فيه الحركة الشعوبية وضعفت فيه قبضة العرب على الحكم، فآلت السلطة الحقيقية فيه إلى الأعاجم من تُرك وفرس وديلم، ولعودته إلى تراثه الشعري القومي العريق، بما هو أساس لإبداع عصري حديث متصل بذلك التراث، ومستقل عنه في الآن ذاته، فإنه في السنوات التي أمضاها بخدمة سيف الدولة في حلب كان قريبا من البادية التي كانت أجزاء شاسعة منها تحت سيطرة الأمير الحمداني، وتشكل جيشه من العديد من رجالها.
وتقول: "كانت تلك القبائل، ثارت أكثر من مرة على سيف الدولة أثناء وجود المتنبي في خدمته. وقامت بين سيف الدولة والأعراب غزوات، حفظ ديوان المتنبي أربع قصائد قالها فيها. وقد أصبح المتنبي سيف الدولة في إحدى تلك الغزوات، وهي التي قدمها ابن جني.
وترى عوض، أن المتنبي خالف ما توقعه سيف الدولة منه حين اصطحبه معه في غزوته هذه لبني كلاب. فقد وضع المتنبي قصيدة لا يصف فيها ما شهد من معارك، وهو ما يطلبه الأمير من شاعره، ولا هو ذكر قتلا ولا دماء، رغم أن سيف الدولة قتل من بني كلاب رجالا، كما ذكر ابن جني. لقد اختار المتنبي التعبير عن رفضه القتال بين الإخوة وأن يتحولوا إلى أعداء، فأنشأ رائعته الفريدة هذه التي مزج فيها مزجا مبدعا وعجيبا بين مدح الأمير العربي الذي طالما صوره في صورة البطل القومي المثالي، ومدح خصومه العرب الذين أمضى سنوات طويلة من عمره بينهم وأحبهم. ولعل من أعجب ما فهيا ما استطاع الشاعر تحقيقه من توازن بين المدحين، وإن كانت الكفة فيه تبدو أحيانا أنها مائلة إلى بني كلاب. يخاطب المتبي سيف الدولة في قصيدته.
وتشير، إلى أن المتنبي قد انتقى من ما جرى من أحداث في تلك الغزوة عناصر قصيدته وعبر عنها بلغة شعرية في لوحات فنية رائعة، فسما بالشعر العربي إلى أعلى درجاته، إلى الجيل المعجز الذي طالما تشوق شعراء العالم العظام في كل العصور لبلوغه مستغلا الطاقات الإيحائية للغة الشعرية ليومئ إلى مالا يرغب بالتصريح به. ويواصل المتنبي مخاطبة سيف الدولة فيقول: "طلبتهم على الأمواه حتى/ تخفوف أن تُفتشهُ السحابُ/ بت لياليا لا نوم فيها/ تخب بك المُسومةُ العرابُ...".