"شبرمة صاحب المزمار" للشورة.. رواية تمزج بين الواقع والخيال

1702204720282807800
"شبرمة صاحب المزمار" للشورة.. رواية تمزج بين الواقع والخيال
عمان-الغد- صدرت رواية "شبرمة صاحب المزمار" للكاتب الدكتور صالح علي الشورة، عن دار كنوز المعرفة في أيلول (سبتمبر) الماضي.
من عنوان الرواية، تدرك بأنك أمام رواية تاريخية، وعند قراءتها تعرف بأنها مزجت بين الواقع والخيال. تتحدث الرواية عن حقبة غابرة تتعلق بنشأة دولة الأنباط العربية في الرقيم/ البترا. اضافة اعلان
اختار الكاتب حقبة زمنية كاد التاريخ أن يغفلها لقلة مصادر المعلومة عنها، فالرواية لا تناقش دولة الأنباط ووجودها كدولة قائمة فاعلة، بل ناقشت بدايات التأسيس وكيفية الوصول إلى الحكم، وهذا ما أشار إليه المؤلف في نهاية روايته، حينما تمكن الأنباط من السيطرة على الرقيم، تحديدا في الصفحة 352؛ حيث قال "استرجعنا ملك أجدادنا الضائع في الرقيم، وإنه الآن بدأت حكاية الأنباط والرقيم التي يعرفها الناس".
نجح الشورة في وصف حياة الأنباط، وتناول شخصيات حقيقية سواء بالأسماء أو حتى في الأفعال بطريقة درامية مذهلة. وركز على أهم ما وجد عند الأنباط، وهي لعبة المثاقفة التي شكلت الفيصل بين الجد والهزل وبين الحلم والواقع. 
تمكن المؤلف من نقل القارئ إلى ذلك الماضي السحيق بكل مكوناته، حتى خيّل إليه أنه يتنقل بين جنبات جبال رم، وصحراء حسمى، ويسمع صهيل الخيول وهي تعلن استعدادها لحرب هنا وغارة هناك. ومكن القارئ من رصد سوق الرقيم، وأن يشتم روائح أعشابها ويتذوق بهاراتها الفريدة، كما راقب حركة الناس بكل خفة ومهارة. 
ووصف حياتهم الاجتماعية وشكل ملابسهم، والبضائع التي برعوا في التجارة بها، كما صور حياة الناس الدينية وطقوسهم والتراتيل التي كانت ترافق الأحياء منهم والأموات، والعطور التي رافقت الإنسان منذ خلقته الأولى.
أبرز المؤلف شأن النسر أو سيد الجبال، كما كان يطلق عليه الأنباط، لارتباطه بالصيحة التي بعثت في جذعهم ثمود كما تبنت الرواية. وكيف أنهم عبدوه ليدفعوا ضره ويتقوا شره.
قلد الراوي لجام السرد لبطل روايته "شبرمة"، وعلى لسانه سُردت الأحداث، سواء ما تعلق بمعاناته مع معشوقته لطف أو في تحقيق أحلام الدولة برفقة الملك الحارث في الرقيم. 
وقد أفرد مساحة في بعض الأوقات للشخصيات الأخرى، لكي تتفاعل داخل أوراقه دون أن يملي عليها فعلها أو يتجنى على خطوط سيرها حتى يكاد القارئ يعتقد بأن الراوي هو أسير شخصيات روايته وليس العكس. كانت المفارقة التاريخية بأن البطولة نسوية بامتياز، خاصة وأنها ارتبطت بصناعة لحظة نفسية تاريخية فارقة. فقد أخذت المرأة دور الرجل في الفداء والتضحية واستطاعت أن تصنع ما عجز الرجل عن فعله، كما هي قصة عيرا وزوجها ميسرة وابنها شبل. أو لطف وشبرمة، وقصة المثاقفة بين شأس وشبرمة. وليس معروفات إن كان الكاتب قد رمز بهذه الحكايات إلى أن المرأة تمثل الدور الرئيسي في صناعة أحداث التاريخ، أو أراد بأن الأحلام الكبيرة لا تتحقق إلا بتضحيات أكبر منها، كما حدث للطف وعيرا. 
برز السرد الروائي في وصف مكونات البيئة العربية من صحراء وبحر وغيرها، فجاءت أسماء الأماكن بشكل ظاهر مثل: الرقيم. والبحر المالح، وبحر القلزم، وحسمى، وسوسيا، وبصيرا، وساروق الحديد ودبا الحصن وغيرها. كما حضرت الأسماء الحقيقية بشكل واضح مثل: الحارث، وعبادة، وأرأس، وأنيب، وهُدد، وقوس، وملحو، والباتر.
أبرز الشورة لعبة المثاقفة كصانع حقيقي تاريخي للحالة الاجتماعية للأنباط، وهي التي كانت سائدة في تلك الفترة بين القبائل العربية ومن اختلط بها والأنباط على وجه الخصوص. وقد أبدع في الربط بينها وبين القصة الرئيسة التي بناها في روايته. 
أوضح الكاتب أن الأسباب التي ترتفع فيها الأمم وتحفظ فيها الدول نفسها من السقوط هي فضيلة العدل، وهذا ما كان حاضرا على لسان عبادة أبي الحارث وعلى لسان الملك الباتر في مسالك الطاعة، ولسان قوس الشخصية الظالمة المتعجرفة، وكأن الكاتب أراد بهذا التنويع بالشخصيات وموقفها من فضيلة العدل الإثبات بأنه أمر لازم للاستمرار سواء للدول أو للأفراد وبغض النظر عمن يطبقه.
حشدت الرواية بعناصر التشويق التي احتلت المساحة الكبرى منها منذ البداية وحتى النهاية، وذلك من خلال أسلوب الحكّاء التاريخي الذي اتبعه المؤلف وبرع في إظهاره. فالقصة تشد القارئ منذ الصفحة الأولى. وقد أضافت اللغة الفصحى العتيقة والتراثية التي برع الكاتب في استخدامها بعدا جماليا ممتعا أضاف المزيد من التشويق والغموض والجمال. وهذا بدوره أعطى قيمة أدبية عالية للقصة.
ظلت العاطفة متقدة متأججة سواء في القصة التي حبكها الكاتب بين بطلي الرواية شبرمة ولطف أو حتى من خلال شخوص الرواية بشكل عام وجريهم وراء غايتهم، وهي استرداد ملكهم الضائع في الرقيم. وأورد الكاتب الدستور الحقيقي الذي ألزم الأنباط أنفسهم به، وبين لم وجد هذا القسم، وكيف انعكس التزام الأنباط بتطبيقه على أنفسهم بكل ما ضج به من خشونة وشظف على تحقيق أمان كانت تحسب بأنها من ضروب المستحيل. أفرد الكاتب مساحة جيدة للحزن الذي لفّ الإنسان كمخلوق ضعيف وبالوقت نفسه صانع كبير للتاريخ، منذ تشكل أحداثه وحبكاته، فمزج بين نفس الإنسان التائهة بكل ما فيها وتأثرها بالبدايات والنهايات وبين محيطه بكل مكوناته كما هو في قوله: "وبدأت أشتم رائحة ريق المطر وهي تمتزج بالتراب".
في الحقيقة، ناقشت الروية ماضيًا سحيقًا، إلا أنها في الوقت ذاته استندت إلى قالب روائي نوستالجي برع المؤلف في إسقاطه على أحزان عصره، وتمكن من تسريبه بكل رشاقة إلى إنسان عصرنا. وأعلن من خلال الأحداث التي عصفت بروايته بأن الإنسان هو هو، لم يتغير في أصله الروحي ولا المادي فظل أسيرا لهواجسه وأفراحه وأحزانه. 
الرواية، بكل تجرد، تغوص في الإنسان ولواعجه، بكل ما فيه من مشاعر وأشواق ونار ورماد. فتحزن لحزنه وتفرح لفرحه. شخصيات حزينة وطموحة وحالمة عدوا خلف أمانيها، وتجاوزوها ولكنهم دفعوا ثمن ذلك، حزناً ودمعاً ودماءً. وفي النهاية، فإن الرواية، ذات قيمة مرتفعة، حيث راعت جميع عناصر النجاح، وقدمت تأريخا بقالب أدبي رصين عن فترة تاريخية غارقة في القدم والتاريخ. وقد تحركت الشخصيات ببراعة في المواقف المختلفة، ولا غرابة في ذلك لأن الكاتب في الأصل هو سيناريست وله عمل درامي مميز، وهو مسلسل "مالك بن الريب".