"شمس قليلة" للعناني: ظلام ووحدة وأحزان تهادن الدمع وتستخف بجدواه

 

   بيروت - قد يحار القارئ امام مجموعة الشاعر الاردني زياد العناني الاخيرة "شمس قليلة" في وصف قسم من قصائدها.. اهي كلها شعر من نمط قصيدة النثر ام ان قسما منها هو نثر لا يلبث في تدرج سطوره ان ينسينا نثريته بتوتر ونبض معديين.

اضافة اعلان

اجواء مجموعة العناني هذه سرعان ما تجعل القارئ يستخف باسئلة من هذا النوع ليقول لنفسه "اذا لم يكن ذلك في كل الوانه وقدرته على التأثير في النفس شعرا فكيف يكون الشعر؟"

   قصائد العناني تتسم في ما تتسم به بخصائص الشعر الوجداني وقدرة على التدرج شبه القصصي وموسيقى داخلية ذات نبض يمتزج فيه الحلم بالسوداوية. وتميزها ايضا تلك الاجواء التي يصعب تحديد عناصرها والتي تنقل القارىء الى تلك المتعة الغريبة التي يجدها او كان يجدها في قصص الاحزان القديمة التي تعلق بالنفس وتتداخل فيها الطفولة بالشباب المولّي وبالوحدة والوحشة تحيطان بشيخوخة هادنت الدمع بل استخفت بجدواه.

   ضمت المجموعة 43 قصيدة جاءت في 115 صفحة من القطع المتوسط وصدرت عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" بغلاف حمل لوحة للفنانة الالمانية كارين كولمان.

من القصائد الاولى في المجموعة قصيدة "الطاغية". القصيدة تأتي في جو يشبه الاجواء الروائية التي تتحدث عن دكتاتوريي اميركا الجنوبية وسقوطهم الذي يكشف عن نمور من ورق او فزاعات طيور في حقول مزروعة. وهي تحمل -وبتصويرية- الواقعي جنبا الى جنب مع الرمزي. وهي ايضا من قصائد العناني القليلة التي لا تتحدث مباشرة عن "الذات". يقول:

" لم يسقط من فرح

لم يسقط من سكر

هي ريح مرت على فزاعته القديمة

 فسقط

من غير ان تكون له مهابة الصقر او القطة

كنا في حناجرنا

كنا قلوب الطير

ياه

كل ذاك الذي كان يؤلمنا

مجرد ثوب من قماش

يوجه مهنة القتل بلا اسف ولا دموع

ياه سقط  .. سقط مغشيا على الدولة ومضى."

   بعض اجواء المجموعة تختصر في قصيدة "اعمال ليس" وفيها يقول "ليس لي بلد/ ليس لي قبر/ وليس لي حتى امرأة/ اذا مت/ تركض في الفراغ/ مبددة/ نعيها."

وتبرز قدرة الشاعر على خلق كثير من الرسوم شبه الغرائبية في مجالات عديدة. عن المفجع الذي يوزع بعدل او ما يشبه العدل على القاتل والقتيل .. واي عدل هو.. يظهر لنا في قصيدة "سنة الحياة" حيث يقول "كل قتلاي الان/ من تراب.../ الاول الذي سرق حبيبتي/ والخامس الذي خلّع اظافري/ والسادس الذي كان يضحك وهو يلعب في دمي.../ كل قتلاي الان/ من تراب/ وانا في المصحة/ اشرب جرعتي."

   في قصيدة "في الحقيقة" وجع واحزان لا يزيلها اي كلام. يقول "لا شيء يؤاسي امراة فقدت/ زوجها/ حين يهطل المطر ويتفتح/ الربيع/ في الحقيقة .../ لا شيء نحبه ونحتفظ به/ .../ كل ما كان لهم صار لنا.. ذهبوا دون ملابسهم/ وناموا. حتى الدعوات التي كنا نرسلها لهم تساقطت/ قبل ان تصل الطيور. ذهبوا بلا بيوت او نساء/ او سراويل يرتدونها اذا حدث ان خرج احدهم/ في غفلة حفار يريد ان يزرع جثة اخرى/ لا شيء يواسي ما حدث في الشهادة/ او في مدح البطولة/ البطولة ان تذهب من غير مقاومة/ الى نومك الطويل/ بعد ان تغلق الباب تماما/ في وجه الخرائط والثغور."

   في قصيدة طويلة بعنوان "كأس دامعة" يقول الشاعر "ادر ايها النادل/ واسق من حنّ/ ومن مال براسه/ نحو البكاء/ ادر.../ لا عليك من الندم/ ماذا تريد ايها الندم/ وماذا يفعل المرء في لحظاته الاخيرة/ او كيف يودع العالم بسواك/ هي شهقة/ من بياض/ ثم انسى/ كيف كوفئ قلبي بالخسارة/ والمرض/ انا الخسارة../ .../ ادر/ ادر/ بعد قليل/ سارفع كلتا يدي/ عاليا/ عاليا/ ثم انسحب."

في "امي" يقول بغرابة وحزن جارح "عبر الزجاج/ رايتها/ ما لوحت/ رحلت الى الجنة/ ركبت وحيدة بجانب السائق/ وزفتها سيارة العميان."

قصيدة "عربات ناقصة" تفيض كآبة وتحفل بحصاد عمر مر. يقول "بعد امراتين/ عدت الى امي/ لم اقل شيئا عن الشيطان.../ عدت/ وقلت هكذا يبدأ التلاميذ/ الجيدون حياتهم/ بيت.. مجرد بيت/ وام تفسد الحياة/ بالدعوات/ والانات المريضة التي تلائم/ موتي/ وكآبتي.../ جالسا واسأل.. لماذا يا زياد/ بقيت عرباتك ناقصة/ لا بلاد في بلادك ولا صلاة/ في معابدك/ ولا نوم ولا حياة قد تقترحها/ وانت الحالم الدائم/ لماذا يا صاحب الدمعة المالحة/ تعيش/ وقد خسرت كل شيء/ مر الجميع الى احلامهم/ وانت لاه مثل خيال تورط.../ الشعر حزين والقلب حزين/ .../ الشعر حزين/ وانا اسأل بعد هذا العمر/ كيف يعود المرء الى امه/ مثل طفل/ تقوده خلاعة الاكتئاب/ ليسقط سهوا/ في سريره الاول/ بعد ان اعمل الذبح/ في صورة الزوج/ ومزق صورة الاحوال/ وحرق هم العائلة."