طبعة جديدة من رواية "تماس المدن" للروائي الراحل نجيب المانع

قوات الاحتلال خلال عملية دهم في مخيم جنين في الضفة الغربية.-(ارشيفية)
قوات الاحتلال خلال عملية دهم في مخيم جنين في الضفة الغربية.-(ارشيفية)

عزيزة علي

عمان- صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر طبعة جديدة من رواية المترجم العراقي الراحل نجيب المانع "تماس المدن"، تحت عنوان "إطلالة على عالم نجيب المانع"، حيث كتب د.حمد البليهد تقديم لها، مبينا ان الطبعة الأولى من الرواية صدرت في بغداد أواخر السبعينيات.اضافة اعلان
ويبين البليهد أن نجيب المانع كان آنذاك قد تجاوز الأربعين من عمره، وكان متأثرا بـ"دوستويفسكي وبروست وستندال"، فقاده شغف المعرفة، وغنى تجربته الثقافية إلى النهايات القصوى من المثالية، والتوغل في بحر الأفكار المتشابكة، متعمقا في عوالمه الداخلية وأحلامه الوجودية، فجعل أحداث الرواية تجريبا فكريا يعبر عن مجتمع يستشرف مستقبله، وتتنازعه الأهواء والطموحات، وتتناهب أفراده متاهات القلق والخوف والشك، وابتكر فيها عالما متخيلا مناظرا للواقع.
وتصور الرواية وفق المؤلف، المجتمع العراقي في تلك اللحظة التاريخية؛ فجاءت أحداثها حاضنة لسياق تلك الحقبة التي شهدت نشاط المد اليساري، ثم انهيار الأحلام المبهجة.
ويشير البليهد إلى أن الرواية اختارت شريحة من المثقفين الميسورين في عراق ما بعد الحكم الملكي، وأنشأت بهم مجتمعا سرديا تتفاعل في عالمه الافتراضي، فالشخصيات تتعارض آراؤها ومواقفها حول موضوعات مختلفة، ووضع نجيب المانع في روايته كثيراً من المفاتيح الدالة التي نطقت بها شخصياته بعفويّة لتفتح الأبواب كلها في ضوء الشمس المشرقة أو الغاربة.
ويواصل المؤلف حديثه؛ أظهرت الرواية شخصيات متنافرة؛ إذ تُظهر الود في العلن، ولكنها تتآكل من جراء تنازلها على الطموحات الخاصة. وكما اعترف دوستويفسكي ببعض الخلل في رواياته، فإنّ نجيب بعد عقدين من صدور روايته يقدم رأيه في تركيبها وأسلوبها، بقوله: "كتبت روايتي تماس المدن، وجعلت الصفحات العشرين أو الثلاثين الأولى تنحو منحى الرواية الجديدة؛ فهي حيادية، بيضاء، عينية؛ أي بصرية، معنية بالأشياء أكثر من عنايتها بالناس.
ويقول البليهد إن المانع أمضى حياته في القراءة العميقة لعباقرة الفكر الإنساني، وجرب الكتابة في أنواع أدبية مختلفة، كالشعر، والقصة القصيرة التي حاكى فيها جمس جويس، والمقالات المبعثرة في الصفحات الثقافية كالآداب والمجلة اللبنانية التي كان يشرف عليها يوسف الخال، لكنه لم يهتم بجمعها، ثم انصرف إلى الترجمة التي استنفدت معظم وقته وجهده. وأدى إيغاله في القراءة، وانشغاله بأعمال وظيفية إلى عدم الإخلاص للكتابة، وتهيبها؛ بحثا عن المثالية فيها، وحين فكّر في تحديد هويته الإبداعية بكتابة خاصة تترجم رؤيته للعالم كان "استهلاك العبقريات" كما يقول، قد أنهك طاقته، فلم يصدر له في حياته باستثناء الترجمات سوى هذه الرواية التي قد يلمح القارئ في صفحاتها الأولى ظلالا من رواية الأفكار لا رواية الأحداث.
ويرى المؤلف أن الرواية أنجزت بمهارة، وكُتبت بذائقة اقتصادية"؛ إذ كتبها نجيب بصياغة رفيعة، قوامها متانة العبارة، وقوة السبك، ورهافة الإحساس، وثراء المعجم اللغوي، واعتمد في بناء بعض فصولها على إطار الرسائل التي تتبادلها الشخصيات، فجعلها حيزا شخصيا لتداول الأفكار والتحليلات، فجاءت وكأنها رسائل كُتبت ولم تُرسل إلى أصحابها، والرسالة التي لا تُرسل عن قصد هي إحدى تلك الأمكنة الحاضنة لما لم يُصرّح به.
ويعتبر البليهد أن الرواية تحمل رسالة، حيث تجلّت ببراعة المانع وبتحليلاته النفسية العميقة، إلا أنّ تلك الفصول تعثّرت أحياناً بكثرة التعليقات، وطول الحوارات التي أعاقت حركة السرد، واحتكم الأسلوب فيها إلى الجمل الطويلة، لكنّها في معظمها جيّدة التركيب تُحيل إلى المعاني بدقة، وقد أضرّت جرعات الوعي الزائدة التي تمثّلها الصوت الواحد بحيوية الأحداث، وطبع التعبير عن الشخصيات بالذاتية، فجاءت أفكارها صدى لوعي الشخصية الرئيسة "سليم الصابري".