عبابنة يستحضر محطات من تاريخ الشاعر الراحل عبد الله رضوان

الشاعر والناقد الراحل عبدالله رضوان-(من المصدر)
الشاعر والناقد الراحل عبدالله رضوان-(من المصدر)
عمان- لعل أول ما يحضرني عند الكتابة عن عبد الله رضوان هو "ديوانه القصيدة"، الذي كتبه عن إربد وأطلق عليه اسمها ولقبها (عروس الشمال)، وقد كنت كتبت عنه وقتها مقالة نقدية مختصرة، وعندما نشر أعماله الكاملة بعنوان (شهقة من غبار) جعل على الغلاف الخارجي للمجموعة بعض الآراء التي تقيم تجربته الشعرية وتكيل له الثناء على شعره، وقد هنأته بصدور مجموعته هذه ذات لقاء، وغمزت مازحاً بأنني كتبت عنه أكثر من دراسة ولكنه لم يضع شيئاً مما قلت على الغلاف مع ما وضع من أقوال لثلاثة من المثقفين، فابتسم قائلاً: "صدِّق أنني راجعت مقالاتك التي كتبتها عن تجربتي الشعرية، ووجدتها مقالات مفيدة، ولكنني لم أجد فيها عبارة ثناء واحدة، فما الذي سأضعه يا أخي؟".اضافة اعلان
أما وقد انتهى مشوار الحياة بما فيه مع الشاعر والناقد والإنسان، عبد الله رضوان، فإنني سأكون جريئاً في طرح مشاعري وسأقول فيه ما كان يتمنى أن أقوله عنه.. لقد غاب فارس الشعر والنقد والثقافة عن الساحة، كما غاب غيره ممن قادوا الحركة الأدبية التي جعلت الأردن وقتها على الرغم من شح الإمكانيات يقف في طليعة الدول العربية التي تطمح إلى إثبات نفسها على خريطة الحركة الثقافية في الوطن العربي. 
والحقيقة أن مسألة الكتابة عن شخص له مكانة عبد الله رضوان ليست مغرية للقول عن ميلاده في إحدى مدن فلسطين المحتلة، وهي مدينة أريحا، ولا عن عام ولادته، وهو العام 1949، لأن حياته ظلت بعد أن ترعرع شعلة من النشاط والخدمة العامة، وقل أن تجد شخصاً ينتمي إلى الرغبة المجردة عن الهوى في خدمة الثقافة والمثقفين بكل دأب وهمة لا تفتر، وكان مكتبه حيثما حل يعج بالمثقفين الأردنيين والعرب على اختلاف تدرجهم الإبداعي إلى أن توفاه الله، وقد كنت تعرفت إليه أول مرة في وزارة الثقافة عندما كان مديراً لدائرة الدراسات والنشر بالوزارة، ولم تنقطع الصلة بيننا بعد ذلك أبداً، كنت وقتها أعمل في جامعة مؤتة، وكانت محطتي الدائمة في وزارة الثقافة مع الشاعر الناقد وزميله في الدائرة الأديب المثقف عزمي خميس الذي أدين له بهذه العلاقة الطيبة مع عبداالله رضوان، وهناك عرفت في الشاعر صفات كثيرة من الإبهار والألق مما لا تجده عند الكثيرين، فقد كانت الوزارة في وقته شعلة النشاط الأولى في النشر والنشاطات الثقافية كالأمسيات والمؤتمرات والندوات، وفارس هذه النشاطات وحامل الشعلة هو الأديب عبدالله رضوان، فضلاً عن أن مجلة أفكار كانت مسخّرة موضوعياً وإبداعياً لكل الأصوات العريقة المشهورة، أو الطامحة إلى المجد والظهور، وأكاد أجزم أن كثيراً من أدباء هذا الجيل يدينون بفضل أو أكثر للشاعر الذي لم يكن يتوانى عن تقديم الخدمة الثقافية لا في موقعه فحسب، بل كان يسعى إذا اقتنع ببذرة الإبداع إلى غرسها في أماكن أخرى بحكم علاقاته الطيبة مع المؤسسات الثقافية الأخرى كرابطة الكتاب الأردنيين أو الناشرين الآخرين أيام كان النشر أمنية للصاعدين وللمعروفين من الأدباء.
تقاعد عبد الله رضوان من وزارة الثقافة وهو في أوج عطائه وقدرته على قيادة الحركة الثقافية في الأردن، ولم يلبث أن تسلم الوظيفة الثقافية مرة أخرى، ولكن في أمانة عمان الكبرى، فكان رئيسا للدائرة الثقافية في أمانة العاصمة، واستطاع أن يرتقي بأدائها نحو القمة وكان أوج نشاطه عندما كان المهندس نضال الحديد أميناً للعاصمة، وقد عرف قدرات الشاعر رضوان، فأطلق يده في العمل الثقافي في العاصمة فجعل من الدائرة الثقافية مركزاً للإشعاع الثقافي والإبداعي، إذ غدت دائرة تحتل موقعاً مثيراً على مستوى الثقافة في الأردن والوطن العربي، وكانت المؤتمرات لا تتوقف عن النشاط في أي مجال ثقافي، وقد كان المثقفون يحضرون من سائر البلدان العربية من المغرب إلى الخليج للمشاركة في هذه المؤتمرات، فضلا عن غزارة المنتج النقدي والإبداعي المنشورين على نفقة الدائرة الثقافية.
وعلى الرغم من أن هذا النشاط كان بدافع قوي من الدائرة الثقافية، فإن الشاعر لم يطلب من وراء ذلك مجداً شخصياً، ولم يكن يسعى إلى نشر اسمه أو الظهور بين الأدباء والمبدعين، بل كان دافعه هو الحرص على الحركة الثقافية التي تحتاج إلى رجل له رحابة الصدر والرغبة الحقيقية مثل عبد الله رضوان.
وقد كان لي معه موقف يطيب لي أن أذكره، فذات مرة كنت مطالباً بالتواصل مع شخص ما، ولكن ذلك الشخص لم يستجب لاتصالي معه، فذكرت ذلك للشاعر رضوان، فسألني كم مرة أعدت الاتصال به، قلت له: ولا مرة، فقال لي: هل تعتقد أنك رجل علاقات؟ اتصل به مرتين وثلاثاً إلى أن يرد. وقد كان هو يفعل ذلك، فكان يلح في أي أمر يتعلق بالثقافة، ويظل كذلك إلى أن ينجح فيه.
وبعد ذلك ترك الدائرة الثقافية في أمانة العاصمة تاركاً وراءة فراغاً أثر في الحركة الثقافية في الأردن عامة، ولكنه لم يتوقف أبداً عن أداء الدور نفسه بهمة لا تعرف الكلل، وذلك في مركز الرواد الكبار الذي تقوده السيدة هيفاء البشير، وعلى الرغم من أن هذه الهيئة هيئة تطوعية غير حكومية، فإنه قد استطاع أن يؤسس لقيام حركة ثقافية تمتاز بالمستوى الرفيع من الأداء وتمثلت بخدمة الحركة الأدبية والثقافية، وقد كان لمحدثكم مساهمات في هذا المركز، استمرت مدة طويلة تمثلت بالمشاركة في ندوات مختلفة كانت جوهر نشاطات مركز الرواد الكبار لأنه مركز قائم على التطوع والتبرعات، فلم يكن بالإمكان أن يعقد المؤتمرات المكلفة مثلاً.
وهنا يتوقف القطار معلنا أن الشاعر كان في الهزيع الأخير من رحلة العمر.. الرحلة المرهقة الجميلة التي تحتشد فيها الإبداعات والقدرات المكتنزة على قيادة الحركة الثقافية.. انتهت رحلة العمر وخلفت عدداً كبيراً من الإنجازات والأصدقاء الذين ما يزالون يفتقدون أبا علاء، فقد دخل الشاعر الواعي والمثقف الإنسان والمبدع المتميز في مرحلة راحة وغياب عن الوعي، استمرت أكثر من شهر، إلى أن توقف عن النبض وفارقنا إلى ملكوت الله الرحيم في شهر آذار (مارس) 2015.
إنجازات عبد الله رضوان: على الرغم من أن عبد الله رضوان شاعر غنائي لم يكتب في الشعر الدرامي إلا القليل، وعلى الرغم من أن الشعر الغنائي هو الشعر الذي يمكن أن يقدم الشاعر إلى ذوي النفوذ والسلطة، فإنه لم يجعل من شعره وسيلة للتقرب من أحد، بل يمكن وصفه بأنه من أصحاب الرؤى الممتدة التي حافظ عليها طوال مسيرته الشعرية، فلم يقع في فخ الشهرة، ولم يكن شاعراً متكسباً يعتاش من سواد صفحاته، بل ظل مخلصاً لقضيتنا الأولى، قضية فلسطين، كما كانت حاله في إخلاصه لأردنيته وموقعه من الحركات الأدبية في الأردن، وظل مخلصاً لرابطة الكتاب الأردنيين، ومحاولاً جهده أن يفتتح الفروع المختلفة للرابطة، وكان الفرع الأول للرابطة في الجنوب الأردني الذي يضم مادبا والكرك ومعان والطفيلة والعقبة، وقد ظل الفرع آنذاك يحاول جاهدا أن يندفع نحو الأهداف المنشودة إلى أن انتهى دوره يومها، ولكن الفروع الأخرى ظلت فاعلة إلى يومنا هذا، بما فيها فرع الرابطة في إربد.
أما الإنجاز الشعري للشاعر، فقد تتمثل في نشره الدواوين الشعرية الآتية: "خطوط على لافتة الوطن" 1977، "أما أنا فلا أخلع الوطن" 1979، "أرى فرحاً في المدينة يسعى" 1983، "الخروج من سلاسل مؤاب" 1982، "يجيئون، يمضون.. وتظل الحياة" 1995، كتاب "السيدة" 1998، "عروس الشمال" 1999، كتاب "الرماد" 2001، و"شهقة الطين" 2001.
وإنجازه في نقد الشعر: كتاب "البنى الشعرية"، لقد تضمن كتاب البنى الشعرية لعبد الله رضوان مواضيع كثيرة تمتاز بالجدة والموضوعية، نذكر منها: بنية القصيدة العربية، ومدينة بلا قلب "دراسة في شعر أحمد عبدالمعطي حجازي"، وشعراء التسعينيات في الأردن، والتجربة الشعرية النسوية في الأردن، وظاهرة المهجرية الجديدة "أمجد ناصر نموذجاً"، ومن أقوال الشاهد الأخير حيدر محمود دراسة تطبيقية، وأحزان صحراوية، تيسير سبول، وديوان المسافر عبدالمنعم الرفاعي، والجمهرات سليم بركات، وإبراهيم نصرالله، والتحليق على ارتفاع منخفض إدوارد حداد، وثنائية الرجل -الوطن سلوى السعيد، وفي قصيدة النثر، والغموض في الشعر العربي، وعدد كبير من الكتب والدراسات. وقد نشر دراساته وغيرها في مجموعته الصادرة العام 2003 بعنوان "البنى الشعرية".
وكتاب البنى السردية، وهو مجلدان كبيران، جعل الجزء الأول في نقد القصة القصيرة والجزء الثاني في نقد الرواية، فأما الجزء الأول فقد تضمن فصلاً عن البنى السردية وآخر عن لغة القصة القصيرة درس فيه لغة القصة القصيرة في أعمال ثلاثة وعشرين من القاصين الأردنيين، وجعل الجزء الثاني من المجلد الأول لدراسة الرمز والمرأة والجوانب الفنية وهي محتويات كتابه المعروف: "النموذج".
وأما المجلد الثاني في نقد الرواية، فهو دراسات نقدية تحدث فيه عن ملامح الرواية الأردنية واتجاهاتها العامة، والخطاب الإيديولوجي السياسي في نصوص من الرواية الأردنية، ودرس في الفصل الثاني رواية أحياء في البحر الميت لمؤنس الرزاز باعتبارها رواية رائدة، وأتبعها في الفصل الثالث بدراسة عن رواية مؤنس الرزاز أيضاً: اعترافات كاتم صوت، ثم درس في الفصل الرابع رواية متاهة الأعراب في ناطحات السراب للرزاز أيضاً، ودرس في الفصول الأخرى قضايا تتعلق بالرواية كالتجديد في الرواية الأردنية، والمبنى الحكائي والبطل التراجيدي، ومسألة الواقع والفن وعمان في الرواية الأردنية.
خلاصة الحديث: "لقد كان أديبنا الكبير يسعى إلى تأسيس مشروع عام ومشروع خاص، فالمشروع العام قائم على فلسفة أن الأردن صالح ليكون نواة لمشروع عربي فلسفته الثبات والحق، مشروع يشترك فيه أبناء الوطن الواحد وأبناء العروبة بوصفه يملك فلسفة شمولية تتسع للفكر العربي الحر المستنير".
وأما المشروع الخاص، فهو إنجازه الذي لم يتوقف، إنجازه المستمر مع دقات القلب، لم يتوقف هذا المشروع عن الحضور والعطاء حتى توقف القلب الجميل عن نبضاته.
رحم الله المثقف الإنسان الشاعر الناقد عبد الله رضوان رحمة واسعة.

د. يحيى عبابنة - جامعة اليرموك