"عبودة" لميرزا: قصص بمشهدية عالية

عزيزة علي

عمان  - صدر عن دار الفارابي اللبنانية للزميل كمال ميرزا "زولاق" مجموعة قصصية بعنوان "عبودة وأربع عشرة قصة قصيرة أخرى"، وتضم خمسة عشر قصية بين القصة الطويل والقصيرة، وهي قصص غير ساخرة بل تحمل الكثير من السخرية السوداء.
يقول ميرزا هذه المجموعة ليس الأولى بل سبقها العديد من القصص نشرت متناثرة، وكانت تجارب عرضية، عبارة عن تفريغ انفعال ما انتابني، أو متأثرا بشيء ما قرأته، فالكتابة الصحفية هي التي كانت "تستهويني في المقام الأول وليس الأدبية"، وتحديدا الصحافة الساخرة، ربما متأثرا بطفرة "الأسبوعيات" التي شهدتها الصحافة الأردنية خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو ما دفعني لاحقا لدراسة الصحافة والإعلام خلافا للآمال والتوقعات المغايرة التي كان يرتجيها لي الأهل والمدرّسين.
ويضيف ميرزا في حوار مع "الغد"، كُتبت قصص هذه المجموعة في الفترة ما بين عامي 2012 و2014، وهي فترة انتابني خلالها اندفاع داخلي غير مفسر نحو كتابة القصص القصيرة، لدرجة أن فكرة القصة كان يمكن أن تداهمني وتستحوذ على تفكيري في أي وقت ولأهون سبب، ولا تتركني لحالي إلا بعد أن أكتبها وانتهي من كتابتها، مبينا أن مجموعة كانت في الأصل خمسين قصة متباينة الأطوال والموضوعات كتبت في تلك الفترة، ليتم منها "خمس عشرة قصة قصيرة".
ويرى المؤلف أن الكاتب في بداياته لا يكون قد نضج بعد، فالكاتب أيّا كان مجال كتابته، لا يدخل مرحلة النضج إلا بعد أن تستقر لديه إجابة واضحة محددة على سؤالين رئيسيين: هم "لماذا أكتب؟ ولمَن أكتب؟"، فأنا لا أكتب لأنني "صاحب مشروع أدبي، ولا بحثا عن الشهرة والأضواء، وللاستعراض وفرد العضلات، وللإيقاع بالمعجبات وحصد اللايكات، ولا للنخبة، او المثقفين ولا لمن هوايتهم القراءة"، أنا أكتب للمجتمع بمفهومه الواسع، للناس الذين أتحدث عنهم في قصصي، وهو ما يفرض علي مقدارا من المُباشرة والتبسيط في كتابتي بخلاف ما جرت عليه العادة فيما اصطلح على تسميته بـ "الكتابة الأدبية". ونفى ميرزا انه يتحدث عن مجتمع بعينه بل هو يتحدث عن المجتمع العربي والإسلامي على امتداده، قائلا "أنا أنتمي إلى آخر جيل تربّى على أن العرب والمسلمين هم أمّة واحدة، قبل أن ندخل ويدخل العالم بعد حرب الخليج الأولى مرحلة جديدة، ويصبح للسياسيين وللدول والأنظمة القائمة وللنظام العالمي الجديد مشاريع أخرى، وأولويات أخرى، وخطاب تربوي وإعلامي وثقافي آخر".
ويشير إلى أن جزءا من الأزمة الحضارية التي نعيشها يعود إلى محاولة البعض فرض نمط شكلي معين لما ينبغي أن يكونه العربي، ولما ينبغي أن يكونه المسلم، وعلى المستوى الوطني لما ينبغي أن يكونه المواطن، وما ينبغي أن يكونه الانتماء.
ويبين المؤلف أن قصة "عبودة" لها خصوصية تختلف عن بقية قصص المجموعة، التي جاءت على نسق النقد والتفكيك والتقويض: تقويض نمط من التدين الشكلي المادي الذرائعي الذي رُوّج وفرض على المجتمع لخدمة أغراض ومشاريع ومصالح ليس لها علاقة بالدين نفسه، ونمط من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و"الجنسية" التي أعيد تعريفها لتخدم ذات الأغراض والمشاريع والمصالح، ولتمنح الفرد العذر والحجة والذريعة لتبرير سلبيته واستسلامه وتواطؤه مع الوضع القائم.
وعن العلاقة بين الكوميديا والسخرية، يقول "تقوم الكوميديا على المفارقة، بينما السخرية على التناقض، الذي يصل أحيانا حد الشذوذ والجنون، لا أظن أن هناك سخرية سوداء وسخرية بيضاء، السخرية هي سوداوية وكئيبة ومحزنة بطبيعتها، بكونها تضعنا صراحة، وأحيانا بشكل فج و"دفش"، أمام تناقضات وشذوذ شخصياتنا، ووجودنا الاجتماعي بتجلياته الاقتصادية والسياسية والثقافية. وعن دراسته ودورها في الكتابة القصصية يقول المؤلف "أخذت من دراستي للإعلام حسي الاجتماعي العالي وانهماكي في الشأن العام، وكذلك إدراكي لأهمية أن تعرف جمهورك، أو على الأقل تحدده، قبل أن تكتب، فكتاباتي تقوم على مثلث متساوي الأضلع مكوّن من "الأدب، والانثروبولوجيا، والسينما"، فقد أخذت من "الأدب" الشكل أو الجنس الكتابي "القصة القصيرة"، والتي تقوم على وحدة الفكرة وتكثيف اللحظة وضغط الأحداث أو اختزالها، ومن الانثروبولوجيا العناية بالتفاصيل، سواء التفاصيل المادية أو المعنوية، والتي نجدها "مدحوشة" وسط السياق والأحداث والجمل، وتمنح النص دلالات إضافية أعمق وأكثر إيحاءا، وتساعد في تجسيد الحالة وإيصال الفكرة والانفعال المقصودين بشكل أفضل.
ويضف أخذت من السينما "المشهديّة" العالية، وقد سبق لي وأن شاركت في دورات لكتابة السيناريو، وكتبت عددا من سيناريوهات الأفلام القصيرة. والمشهديّة العالية تتماهى مع الكتابة الانثروبولوجية، حيث أن الأصل في النص الانثروبولوجي، أو ما نسميه "اثنوغرافيا"، أن يتمكن القارئ من أن يرى ويسمع ويشم ويلمس ويعيش الحدث والوقائع من خلال النص المكتوب، مشيرا إلى سلبيات التفاصيل الإثنوجرافية المُعترضة فهي تفسد سلاسة اللغة، ومن سلبية المشهديّة العالية أنها تفرض إيقاعا  سريعا لا يترك للقارئ فرصة لالتقاط أنفاسه.. ولكنني لا أمانع ذلك، بل وأحبذه، بكون القصة عندي لا تحدث أثناء القراءة، وإنما تحدث بعد انتهاء الشخص من القراءة، فالانثروبولوجيا والسينما تنتقصان من "أدبية" النص، ولكن هذه الصيغة بالنسبة لي هي صيغة مثالية بكونها تخدم الغرض الأساسي من الكتابة: "الهاجس الاجتماعي".
 وعن اختيار عنوان القصص يبين ميرزا أنه يكتب القصة بلا عنوان، ثم يأتي اختيار العنوان لاحقا، "وكثير من القصص لم أضع لها عنوانا إلا عندما شرعت بتجهيز المجموعة للنشر، فانا ما أزال أتبع في اختيار عناوين قصصي نفس المنطق المتّبع في العناوين الصحفية؛ أبحث على العنوان الذي يعبّر عن الفكرة أو الشخصية أو الحدث الأساسي في القصة، على أن يتمتع هذا العنوان بشيء من الإثارة والغرابة والفضول من أجل حث القارئ على القراءة".

اضافة اعلان

[email protected]