عدد جديد من "مشارف": إعادة وصل ما قطعته الحرب عبر إبراز حميمية نص السيرة

 

عمان-الغد- قطعت الحرب التي شنّتها اسرائيل على لبنان في صيف 2006 الكثير من الأواصر، الإنسانية منها والحياتية، والثقافية أيضًا. لم يتخطّ فعل القطع العنيف هذا، المطبوعات والمنشورات، ومنها فصلية "مشارف" الثقافية الصادرة في حيفا. من هنا، باشرت الفصلية الفلسطينية افتتاحيتها بإشارة الى ذلك بالقول: "سرقت الحرب، رغمًا عنّا، عددًا وربما أكثر من "مشارف". فلم يكن بدّ من العودة، فور أن تيسّر ذلك، مع واحد من أكثر الملفات حميميّة على صعيد النصّ - ملفّ السيرة".

اضافة اعلان

وإن كان الملف ينفتح بدايةً على ذلك اللون الحميم من الكتابة، وسط حالة من القطع والانقطاع والرّأب بالكلمة، فقد جاء غلاف الفصلية حاملا ايحاءات ذلك في صورة بعدسة محررة "مشارف" سهام داوود، وهي لبوابة في قرية عين حوض الفلسطينية وقد لفتها سلسلة حديدية، ومن بين قضبانها تتراءى خلفية لفضاء داخلي متروك لعين الخيال.

سرّ السيرة "مشارف"، الوفيّة لمؤسسها ورئيس تحريرها الأول، إميل حبيبي، برؤياه الثقافية، تنشر رسالة "شهادة فيه بقلم صديقه"، زميل الدراسة الثانوية معه، الكاتب والباحث الفلسطيني إحسان عبّاس، الذي رحل في تموز 2003. هي رسالة، على اقتضابها أحد مصادر حميميّتها الدافئة، تلتقط نقطة وصل بين سيرتين لشخصيتين ثقافيتين فلسطينيتين بارزتين. إذ يكتب عبّاس لحبيبي: "آه ما أصعب الفراق، وما أصعب اللقاء بعد فراق طال ستين عامًا. أرأيت؟! لو كُتب لنا أن نلتقي - هل كنّا سنخرج من مجلسنا ونحن على وئام واتفاق؟! لقد باعدت بيني وبينك الأيام. أنا طوفت العالم من أجل أن أعود الى فلسطين، ففقدتُ فلسطين الى الأبد. وأنت بقيت مقيمًا في وطنك متمسّكًا بترابه، ونلت ما لم ينله فلسطيني قبلك: أن تُدفن في تراب وطنك (...) كنت أتمنى أن ألقاكَ ولكني كنت على يقين أنه لم يبقَ لنا من العمر مدّة تسعف على استعادة كل الذكريات. ومع ذلك فإنه لا يعزّيني عنك شيء. لقد عرفتَ كيف تسخر من نفسك ومنّا ومن أعدائنا. إن السخرية أو المفارقة، خلّدتك أديبًا كبيرَا وروائيًا عظيمًا، وفي هذا القدر خلود حقيقيّ تستحقه".

من هنا يصبح الانتقال الى ملفّ هذا العدد، السيرة، يسيرًا بعفوية تنساب. وفيه تشارك مجموعة من الكتّاب الفلسطينيين والعرب، ويضمّ شهادات مترجمة لكتّاب عالميين في زملاء لهم. يكتب طارق الطيب، الروائي والشاعر السوداني المقيم في فيينا تحت عنوان "البحث عن الزمان في المكان (كائنات السيرة الذاتية)" فصولا من ذاكرته. مما جاء: "كنّا مهذّبين مؤدّبين في المرحلة الابتدائية، لكن في المرحلة الاعدادية وفي بداية فترة المراهقة المجنونة، جذبتنا الشتائم التي نسمعها ممن هم أكبر منّا سنًا. لم تكن شتائم عراك وخلاف، وإنما شتائم عجيبة من المحبة رغم كلماتها شديدة الوقع " كوّنا مجموعة دائمة لكرة القدم – الكرة الشراب – وذهبنا الى أرض فضاء وقسّمنا أنفسنا الى فريقين. بدأنا اللعب وسب الفريق المنافس بسبب وبدون سبب".

تحت عنوان "الطريق الى عدن" يكتب الشاعر العراقي المقيم في لندن عبد الكريم كاصد عن حياته في اليمن منذ وصوله اليها. يقول: "كان لمساءات عدن الجميلة أثرها في نفسي: عطورها التائهة عند البحر، شبابيكها المرشوشة بالورد، روائحها الفائحة بأطعمة الباعة الجوّالين، وأغانيها التي بدت لي كلماتها في سباق محموم مع ألحانها. وبدت هذه المساءات، بعد فترة، أجمل عند وصول حبيبتي الراحلة التي اقترنتُ بها هناك  بعد عام فقط اختفت الأمسيات كأنها لم تكن. أين اختفت؟!".

في "صحبة الآلهة" يقدم الباحث والشاعر العراقي المقيم في لندن فوزي كريم نصًا قوامه عناصر أدبية وموسيقية عن بغداد. مما يورده: "هناك استثناء تفرضه فرادة الخبرة. فالعلاقة مع الكتاب، أو الفنون البصريّة، والسمعية، معهودة لدى الجميع. الأطفال يبدأون معها منذ الدراسة الابتدائية. ولكن علاقة مع الموسيقى الجدية، أو الكلاسيكية، وخاصة في شريحة اجتماعية كالتي أنتمي إليها في العراق، لا يمكن أن تحتفظ بها الذاكرة دون شوائب. فهذه الموسيقى طارئة، وافدة من الغرب".

أما للكاتب الفلسطيني أنطون شماس، إبن قرية فسوطة والمقيم في ميشيجان فنقرأ شهادة قُدمت في "مسرح المدينة" في العاصمة اللبنانية تحت عنوان "عائد الى بيروت". وهو يتكئ على ذاكرة والدته لبنانية المولد، وعلى كتابات وقراءات، لاستكشاف مكانة بيروت المنيرة، فيكتب: "صفّ العسكر، طوط طوط- وحْنا رايحين عبيروت. هذه لازمة كنا نغنيها في شمال فلسطين، في الخمسينيات، كجزء من لعبة غريبة لا تحضرني الآن تفاصيلها. كنا نسير، بعضنا خلف بعض، واضعين أيدينا على كتفي الذي أمامنا، مردّدين الأغنية بأعلى ما تستطيعه رئاتنا الصبيانية، في دائرة مغلقة، "مكانك سِر"، غير ذاهبين الى محلّ بعينه، أو هدف، ولكن بصورة أو بأخرى واصلين في نهاية المطاف الى بيروت. تلك كانت بيروت بالنسبة لنا كأطفال - ندور داخل منشآت اللغة، قبل دريدا بسنوات طويلة..".

القسم الثاني من باب السيرة، "نوافذ"، وهو عن صورة الكاتب في عدسة كاتب آخر، تقدّم "مشارف" لقرّائها، وبترجمتها، عدة مقطوعات رفيعة كالتالي: نيكولاي جوجول، بقلم: ايفان تورغينيف؛ تشارلز ديكنز، بقلم: إليزابيث جاسكل، وبقلم: جورج اليوت، وبقلم: توماس كارلايل؛ توماس هاردي، بقلم: روبرت جريفس؛ جوستاف فلوبير، بقلم: جورج صاند؛ الى جانب نص هو ملخّص لحوار أجراه أوكتافيو باث عنوانه "زيارة شاعر: روبرت فروست".

(أصوات الشعر)

باب الشعر جاء كعادة "مشارف" غنيًا في نصوصه، تنويعة شعرائه، وأصواته المختلفة. وهو يبدأ بالشاعر الفلسطيني أيمن إغبارية في مجموعة قصائد منها: "وسائد أمي"، "سأعتذر من أشباحي"، "عصا الأستاذ أحمد"، "الجدار" وغيرها. في قصيدته "لماذا اختارونا كي نكون ضحاياهم؟":

"سنكتب ما نشاء

 لكنهم سيتركوننا دون أن ندري

 لماذا اختارونا كي نقلدهم في كراهية الطبيعة؟

 لماذا درّبونا على الوقوف طويلا على الشاطئ؟

 ولماذا علينا أن نهجس بفؤوسهم كل العمر؟".

الشاعر الفلسطيني المقيم في دمشق خالد سليمان-الناصري يشارك بعدد من القصائد بينها:"فقه"، "نهار"، "أنا والهواء" وغيرها. من قصيدته "كأني لا أحد":

"وكانت البئر إشارة الى الفزع

والمردومة إشارة إليّ

لكنه الفزع:

 تابوتٌ بارد أريده فتمضي حياتي به

كأني لا أحد".

الشاعر الفلسطيني المقيم في عرابة الجليلية بشير شلش، يطل في مجموعة منها: ""كونشيرتو"، "القاتل"، "رسالة"، "دعها تعوي هذه الوردة" وقصائد أخرى. في الأخيرة نقرأ:

"روحك تؤلمك. خدوش الفضة

 لا تداوى بالسّهر

 يد تكمش هواء مقنّعًا

 راضية بحصتها من الحسرات".

طه محمد علي، الشاعر الفلسطيني إبن صفورية المهجّرة والمقيم في الناصرة، يساهم بـ "جوع وجوع"، "لا لا.. يابا!"، "الخوف" الى جانب قصائد أخرى. من "شاي ونوم":

"لم أسرق قمحًا

 لم أنهب ماعونًا

 فبودّي:

أن يقيّض لي

 أن ألمح، مرة كل شهر،

 أو كل شهرين..

 تلك التي حُرمت من رؤيتها

 مذ فارقتها

 في صدر عمري".

(حكايا النص)

في باب النصوص نقرأ لديمة ياسين، الكاتبة العراقية المقيمة في فانكوفر، نص "شجرة النارنج". فتكتب: "إن مررت في النهار، سترى على حافة دجلة مرقد خضر الياس الذي صنعه الناس كرمز لغيابه في النهر، مكوّنًا من غرفة صخرية صغيرة جدًا، ولها شباك واحد لا يمكن رؤية ما وراءه من شدّة الظلام في الداخل، وسترى بعض الناس حوله يخضبون جدرانه بالحناء وينذرون النذور إن تحققت أمنياتهم".

القاصة والمسرحية الفلسطينيّة الغزّيّة سماح الشيخ تساهم بثلاثة نصوص، "بحث عابث"، "تعثرتْ بقدرها.. فسقطت في النور" و "في مشفى". جاء في الأخير: "جلست أنتظر، وإذ بسيدة بدينة جدًا تدخل وحدها. ضحكت قليلا في قلبي وأنا أتخيّل أنها كانت في مثل نحافتي قبل أن تقابل الموظف الإداري ذاك. لكني من الداخل شعرت بسعادة، إذ أتت وحدها مثلي. وأحببت جلوسها بجانبي، لكنها عبثت بمحتويات حقيبتها المتناهية في الصغر، بشكل عصبي، وسرعان ما انسحبت من المكان..".

(رؤى متعددة)

في باب رؤى تنشر "مشارف" بإذن خاص من الأكاديمية السويدية-جائزة نوبل للآداب، محاضرة حائز الجائزة، المسرحي هارولد بينتر التي ترجمها الياس نصر الله. منها "الجميع يعرفون ما حدث في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية كلها خلال فترة ما بعد الحرب " لكن ما أود إثباته هنا أن جرائم الولايات المتحدة في الفترة ذاتها لم تُسجّل الا بشكل سطحي، ناهيك عن توثيقها، ناهيك عن الاقرار بها، ناهيك عن مجرد الاعتراف بها كجرائم".

في الباب نفسه هناك مقالة للباحث الفلسطيني في العلوم السياسية بروفيسور جوزيف مسعد، المحاضر في جامعة كولومبيا، هي نقد لفيلم "ميونيخ" تحت عنوان "ميونيخ أو صنع البقلاوة". وفي سياق مقارنته بفيلم آخر يكتب: "إذا كان الفلسطيني الجيّد في "أكسودوس"، هو المتعاون طه الذي قُتل على يد الفلسطينيين لخيانته، فإن "ميونيخ" يقدم الارهابي علي، الذي قُتل على يد الإسرائيليين لأنه لم يكن مثل طه، تأكيدًا على أن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت".

(صوت شعري عبري)

باب الثقافة العبرية خُصّص للشاعر حاييم غوري، الذي ترجمه وقدّم له الشاعر الفلسطيني سلمان مصالحة. يكتب الأخير أن قصائد غوري المبكرة "تعكس تجربة جمعية أكثر منها فردية" بينما "في أشعار غوري المتأخرة هنالك عزوف عن الحديث الجمعي وجنوح الى البوح الذاتي". في قصيدة "هؤلاء الشيوعيون" نقرأ:

"غالبية الوعود ذهبت هباءً، بقيت من ورائنا

 كما بقايا عتاد تشير الى طريق الهزيمة

فقط الأغاني التي غنيناها، التي لا أحلى ولا أجمل منها

 استمرّت بدوننا تداوي أسى العالم".

(حوار بلغة النوتة)

يختتم العدد باب حوار، وقد أجراه الكاتب المغربي طه عدنان مع الموسيقار اللبناني مرسيل خليفة الذي يعلن "الموسيقى فعل حرية". مما يجيبه على أحد الأسئلة: "في عصرنا الراهن، اذا لم يشتبك الموسيقي أو المؤدي مع هذا الدوران المدهش للعالم، وإن لم يكن منخرطًا فعليًا في الشغب الذي لا بد منه، فلن يتمكن من الإجابة عن الأسئلة المطروحة، ولن يصل الى التعبير عن قضايا العالم".