"علم الاجتماع الغربي" لوالرستاين: دعوة لصياغة جديدة للعلوم الطبيعية الإنسانية

غلاف الكتاب-(الغد)
غلاف الكتاب-(الغد)

عزيزة علي

عمان -  يتناول كتاب "علم الاجتماع الغربي" مساءلة ومحاكمة كبير علماء الاجتماع ومراجعة فكر الرواد، وهو من تأليف إيمانويل والرستاين وترجمة أستاذ علم الاجتماع في جامعة تونس محمود الذوادي، وصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي.اضافة اعلان
ويستعرض الكتاب مقولات معرفية سادت علم الاجتماع الغربي، وأخذت صفة اليقينيات والمسلمات ويحاكمها من منظور نقدي سوسيولوجي ناقدا البنى المعرفية لثلاثة من رواد علم الاجتماعي المعاصرين هم: دوركهايم، وماركس، وفايبر، الذين يمثلون مرجعيات علم الاجتماع التقليدي، وامتد تأثيرهم على علماء الاجتماع في الشرق والغرب.
ويدعو مؤلف الكتاب، وهو من أشهر علماء الاجتماع في العالم، إلى ما أسماه "ثقافة علم الاجتماع" وصياغة جديدة للعلوم الاجتماعية، والطبيعية الإنسانية، تقوم على منهج معرفي توحيدي للعلوم والمعارف البشرية، وهو ما يتوافق مع الرؤية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية، التي تؤكد وحدة العلوم والمعارف، كما يقدم قراءة ضرورية للمتخصصين وغير المتخصصين.
وهذه الدراسات هي عبارة عن لقاء والرستاين بعلماء الاجتماع من القارات الخمس، بمناسبة انعقاد المؤتمر الرابع عشر لهذه الجمعية في مدينة مونتريال بكندا في صيف 1998، حيث إن المتبع في الجمعيات العلمية، أن الرؤساء يتوجهون إلى الأعضاء بخطب في مواضيع وقضايا مختلفة ذات علاقة بتخصص كل جمعية.
ويعتبر أن النص السوسيولوجي هو الخطاب الرئاسي الذي ألقاه والرستاين في 26 تموز (يوليو) في العام 1998، أمام جمع من علماء الاجتماع المنتسبين الى ثقافات ومجتمعات وأعراق ولغات وألوان متعددة.
ويقول المترجم محمود الذوادي إن محتوى هذا الخطاب مفيد لعلماء الاجتماع العرب على مستويات مختلفة، فمعظمهم يتبنون نظريات علم الاجتماع الغربي ومناهجه ولا يكادون يوجهون أي انتقادات لها.
ويشير المترجم إلى أن والرستاين يقوم بمساءلة سوسيولوجيا الرواد الغربيين المؤسسين في ما سماه "ثقافة علم الاجتماع"؛ إذ ركز على تراث الفكر السوسيولوجي الغربي المؤسس اليوم لعلم الاجتماع في الشرق والغرب.
ويلفت الذوادي إلى ثلاثة من الرواد الذين يمثل فكرهم ومؤلفاتهم المرجع الأول لثقافة علم الاجتماع المعاصر وهم "دوركهايم وماركس وفييبر"، مشيرا إلى أن علماء الاجتماع العرب وغير العرب يرددون في حالات كثيرة بشيء من القدسية بأن هؤلاء الرواد يمثلون عرين علم الاجتماع الكلاسيكي، وأصحاب المقولات التي يستوعبها ويستعملها علماء الاجتماع في الشرق والغرب بوصفها مسلمات غير قابلة للشكل والمساءلة.
ويعتقد الذوادي أن تلك التلميحات الاحتجاجية على جموع علماء الاجتماع في الشرق والغرب، والشمال والجنوب لأحد أكبر المفكرين للسوسيولجيين الغربيين مع نهاية القرن الماضي، تؤكد أن علم الاجتماع الغربي المعاصر ليس بخير، لا على المستوى الابستيمولوجي ولا على مستوى فكر الرواد الأوائل، ما جعل والرستاين يقود حركة تصحيح وتجديد على هذين المستويين.
وينوه المترجم إلى أن والرستاين وهو من أعلام حركة التصحيح التي تنادي بوحدة العلوم وأرضيتها الابستيمولجية التوحيدية. وهي دعوة تجد ترحيبا كبيرا في صلب الثقافة العربية الإسلامية، فمشروعية "توطين" علم الاجتماع العربي في تربة هذه الثقافة التي تستمد قوتها من ركيزتين يصعب القدح في شرعيتهما وهما:
"إن الثقافة العربية الإسلامية سباقة - على المستويين الفكري والتطبيقي - إلى تبني الرؤية الابستيمولجية التوحيدية للمعارف والعلوم". مشيرا إلى أن" القرآن الكريم، هو كتاب الثقافة العربية الإسلامية الأول، حيث تنادي آياته بوحدانية الخالق ومنه بوحدة ظواهر الكون على الرغم من تنوعها".
ويعتبر الذوادي أن دعوة والرستاين إلى علماء الاجتماع وتتابع مناشدات أخرى من العلماء في الغرب إلى توحيد ابستيمولجيا علوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية والإنسانية ينبغي أن تستقبل بترحيب أكبر، واستعداد أقوى لتبنيها عند علماء الاجتماع العرب وبقية التخصصات الأخرى في جامعات المجتمعات العربية، التي تهيمن فيها الثقافة العربية الإسلامية.
ويؤكد المترجم أن الثقافة الإسلامية تنادي بصوت عال بوحدة ابستيمولجيا العلوم والمعارف البشرية جميعا؛ إذ الرجوع إلى تلك الابستيمولجيا من منظور الثقافة العربية الإسلامي هو عودة إلى الأصل.
ويشير الذوادي إلى أن والرستاين وزملاءه المتحمسين لفكرة توحيد ابستيمولوجيا ما يسمى بـ"الثقافتين" على وعي بالعراقيل الكبيرة والكثيرة التي تقف أمام مشروع توحيد ابستيمولجيا الثقافتين من جديد في المجتمعات الغربية، لافتا إلى أن الموسسات الأكاديمية في الغرب قامت بإرساء بنى التخصصات التي أحدثت وتحدث قطيعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
ويرى أن هذه البنية الأكاديمية خلقت عقلية عدم التواصل أو ضعفه، والجفاء والقطيعة بين الباحثين والعلماء المنتمين الى إحدى هاتين الثقافتين، منوها إلى أن نجاح مشروع والرستاين ورفقائه في توحيد ابستيمولوجيا العلوم والمعارف البشرية كان سيجد مساندة قوية لو أن المجتمعات الغربية المعاصرة كانت ذات ثقافة تشبه الرؤية الابستيمولوجية للثقافة العربية الإسلامية التي تؤكد وحدة العلوم والمعارف.

[email protected]