فلسفة سارتر عن الحب.. تناقض واستحالة

جان بول سارتر
جان بول سارتر
بصفته مفكراً وجودياً بارزاً، كان جان بول سارتر أحد هؤلاء الفلاسفة الذين قدموا رؤى فريدة عن ماهية الحب، حيث بحث عن دوره في الحياة، وكشف تعقيداته وسبل تقويضه لنطاق الحرية حال إساءة فهمه والتعبير عنه، فهو الذي قال ذات مرة: "أولئك الذين يرغبون بأن يُحَبوا، عليهم احترام مساحة الطرف الآخر، فمن الحرية ينبثق الحب، وإن أخضعت من تحب، سيصبح شيئاً، ومن الأشياء لا يمكنك تلقي الحب". اضافة اعلان

الوجودية والحرية:


لفهم فلسفة الحب لدى سارتر يجب إدراك المفاهيم الأساسية للوجودية والحرية، فلطالما آمن المفكر الفرنسي بأن البشر أحرار بشكل أساسي ومسؤولين عن وجودهم. يقول سارتر: نحن نشكل حيواتنا من خلال الخيارات التي نتخذها. والحب، كونه تجربة شخصية وعميقة للغاية، ليس استثناءً من هذه الحرية الوجودية.

المصداقية في الحب:


شدد سارتر على أهمية الأصالة في الحب. فرأى أن الحب الحقيقي يتطلب الاعتراف بكينونة الشخص الآخر وقبوله كفرد حر، إذ لا ينبغي أن يسعى الحب إلى امتلاك الآخر والسيطرة عليه، بل يجب أن  يحتضن الحب حرية كلا الطرفين ويسمح بالنمو الشخصي والفردي داخل العلاقة.

النظرة والتحديق:


في فلسفة سارتر، يتضمن الحب مفهومي النظرة والتحديق، فتشير النظرة إلى كيفية رؤيتنا للآخرين وكيفية رؤية الآخرين إلينا.
من ناحية أخرى، يتجاوز التحديق مجرد النظر وينطوي على مستوى أعمق من المشاركة، إذ اعتقد سارتر أن الحب ينشأ عندما يُبصِر شخصان  بعضهما البعض، ويحدقان  في ذاتيهما.

وهم الحيازة:


تحدى سارتر المفهوم التقليدي للتملك في الحب. فرأى أن الحب لا ينبغي أن يستند إلى الملكية والحيازة. عوضاً عن ذلك، على الحب أن يكون اعترافا بحرية الشخص الآخر واحتفالاً بفرديته، إذ يؤدي الاستحواذ إلى التشييء وتهديم استقلالية طرفي العلاقة، مما يعيق نموها ويبدد مصداقيتها.

الحب وسوء النية:


يشير مفهوم سوء النية بالنسبة لسارتر إلى خداع الذات ورفض قبول حرية المرء ومسؤوليته.

في سياق الحب، يحدث سوء النية عندما يستخدم الأفراد الحب كوسيلة للهروب من حريتهم أو تجنب تحمل المسؤولية عن اختياراتهم. من هنا، رأى سارتر أن الحب الحقيقي يتطلب احتضان حريتنا مع الانخراط الكامل في العلاقة، وإلا لن يكون المتحابون سوا شخصين صنعا مشروعاً مصيره الفشل حتما.

الحب كمشروع:


وفقًا لسارتر، الحب ليس حالة ثابتة ولكنه مشروع مستمر. حيث يتطلب الحب جهداً مستمراً وتفاهماً ودعماً متبادلاً، فينطوي على مفاوضات مستمرة واستعداد دائم للتكيف مع الظروف المتغيرة.

الحب والأصالة:


ينبع الحب الأصيل بالنسبة لسارتر من قبول الذات، حيث يجب على المرء أولاً فهم نفسه وتقبلها، ومن خلال هذا القبول الذاتي يمكن للأفراد الانخراط في روابط حقيقية وذات مغزى مع الآخرين.

الحب والحرية:


تؤكد فلسفة الحب لدى سارتر على التماهي بين الحب والحرية. فلا ينبغي للحب أن يقيد أو يحصر الأفراد بل  أن يعزز حريتهم ويسمح بالنمو الشخصي وتحقيق الذات مع الحفاظ على الاتصال والتفاني بين الشركاء.

الحب والكرب الوجودي:


اعترف سارتر بأن الحب يمكن أن يجلب معاناة وجودية عندما يعرضنا للضعف والخوف من الرفض أو التخلي، ويهددنا بقدراتنا وحدودنا وبفنائنا. ومع ذلك، اعتقد الفيلسوف الفرنسي أن تبني معاناة الحب أمر ضروري للنمو الشخصي والفهم الأعمق لأنفسنا وعلاقاتنا.

الحب كمصدر للمعنى:


"الحب لديه القدرة على إعطاء معنى لحياتنا"

في فلسفة سارتر الوجودية، يوفر الحب إحساساً بالإنجاز. فمن خلاله نتجاوز فرديتنا ونتواصل مع شيء أعظم من أنفسنا. مع الحب، نجد معنى عميقاً وسبباً لاحتضان تعقيدات الوجود.

ومع ذلك، يظل الحب بالنسبة لسارتر قضية معقدة وسؤالاً لا يعرف إجابة، هل يمكن للمرء أن يحب بحرية وأن يرغب بالآخر دون أن يرغب في حرمانه من حريته، وبالتالي سيكون هناك تناقضاً بين الحب والحرية؟

من هنا يدرك المفكر الفرنسي أن الحرية الحقيقية هي أيضاً حرية التغيير، بما في ذلك حرية التوقف عن الحب، كما يوقن سارتر، أن الحب عالم غير مستقر وخطير، ونوع من «المقامرة» على من نحن عليه.