في ذكرى فائق عبد الجليل

د. رشا سلامة
د. رشا سلامة
لم يجل في خلد الشاعر الكويتي فائق عبد الجليل أن أغنيته «جانا الذيب جانا الذيب، خرب في الديرة تخريب، عض الطيّب بعد الطِيب، شطب عالديرة تشطيب»، ستودي به إلى حتفه، إبان غزو القوات العراقية للكويت في مطلع التسعينيات، وأنها ستقذف به إلى مقبرة جماعية في كربلاء.اضافة اعلان
 يُفسِد الاحتلال أي جماليات، تماما كمثل حكاية فائق عبد الجليل، الذي أشبع الأغنية الخليجية شعراً رقيقاً عذباً، قبل غزو الكويت، ليعكف عقب هذا على صناعة أغاني المقاومة التي تحض على دحر المحتل وتتغنى بحرية البلاد، حتى اقتيد إلى حتفه.
حكاية فائق عبد الجليل درامية بامتياز، ولو قيض لمخرج سينمائي أن يصنعها فيلما لقلنا إنه بالغ في رسم أحزانها. سيُجلي عبد الجليل عائلته إبان الغزو؛ ليكونوا في مأمن، وسيعود إلى موقعه في الكويت، مواطنا وشاعرا، وسينسج القصائد الغنائية التي تنادي بدحر الاحتلال، وسيلقى القبض عليه من قبل القوات العراقية، وسيُرمى به في مقبرة جماعية في كربلاء بعد أن صوب على رأسه رصاصة، وسيتعرف ابنه لاحقا على جثمانه من خلال ثوبه والعلامة التجارية لملابسه الداخلية وطقم أسنانه، ومن ثم فحص الحمض النووي.
كان الابن قد عثر على ما تبقى من جثة أبيه عقب احتلال العراق على يد الجيش الأميركي في العام 2003. 
يا لأسى العربي، من تحت «دلف» الطاغية إلى تحت «مزراب» الاحتلال. وكأن قدر هذه الأوطان الحزينة أن تبقى تراوح في هذا المربع المرير.
سيعاد التاريخ ذاته بإبراهيم القاشوش في سورية، الذي دفع حياته ثمنا لغنائه ضد القمع وقبل أن تزهق روحه اقتلعت حنجرته، وقبل هذا وذاك ستصادر حرية الشيخ إمام في مصر؛ لغنائه الساخر ضد القمع والاستفراد بالقرار وضد الهزائم التي سبقتها أوهام نصر كبيرة.
في مشهد مقابل، في الزمن العربي الرديء، حاليا، تبرز أسماء فنانين عرب ينغمسون في التطبيع ويجاهرون به من خلال الصور والألحان والقصائد المهداة إلى كيان الاحتلال، فيما تعود إلى الذاكرة كوكبة لامعة من الفنانين الذين آزروا القضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة، في زمان مضى، على الرغم من الأثمان الباهظة التي دفعوها في السوق الفني في الغرب، على رأس هؤلاء البريطانية فانيسا ريدغريف التي لا يُنسى مشهدها وهي ترقص بين المقاتلين الفلسطينيين ببندقيتها، والقائمة تحتشد بأسماء فنانين عرب وعالميين سخروا مكانتهم الفنية في محاولة لإنصاف الشعوب المظلومة والمصادرة حريتها. من ينسى الجميلة نادية لطفي وهي تعتلي الباخرة التي غادرت بالمقاتلين الفلسطينيين من بيروت نحو المنافي المتباعدة؟
من ينسى مديحة كامل وهي تتلفع بالكوفية الفلسطينية وتؤازر المقاتلين الفلسطينيين؟ من ينسى محمود ياسين وعادل إمام ونور الشريف وعزت العلايلي وصلاح السعدني؟ من ينسى حملهم العلم الفلسطيني تارة والكوفية الفلسطينية تارة أخرى وتقديمهم أعمالا فنية ومبادرات معنوية كان لها عظيم الأثر في شد الأزر لا سيما إبان حصار بيروت؟
لروح فائق عبد الجليل، المولود في أيار (مايو) والشهيد في حزيران (يونيو)، المجد والخلود، تماما كما أراد وارتضى.