في مجلة الدراسات الفلسطينية.. قراءات وشهادات حول "طوفان الأقصى"

غلاف المجلة - (من المصدر)
غلاف المجلة - (من المصدر)
عمان- بمشاركة ستين كاتبا وكاتبة من فلسطين ومختلف دول العالم، صدر العدد الخاص (137) من مجلة الدراسات الفلسطينية، بعنوان "سلام لغزة".
هيئة تحرير المجلة ترى أن غزة لا يكفيها كتاب ليحكي ما جرى منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولن تفي القطاع مجلدات لوصف وتحليل مجريات ما حدث من مقاومة وجرائم احتلال، وذلك حين تضع المحرقة التي ترتكبها إسرائيل أوزارها. لهذا كرست "مجلة الدراسات الفلسطينية" العدد 137 كاملاً ليكون "كتاب الطوفان".اضافة اعلان
وتضيف الهيئة أنه على وفرة من التصميمات والأعمال الفنية التي تروي ملحمة "طوفان الأقصى"، آثرنا أن يحمل الغلاف اسم غزة العربي. وقد خصّ الخطاط اليافاوي ساهر الكعبي، كاتب "مصحف المسجد الأقصى"، "مجلة الدراسات الفلسطينية" بلوحة فنية يزينها رسم غزة الذي تحتضنه مقاطع من قصيدة الشاعر حسين البرغوثي "سلام لغزة"، التي توجنا بنصها الكامل قسم الشعر.
يقول البرغوثي في مقطع من القصيدة "سلام لغزة، فقر المخيم للخبز/ لكنه يتغنى الآن بالدماء/ فقر المخيم للأرض والخبز/ لكنه الآن يصعد للسماء./ سلام لكل حمائم غزة/ حيث ترف تلامس قلبي/ وتشرب مائي./وأعز من الكلام الصمت/ إجلالاً لمن يتبقى".
يتضمن العدد خمسة مداخل كتبها أكاديميون بارزون في مجالات العلاقات الدولية والقانون والسياسة والحرب والتاريخ، على المستويات العالمية، والعربية، والفلسطينية، والصهيونية، والإسلامية. تلتها حوارية "فلسطين: من القدس إلى غزة" مع المقدسي خالد عودة الله، الذي يصنع الطريق بالخطى، وهي رحلة ذات مسارات متشابكة في التاريخ السياسي والاجتماعي والعسكري للقدس وفلسطين، وما تستدعيه هذه المسارات من الإحالات إلى القدس وفلسطين و"إسرائيل" وغزة.
العدد توزع على أربعة محاور، يتضمن كل منها مقالات وتقارير وشهادات ودراسات. ويغطي "محور الأسرى والحرية" حال الأسرى الفلسطينيين، بين آلام الأسر وأحلام الحرية، خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة ومختلف الجغرافيات الفلسطينية، وما يتعرض له الأسرى من "إبادة غير مرئية" في ظل "حالة الطوارئ" الصهيونية وتواطؤ المؤسسات الدولية.
وكتبت افتتاحية محور الأسرى القيادية الفلسطينية والأستاذة والباحثة في جامعة بيرزيت خالدة جرار، التي اعتقلت في اليوم الحادي والثمانين للحرب، خلال طباعة هذا العدد. كما يضم المحور مساهمات عن مرضى غزة وفلسطينيي 1948 الذين أضحوا أسرى السياسات العنصرية الصهيونية المتصاعدة ضدهم والهادفة إلى تكريس حالة من الكمون في صفوفهم.
ويعرض "محور الإعلام والسردية" تغطية الإعلام الرسمي والعسكري والشعبي وأجنداته. وعلى الرغم من تركيز هذا المحور على "تغطية الحرب على غزة"، ويتضمن المحور شهادات عن حال الإعلام والثقافة في العواصم الغربية التي تتماهى حكوماتها مع مواقف الحكومة الصهيونية ودعايتها، بينما تهتف شعوبها باسم غزة وفلسطين "من البحر إلى النهر" في الشوارع والميادين.
أما "محور الإعمار والعمارة"، فيتناول تحليلات لمباني الهيمنة الحربية الصهيونية خلال الحرب، ومقترحات معمارية في توظيف أدوات الواقع الغامر في توثيق جغرافيا الحرب على طريق إدانة دولة المستوطنين التي لن تنتصر أبداً على رغبتها في النصر، بجرائم الحرب والإبادة الجماعية. ويسلط هذا المحور الضوء على الأمل، في ظل الدمار الشامل، من خلال عمليات الترميم والتصميم والتخطيط المعماري، وخصوصاً للمباني التاريخية التي دمرت الحرب عدداً غير مسبوق منها. ويتضافر مع ذلك نقد سياسات الدعم والتمويل لغزة، وشهادات على أمكنة غزة التي قضمتها آلة الحرب.
بينما يتضمن "محور الاجتماع والثقافة"، مقاربات تاريخية واجتماعية وثقافية وفنية، سواء على مستوى الثقافة العالمة أو الثقافة الشعبية، لحدث "طوفان الأقصى" وما تلاه من حرب إبادية على غزة. فمن ناحية، يشكل التاريخ الاجتماعي للمقاومة في غزة مقدمة لقراءة الأجواء القيامية التي خيمت وما تزال على غزة، وامتدت إلى عموم فلسطين والإقليم والعالم. ومن ناحية أخرى، يشكل فهم سياسات الصداقة والعداء في تاريخ الاستعمار الطويل لفلسطين والهيمنات المتعاقبة عليها، أداة تحليل للسياسات الثقافية والفنية، ولأنماط التضامن على امتداد العالم. ويكتمل قوس هذا المحور بدراسة تحليلية لثنائية البأس الاستعماري والأمل الفلسطيني.
وفي الزاوية الشعرية، تضمن العدد مجموعة قصائد لعشرين شاعراً وشاعرة من غزة، حل عليهم ضيفاً كل من الشاعر الراحل معين بسيسو بمقطع من مطولته "أبدأتَ تُحصي أضلعك؟"، والشاعر الراحل حسين البرغوثي بقصيدته "سلام لغزة" التي جعلناها عنواناً للعدد. وبين الشعراء، ثمة أربعة شهداء أودعت الحرب أجسادهم في تراب غزة، بينما زاحمت أرواحهم في سمائها طائرات الموت، وهم: هبة أبو ندى ورفعت العرعير ومريم حجازي وسليم النفار. ويشتمل العدد كذلك على ثلاثة أبواب ثابتة، تضم: تقرير فلسطين الحدثي، وقراءات عميقة في أربعة كتب عن غزة، ووثيقة خاصة هي "خطاب طوفان الأقصى" في يومه الأول.
الروائي اللبناني إلياس خوري كتب افتتاحية العدد التي جاءت بعنوان "أين تقع غزة؟"، يقول فيها "هل يستطيع العالم أن يعيش بلا قيم؟ كيف نعيش إذا لم نكن نمتلك ثوابت أخلاقية ندافع بها عن أنفسنا وعن حياتنا وعن مبررات وجودنا؟ نحن اليوم أمام مشهد لا سابق له، القيم كلها تتحطم أمام عيوننا ونحن عاجزون عن لملمتها. تعالوا نلملم القيم عن أرض التاريخ، وعن أرض غزة كي نستطيع أن نعيش".
يضيف خوري، كيف نلملم القيم؟ ننحني على أرض غزة، على الدمار المرئي فوق أرضها، وعلى أعماقها التي تصطخب فيها الحياة. لم تعد أعماق الأرض قبوراً فقط، بل صارت مكاناً للوالدات أيضاً. ننحني على الوالدات ونحيا معها مثلما متنا معها.
ونسأل، أين تقع غزة؟ فوق الأرض أم تحت الأرض؟ هنا أم هناك؟
فوق الأرض شاهدنا الخراب، ومتنا مع ألوف الضحايا تحت الأنقاض، لكننا كنا أيضاً شهوداً على الصمود الذي حول الأنقاض إلى بيوت يعيش فيها الناس لأنهم قرروا ألا يخرجوا من المكان، وأن يتماهوا مع أرضهم. لكن أعجوبة غزة اتخذت شكلها المدهش في صفقة تبادل الأسرى، فقد خرج الأسرى من تحت الأرض، وبذا أعلنت المقاومة أن الذي يملك تحت الأرض، يملك الأرض كلها.
غزة تحت الأرض تكتب اليوم جغرافيا العرب الحديثة. ففي الأعماق تموج صور الحياة بأشكالها الجديدة الطالعة من إرادة المقاومة ومن الإصرار على صناعة الحرية الحديثة. غزة تحت الأرض تموج فيها صورة الحياة الحقيقية، غزة المحطمة والمدمرة والميتة. غزة تحت الأرض تحمل مشعل عودة عقارب التاريخ إلى الوراء ليعود الحق إلى أهله، وتعود فلسطين إلى اسمها الذي هو فلسطين وستظل فلسطين.
وكيف نصل إلى غزة وهي محاصرة بأشكال الموت كلها؟ ولماذا غزة؟ هل لأنها تشكل اليوم الضمير المقتول، أم أنها تدعونا إلى المقاومة بأدوات نملكها ولا نملكها، لكن علينا أن نقاوم بها أو من دونها؟
تشكل غزة اليوم مقياسا لمآل القيم الأخلاقية في العالم، فهنا على الشاطئ الجنوبي للمتوسط تنهار جميع القيم، ويتحول الإنسان إلى ظل لإنسانيته. هنا في غزة تتم جريمة إلغاء التمييز، أو محاولة إلغاء التمييز بين العدالة والظلم، بين الموت والحياة، بين الضمير وغيابه.
كيف يمكن أن يبتلع العالم هذه الكمية من الأكاذيب التي اخترعها النازيون وقادت إلى الجريمة، وهو يرى الأكاذيب نفسها تتكرر، والجريمة تفترس الأرض؟ إنهم يكذبون بلا توقف، بهدف ماذا؟ يكذبون وهم يعرفون أنهم قتلة، ويدعون أنهم ملائكة. يكذبون وهم يعرفون أنهم يدمرون الأخلاق ويتغطون بالقيم الإنسانية.
إسرائيل هي آلة حرب وإبادة: آلة حرب ألنها جيش يمتلك دولة، جيش مهمته تصحير الأرض الفلسطينية عبر إفراغها من الناس، وإعدادها للاستيطان الاستعماري.
تأسست إسرائيل كجيوش مسلحة في مرحلة الييشوف، وبعد تأسيسها تسلم السلطة فيها زعيم القوة العسكرية الأكبر، وفرض توحيد الميليشيات بالقوة. وكان تاريخ إسرائيل هو تاريخ حروبها ضد الفلسطينيين والعرب، من حرب السويس إلى حروب غزة.
وهي آلة إبادة، لأن حروب إسرائيل على الفلسطينيين لا تهدف إلى إخضاعهم لاستعمارهم فحسب، بل إلى إبادتهم أيضاً. والإبادة تتخذ مراحل متعددة، من الحصار إلى الاستعمار الاستيطاني وصولا إلى الإبادة، أي إلى النموذج الوحشي الذي يرسمونه اليوم بدماء أهل غزة وآلامهم.
إبادة الفلسطينيين و/أو طردهم من بلدهم هي شرط وجود بالنسبة إلى الحركة الصهيونية في مرحلة هيمنة التيارات القومية والدينية. فالفلسطينيون يواجهون شرط الوجود الصهيوني بوجودهم المهدد وبدمائهم.
الرؤية الإسرائيلية إلى مستقبل فلسطين نراها في المجزرة المستمرة في غزة، وهي مجزرة لن تتوقف إلا حين يوقفها الفدائيون بأيديهم.
لغزة اليوم، يقف أطفال غزة الذين يختنقون، يقف أهل غزة الذين لا يجدون مأوى أو ملجأ، يقفون ونحن معهم، وحدهم، وحدنا، متمسكين بالقيم الإنسانية. الحرب لم تنتهِ، لأن إسرائيل الليكودية عاجزة عن قراءة الواقع مثلما تمخضت عنه أيام الحرب الطويلة. يحاولون وسيحاولون كثيراً تجنب تجرع كأس هزيمة غزوهم الذي صار عارا على جبين الإنسانية كلها. لذا سيحاولون من جديد، لكنهم في النهاية سيصطدمون بجدار الفشل.