"في مديح التفلسف" ندوة في دار خطوط وظلال

عزيزة علي

عمان- بدعوة من مركز تعلم وأعلم للأبحاث والدراسات، أقيمت أول من أمس ندوة بعنوان "في مديح التفلسف"، للباحث معاذ بني عامر، ود. أحمد ماضي، وذلك في مقر دار خطوط وظلال، في جبل الحسين.اضافة اعلان
قدم معاذ بني عامر تعريفا حول مشروع التفلسف الإنساني الذي يدور حول ثلاث مصفوفات رئيسية هي "المصفوفة الأولى تتكون من أربعة عناصر، وهي: الطفل، والإنسان الفيلسوف، والفيلسوف، والحكيم بما هو أكثر من فيلسوف. وهي بمثابة البناء أو الهيكل العام لمشروع التفلسف الإنساني، والثانية تتكون من ستة عناصر، وهي: الإله/ الإنسان/ العالَم/ الأفكار/ الأشخاص/ الأشياء. وهي بمثابة البناء الداخلي الذي يُعمل الإنسان المتفلسف آلته العقلية فيه، نقدًا، ومُحاججة، وتفسيرًا، وتأويلًا وإعادة إنتاج، والثالثة تتكون من سبعة عناصر، وهي: الأسرة/ المدرسة/ المجتمع/ القرار السياسي/ البناء السيكولوجي للإنسان/ القوة المعرفية/ الإمكان الإبداعي. وهي بمثابة الحواضن لمشروع التفلسف الإنساني".
بني عامر قال إن المصفوفة الأولى تتحدث عن "الطفل المتفلسف/ ثانيا الإنسان الفيلسوف/ ثالثا الفيلسوف/ رابعاً الحكيم"، مبينا أن الطفل إذ يسأل فإن أسئلته تدور بلا شك حول سُداسية: الإله/ الإنسان/ العالم/ الأفكار/ الأشخاص/ الأشياء، كلها أو بعضها. لكن ما يميز هذه الأسئلة أنها غير واعية من جهة وغير زمانية من جهة ثانية؛ أي أنها غير ناتجة عن عمل عقلي مسبق يُضمر طرح هكذا أسئلة ويريد البحث عن إجابات لها، بل إنها محض استنطاق لموروثات معرفية تراكمت على المستوى الجمعي وانطلقت فجأة عبر شخص لا يعي آليات انطلاقها. وهذا ما يفضي إلى لا زمانيتها، فكما أنها انطلقت فجأة فإنها تنعطب فجأة. لكن كيف يمكن التأسيس لطفل متفلسف إذا كانت أسئلته غير واعية وغير زمانية من ناحية، ولا تبحث عن إجابات من ناحية ثانية.
وأوضح بني عامر أن آلية استقبال هذه الأسئلة من قبل الآباء والأمهات، فإذا سمح للطفل بالمرور مع ما يقتضيه هذا المرور من احتفاء بانبثاقها، فإن الطفل يحصل على أهم حاضنتين في تكوينه الفلسفي: الأسرة، والثقة بالنفس. أما إذا تمت إهانة تلك الأسئلة وتحقيرها وتأنيب الطفل لمجرد أن خرجت من فمه، فقد تم إجهاض حاضنته الأولى على المستوى الخارجي وهي الأسرة، وحاضنته الأولى على المستوى الداخلي وهي الثقة النفسية.
وأشار المحاضر إلى أنه إذا تم إنشاء الحاضنتين الأوليتين: الثقة النفسية والأسرة من قبل الأهل لبلورة أسئلة الأطفال، فإن اللبنة الأساسية لبناء معمار الإنسان الفيلسوف تكون قد ثبتت، بانتظار أن يكتمل بناء المشروع على يد الإنسان المتفلسف. بالتقادم ينتقل الطفل من الأسرة إلى المدرسة؛ حيث تنمو أسئلته وتتعدد الإجابات المقترحة عليها، إذ يتم الانتقال بالأسئلة إلى مرحلة أكثر وعيًا وأكثر قصدية. فالطالب إذ يسأل فإنه يحضر لسؤاله نتيجة لعمل عقلي شبه ناضج من جهة، ومن جهة ثانية فإنه ينتظر إجابة ما، لأنه لم يطرح سؤاله عبثًا.
ورأى بني عامر أن هذا التمرين يتسع في المجتمع ويأخذ مدى أوسع وذلك بتعدد الذوات الفاعلة في المجتمع. ففي المجتمعات التي خاضت نقاشات طويلة وعلى مستويات مختلفة حول سداسية: الإله/ الإنسان/ العالَم/ الأفكار/ الأشخاص/ الأشياء، وتراكمت لديها خبرات هائلة حول تلك المفاهيم الأصلية، لن تجد حرجًا في الأسئلة أيا كان نوعها. فثوابت تلك المجتمعات على المستوى المعرفي متحركة وفقًا لآخر إبداعات العقل، لذا فإنه يشجع تلك الأسئلة وينمي سياقاتها المختلفة، بحيث تزداد قوتها ومتانتها المعرفية على المستويين الفردي والجمعي.
وعن المجتمع كحاضنة ثالثة، قال بني عامر "بعد حاضنتي الأسرة والمدرسة، يصبح منزع التفلسف منزعًا واسعًا وشاملًا لكل من يريد التفلسف: الروائي والشاعرة والراقص والموسيقي والنجار والممثل والفنانة والمعلم…إلخ. طالما اشتغل المتفلسف على إنجاز الحاضنتين الثانية والثالثة: حاضنة القوة المعرفية وحاضنة الإمكان الإبداعي، إضافة إلى الحاضنة الثالثة والمتمثلة بالثقة النفسية. فالإزاحة التي يراد إحداثها في بنية العمل الممارس، على صاحبها أن يتوافر على قوة معرفية هائلة تؤهله أن يستحضر إبداعات الغير لحظة التلقي، وينفصل عنها لحظة الإبداع. أي أن يكون قادرًا على تجاوز ما أبدعه الآخر، بناء على وعي معرفي عميق. وأن يتوافر كذلك على إمكان إبداعي يجعله مؤمنًا بذاته كذاتٍ فاعلة في العالَم، وليس مجرد مفعول بها أو منفعلة بما تتلقى؛ أي أن يسهم مساهمة حقيقية في إضافة جديد إلى الحياة، لم يكن لأحد غيره أن يضيفه.
وخلص بني عامر إلى أنه من أجل أن تكتمل أطروحة بناء الإنسان المتفلسف، لا بد من التوافر على حاضنة سابعة إلى جانب حواضن: الأسرة/ المدرسة/ المجتمع/ الثقة النفسية/ القوة المعرفية/ الإمكان الإبداعي؛ ألا وهي حاضنة القرار السياسي. وهذه الحاضنة هي الضامن الأساسي لحماية المجتمع من أي فكر خلاصي يحتكر الأسئلة والإجابات عنها بشكل مطلق، وذلك من خلال شرعنة الخلاصات المعرفية وحمايتها قانونيًا، بحيث يصبح لأي متفلسف القدرة على إبراز إبداعه من دون خوف أو ابتزاز.